التشكيل العراقي المعاصر جذور وآفاق ورموز … الجزء الاول


 

ثمة تمظهرات دلالية في خطاب التشكيل عبر العصور ، قد احتفت بالغيبيات (الأطياف) أو المسكوت عنه ، لصالح القوى اللامرئية .. عندما وجدنا ان كل صورة بصرية رمزية في الفن العراقي تمثل في الأساس ايقونة طبيعية (آدمية او حيوانية او نباتية..) تحولت بفعل عمليات التعرية (التبسيط – الاختزال – التجريد – التسطيح ..) إلى رمز مجرد ، منذُ العصور الحضارية الأولى الرافدينية (سومر وأكد وبابل وآشور) التي أشّرت سطوة الفكر الأسطوري على ذهنية الإنسان العراقي ؛ بتوصيف ان الرمز يعد بمثابة دالة طقسية تتمفصل بالمعتقد بشكل عام وبنظام الكون بشكل خاص .

بهذا أصبحت المرجعيات الحضارية الرافدينية والإسلامية بمثابة جسداً ثقافياً للتشكيل العراقي المعاصر ؛ تجعل من الفنان فيلسوفاً ، يحاول أن يمنح الظواهر الطبيعية بعض الرموز الماورائية من خلال إحالة سطوح تكويناته الفنية إلى نظير معادل لوجود الإنسان المتناهي وبقاء الأفعال (الأثر) كقيمة معنوية مفتون بكل ما هو ابدي من خلال إتباعه أساليب التجريد والتحوير والتهجين في تكويناته وإزاحة كل ما يُذكر بالعالم المادي بحثاً عن اللا مألوف (اللامرئي) لتصبح الروح بمثابة ذاكرة متوازية مع الذات الاخرى – حسب تعبير برغسون – لامتدادت بلا حافات.

بدايات التأسيس بين التأثيث والتسجيل:
تمظهر الحقل البصري في مجال التشكيل العراقي المعاصر بصور متعددة ، باعتباره أداة خاصة لعرض المعاني (المضامين) ، المقترنة بأشكالها المرئية ، فيكتسب حينذاك – النص التشكيلي – مناخاً تعبيرياً يُشعر المتلقي بالتئام بنية المشهد التصويري الزمانية والمكانية مع الفكر الإنساني بإطار موحد ينهض بسير النص التشكيلي وتحديده مرئياً منذُ البدايات الأولى للتشكيل العراقي المتمثلة بنتاجات الفنانين الأوائل والتي أظهرت الصراع الجدلي حضارياً وفكرياً وسياسياً مع الآخر الغربي ؛ حيث امتلك التشكيل العراقي اشكالياته الأزلية في التجارب الأولى (عبد القدر الرسام – عاصم حافظ – الحاج محمد سليم – صالح زكي …) المهتمة بذاكرة المكان والمحتفلة بالتسجيل والمنسحبة الى التقاليد الأكاديمية الغربية ، احتفالاً بالمرئيات .

اذ وجدنا هنالك صدى لهذه التجارب التأسيسية بالرغم من اشتغالها على آليات السرد الموضوعي ، ولكن فيما بعد أخذت بالاتساع في مداها لحظة التمرد شيئاً فشيئاً على بنية الشكل المرئي في الاسلوب والاداء التقني ،عندما تم تأسيس معهد الفنون الجميلة (1939) وافتتاح فرع الرسم بعد الموسيقى برئاسة الفنان فائق حسن ومن ثم افتتاح فرع النحت (1940) على يد الفنان جواد سليم وصولاً الى فرع الخزف الذي افتتح فيما بعد على يد الخزاف البريطاني أيان اولد أولا وثانيا الخزاف القبرصي فلانتينوس في بدايات خمسينيات القرن الماضي، مما أدى ذلك الى انبثاق جماعة أصدقاء الفن (1940) بمبادرة بعض الفنانين (أكرم شكري – عطا صبري ..) والذين أسسوا معرضهم الأول عام 1941 المحتفل بالنزعة الاجتماعية ذات الطابع الإنسانية وصولاً الى تأسيس جماعة الرواد (1950) وحتى بداية الخمسينيات التي أظهرت جماعة بغداد للفن الحديث (جواد سليم – فائق حسن – شاكر حسن ال سعيد- نزيهة سليم …) عام 1951 وجماعة الانطباعيين (1953) بزعامة الفنان حافظ الدروبي التي أشرت دورها الريادي في تكثيف البعد الثقافي والمعرفي والجمالي في الفن ، في محاولة منهم في دمج المرجعيات الحضارية العراقية القديمة والموروث الاسلامي بالمعاصرة ، وفق رؤية شمولية للفكر الانساني ، بحثاً عن الهوية الفنية التي أثارت الاسئلة حول ماهية الوطن والوجود ؛ مما يؤدي إلى اندفاع الفنان نحو السير وراء الصورة في استكناه العلاقات الجدلية القائمة بين المرئي واللامرئي ، بين الشكل والمضمون والمتمرحلة بالصورة من مرحلة التشبيه والاستعارة والتمثيل بالمرئي ، مروراً بكنه الشيء ووصولاً إلى التجريد فالحقيقة اللامرئية المطلقة ..؛ على اعتبار ان بحث الفنان عن ما وراء المرئيات ، يقود الصورة إلى المثال عبر عمليات الإحالة والتشفير والتجنيس ، لتفسير الغائب بمفردات مجردة من كل أصنام البعد المكاني ، فيصبح كل شيء مرتبطاً بالمطلق .

