بين الفردي والجمعي وما يثيره الخلل فيهما؟

 

منذ تأسيس الدولة العراقية مطلع عشرينات القرن المنصرم، كانت هناك تشكيلات مجتمعية جسَّدت طابع المجتمع الزراعي ومنظومته الاقطاعية التي ورثتها عن قرون من حكم العصمللية الظلامي.

وإذ ظهرت تشكيلات طبقية أخرى من شغيلة وبرجوازية باختلاف فئاتها ومن طبقة متوسطة فإنّ تجمعات مهنية نقابية وأخرى سياسية تشكلت رديفة ومعبرة عن تلك التكوينات المجتمعية..

وما يهمني هنا توكيده هو تشكيل تنظيمات ديموقراطية تنويرية عديدة، شهدت ظروفاً مختلفة في مسارها ومنطق اشتغالها وتطورها.. ولربما كانت عقبات ومشكلات ناجمة عن ظروف موضوعية عامة قد جابهت تلك التنظيمات، إلا أنّ ظروفاً بنيوية ذاتية قد جابهت بقوة أوضاعها التنظيمية وظروف حراكها وأدائها…

إنَّ طابع المجتمعات المتخلفة وتلك التي تحكمها تشكيلات ما قبل الدولة الحديثة مثل القبلية والطائفية عادة ما تتسم بإفرازات تلك التشكيلات وثقافتها حيث حالات أو ظواهر الفردنة \ الشخصنة والشللية تتقاطع مع طابع العمل الجمعي المؤسسي للمنظمات…

وكثرما تظهر تلك السمات في ظروف المنعطفات والضغوط الهائلة التي تتعرض لها شخصية المواطن بخاصة هنا (التنويري)… أما، كيف ومتى وتحت أية ظروف جرت وتجري تلك الضغوط، فتلكم هي القضية التي أحاول اقتراح رؤوس أقلام للحوار بشأنها..

لقد أدت ظروف المطاردة والقمع ومصادرة حرية التنظيم والاجتماع إلى فرض ضغط استثنائي أزموي على التنظيمات الديموقراطية فدفعت في كنف الصراع والخشية من الاندساس والاختراق وسقوط بعض العناصر فريسة الابتزاز، دفعت إلى اتخاذ سياسة تنظيمية وقائية بعينها يعرفها التنويريون المنظمون في أحزاب وجمعيات أو نقابات واتحادات.. الأنكى أن امتداد سلطة الطغيان والدكتاتورية قد أفضى لحالات نفسية ليست بسيطة أو عابرة ولربما تضاعفت سمات (الحرص) على تأمين المنظمات واعتقاد امرئ من أعضاء تلك المنظمات أنه الأحرص ضد احتمالات الخرق فتحولت إلى ممارسات تركِّز المهام والمسؤوليات بيد طرف تتشكل في ضوئه حالات سطوة النزعة الفردية متضمنة إبعاد عناصر تنويرية سليمة بتبريرات، تشكل خللاً بنيوياً. ولعل مثل هذه السمات وهي ليست ظاهرة كبيرة أو متفشية ولكنها حالات فردية محدودة لعلها امتدت لتصير موجودة اليوم بخلفية ظروف ضاغطة ربما شبيهة، من بعض أوجهها…

مع هذا العرض الأولي لابد من الاعتراف بأنَّ مجتمعاً يشهد تراجعا كلياً شاملاً، حتما سيفرز تراجعاً في الوعي ومستوى الثقافة والخبرات المتراجعة في ظرف تعكس ذاك التراجع الشامل..

إنّ حلول نظام شبيه بنظام الطاغية من جهة طابعه الاستغلالي وتحديدا تفشي ظواهر السجون السرية والاختطاف والاغتصاب وضغوط باختلاف مستوياتها وطوابعها يؤكد الدفع بأمراض تخترق بهذا المستوى أو ذاك الشكل لتنظيمات ديموقراطية ليست وليدة مجتمعات أخرى ولكنها وليدة مجتمع متراجع تحت هيمنة ظلامية مليئة بالأمراض…

عادة ما شاهدنا الجيل الجديد يشكل تنظيماته وجمعياته ويحاول استذكار الخبرات ومفردات الأنظمة الداخلية ولوائح العمل وآلياته ولكن من دون دقة من جهة ومن دون تصبيت وتوثيق ودربة في الأداء أما لتراجع الذاكرة وضعفها أو لظرف التعامل المستجد مع العمل التنظيمي..