وفي حدود تاريخنا التشكيلي المعاصر في العراق ، نجد هنالك الكثير من النتاجات الفنية في الرسم (فائق حسن – جواد سليم – جميل حمودي – عطا صبري – محمود صبري – شاكر حسن ال سعيد – نوري الراوي – اسماعيل الشيخلي – كاظم حيدر …) وفي النحت (جواد سليم – محمد غني حكمت – خالد الرحال – صالح القره غولي – عبد الرحمن الكيلاني – عامر العبيدي ..) والخزف (سعد شاكر – سهام السعودي – طارق مظلوم –تركي حسين – نهى الراضي – ماهر السامرائي – جواد الزبيدي ..) .. قد احتفلت بالجذور والموروث ، كحضارة وكفكر وتاريخ انثروبولوجي اجتماعي ، تلبي حاجات وجماليات وتاريخ المدينة المُقدسة ؛ على اعتبار ان ذاكرة المُدن ، تبحث من خلال الايماءات والتراتيل الطقوسية ، عن هويتها الثقافية ،من خلال ابداعات أبنائها .. وبالتالي نلاحظ ان التشكيلي الذي يستوحي مفردات الشكل الميثولوجي ، كان ينوي التمسك بالقيم الروحية لأجل الابتهال لروحه التائهة في ملكوت الوجود .

ومهما يكن تبقى اغلب نتاجات الفكر الفني والأدبي المعاصر في العراق والتي ما زالت تعكس تنوعها وتجددها لدرجة التناقض والاختلاف في الرؤية والأسلوب ، تنتظر لحظة اقتناص الهوية التي تُعد نتاج حضارة متكاملة الأبعاد ضمن إطار فكري روحي ينم عن تكامل في الاداء …؛ بوصف ان التجارب الفنية في التشكيل العراقي المعاصر التي لا تمتلك هويتها لا تمتلك مصداقيتها …؛ فالنتاج الفني طبقاً لنظرية التأويل له قطبين ، الأول فني والآخر جمالي … فالأول يشير إلى ان النص ما هو ألا إبداع الفنان ، بينما الجمالي يدرك من قبل القارئ (المتلقي) .<img
فقد شهد التشكيل العراقي المعاصر مع الفنان جواد سليم على وجه الخصوص ، تنوعاً في الطروحات الفنية ، المحتفلة بالثقافات المتجاورة والتي تحيد بذاتية الفنان بعدم الاكتفاء بتحليل الواقع العياني وإعادة صياغته ، وإنما البدء بإنتاج تكوينات خاضعة للتأويل تتجدد بتجدد فعل القراءة في رحلة البحث عن الأعماق .. وبالتالي تكثر الأشكال المتحررة من سطوة العلاقات الأحادية التي تساعد في امتلاك التكوين خاصية الانفلات من المعنى المجازي باتجاه القيم الجمالية المحتفلة بالدلالات الروحية التي تساهم في تعدد القراءات للمشهد الواحد ، محدثةً بذلك تشظيات في الجسد الثقافي والفني .

كما في رائعته النحتية نصب الحرية فضلاً عن لوحته ” كيد النساء ” ، التي استقاها من وحي ذاكرة التراث الشعبي .. عندما كثـّف فيها العديد من العلامات والرموز الفلكلورية والحضارية وفق بناء درامي رصين ، يقترب من أسلوب مدرسة بغداد في التصوير الإسلامي ؛ بمعنى ان الخطاب البصري لدى الفنان ” جواد سليم ” في أكثر روائعه التشكيلية ، قد جعل من ثقافة المرجع المتراكمة ، لغةً وحوار مع الآخر، تبدأ بالتأمل في أشياءه قبل رسمها أو نحتها أو كتابتها ومن ثم التمعن في المفهوم المعرفي والجمالي الخاص بها والكيفية التي يتم بها فلسفتها، ليتسنى له إذكاء تكويناته الجسدية ، بطاقات التعبير .

فمنذ بواكير الحداثات الأوربية – بحدود أربعينيات القرن الماضي – وجدت العديد من الدعوات ، تشير إلى أهمية استلهام التراث في الفن ، عبر عمليات أدائية تهتم بتجاوز الشكل المرئي الوظيفي والاتجاه نحو الشكل المتخيـّل المنتج للأسئلة التي احتفل بها تاريخ الفن العراقي المعاصر ، كضرورة داخلية تعيد الإنسان إلى الأعماق ، المتمثلة بالتراث الحضاري القديم (السومري – الأكدي – البابلي – الآشوري ..) بجانب التراث الإسلامي ..، فقد اعتبر الفنان العراقي والتشكيلي على وجه الخصوص ان مسألة الموروث الحضاري أو التراث سلامي والشعبي والمعاصر ، بمثابة قضية إنسانية وغاية عليا ، تتمفصل الى حدٍ ما بالجذور (الاصول) ، كلغة تستنطق الذات لأجل التواصل والتحاور مع الآخر.

1 تعليقك

  1. لا بد من الاطلاع على الموروث الثقافي للدكتور خزعل الماجدي خاصة محاضرته الاخيرة عن الاسطورة لتفسير رموز الغيبيات . شكرا لك

اترك رد