في هذه الأجواء توجد فضاءات تسمح بالفردنة والشخصنة وربما الشللية في العمل، ظنا أن ذلك هو البديل المتاح في اللحظة الراهنة. فتنطلق صراعات وأزمات متأسسة على طابع السلوك الفردي وتعارضاته في ظروف الثغرات القائمة..

إن شخصنة الأداء و\أو حال شللية العمل وأمراض أخرى ظاهرة باتت تصيب العمل الجمعي والمؤسسي لقوى التنوير مهما بقيت (محدودة) يجب الانتباه عليه بجدية وكبح اية فرصة لتفاقمها أو تجذرها سلبيا..

ولابد أن يرافق الاعتراف بوجود تلك الحالات توكيد حقيقة أنه ليس بالضرورة أن تكون الشخصنة متأتية عن وعي مسبق ولكنها قد تتأتى من توترات نفسية، اجتماعية أو من تفاقم أو تطرف وتشدد في الحرص لحماية جهة وكأن المعني هو الوحيد الأحرص في الأداء؛ ما يُفضي إلى إقصاء الآخرين وخلخلة العمل بمجمل مفرداته..

ولابد لي من إشارة قوية إلى حالة تبادل التأثير مع الأمراض الاجتماعية، مما يسود في ظرف التراجع والتخلف، من ميل إلى قبول الثرثرة وإلى غض النظر عن حالات الغيبة والنميمة تجاه الآخر ومن ثمّ انتقال ذلك لعناصر عاملة سواء بقصد أم بغير قصد.. فإن جاءت بقصد فهي اختراقات مرسومة للتخريب أو لاختلاق العثرات وانفراد جهة أو أخرى وهي بجميع الأحوال تخدم قوى ظلامية معادية لمهام التنوير وتنظيماته، وهو ما قد يحدث حتى إن جاءت غير مقصودة ولكنها تفضي لتلك المشكلات العويصة التي تظل تعمل أثرها أولا باحباط أعضاء التنظيم وانعكاس الاحباط على جمهور التنويريين والنتيجة مزيد خدمة للظلامي ومن يستغل المشهد ببشاعة…

إنّ إصرار بعض زملاء العمل على مواقف مشخصنة واتخاذ قرارات مستعجلة لا تخضع للوائح هو سبب خطير ومقدمة مهولة الثر للتخريب وإنهاء فرص التأثير الإيجابي…

إنّ ظواهر الاحباط تتأتى بسهولة مثل سهولة هدم بناية مقابل صعوبة البناء! كما أن الاحباط وكسر المزاج الثوري القادر على التغيير الجوهري تتم بصيغة العدوى وكل التضحيات والأعمال المأثورة المميزة لن تنفع في التصدي لذاك الاحباط عندما يحدث بتلك الخلفية وما تعنيه من اسباب.. صحيح أن عناصر التنوير مخلصة في مساعيها وصادقة مع ذاتها إلا أن إمكان إصابتها بذاك السلوك والتصرف أمر قائم ما يؤدي لتلك الحالات التي تحذر معالجتنا هذه منها..

إن الفردي الخاص والجمعي العام سلوكان يمكن أن يتكاملا إيجاباً عندما يتكافلان في الأداء على وفق خطط موضوعية سليمة المنهج.. ولكنهما يكونان يشتغلان بصورة إتلافية هدمية وتخريبية عندما يتعارضان ويوضعان بالضد من بعضهما البعض..

حيث سحب الصلاحيات وترميزها في الفرد أو التخيل والتوهم للحظة أن طرفا فرديا يمكنه أن ينوب كليا عن المجموعة وعملها المشترك جمعيا مؤسسيا! وحيث ادعاء الفرد صوابه المطلق مقابل خطل الآخر ثم بناء القرارات بناء على هذا الوهم إنما مؤدى ذلك كله ليس سوى اشتغال تنظيمات ليست بتنظيمات ديموقراطية بحق ولكنها تشكيلات مرضية شوهاء تحمل تسمية الديموقراطي بينما تكتسي طابعا وهويةً متعارضة وحقيقة الهدف النبيل من وجودها..

إن محاولة إقناع جمهور التنويريين بسلامة ما يقود إليه طرف يتسم اشتغاله بالفردنة لن ياتي بنتيجة سوى الخيبة ومزيد احباط وانحسار الجمهور عن إدارة أو قيادة لا تستطيع لجم نوازع الفردنة \ الشخصنة في أدائها. وهكذا نتأكد من حقيقة أن الانحرافات السلوكية القيمية التي تترافق والانهيار في مجتمع أو الهزيمة في وجدان مجموعة أو صعوبة هضم المتغيرات والاندماج بمجتمع متقدم إنما هي أمراض اجتماعية تنعكس بمجمل مسارات العمل وأوله العمل الجمعي المنظم الذي ينهدم بفعل تلك التصرفات…

لربما اتسعت الأمور حيثما بحثت ظواهر الفردنة عن تعويض خسائر ذاتية أو توهم (ردّ) بصيغة فرضتها ثقافة ثأرية بانتقام حتى لو كان الانتقام يدرك إيذاء الذات! ومن الطبيعي أن تشير تلك الأعراض إلى عزلة في الإحساس تم وضع صاحبها وسط وجود جمعي أو شعور باكتئاب باختلاف درجاته وطابع الانعكاس في المحيط الخاص والعام دع عنك تضخم الذات وما يقود إليه عندما يعني خواء الذات وتمظهرها بخلاف حقيقتها…

دعونا نتلمس بمحور آخر سر الشخصنة المتأتية في الغالب من إلغاء التركيز على أولوية الأفكار والبرامج والانحصار والتحدد باستغلاق على تضخم (الرمز) ما يدفع لظاهرة لماذا لستُ أنا الرمز وأنا المحرك المتميز هذا مؤداه ما اشرنا إليه من تضخم شديد الخلو من المعاني وقدرات التفاعل الإيجابي وأترك لعلماء الاجتماع السياسي والسوسيو سايكولوجي التدقيق هنا بالمصطلح وبجانبي النهر فيه من سبب ونتيجة..

ما يهمني توكيده هو أن نخطِّئ الآخر عندما نلغي رمزيته مقابل تضخم الذات فينا ومحاولتنا تحويله لرمز استثنائي فينتفي الحوار في الفكرة والبرنامج ويتحول منهجنا الجمعي لمنطقة الفردنة المصطرعة سلبيا فتأخذ أغلب إن لم نقل كل طاقة العمل بين أعضاء العائلة أو جماعة العمل المؤسسي المنظم… المشكلة هنا ليست في القيم فزيد وعمرو يؤمنان بالتنوير ولكن سلوكهما، تصرفهما شابته النزعة إياها (الشخصنة) ورمزية الفرد التي تضخمت الذات عنده بصورة محسوسة أو غير محسوسة يقتضي هذا (مرضيا) درجة تصل تبادل الاتهامات بلا سند سوى أن الفكرة يخرجونها من طور المعالجة المشتركة لتكون صائبة أو خاطئة في ضوء من يحملها وزاوية النظر إليها من اي من الأطراف تنطلق وهكذا سنجد الصائب يصير خطأ لمجرد التعارضات الشخصية والخطا يصير صائبا بانقلاب الشخاص ورمزية النظر إليهم… هذه هي الشخصنة حيث يُترك الموضوع ويتمسك المتناظرون بسجال لا بحوار بمن يكون طارح الفكرة وليس بطبيعة الفكرة وفرص تنميتها وتنفيذها…

والشخصنة هي أن نقف حيارى في حسم موضوع تحريك العمل في مؤسسة أو تنظيم لأننا أمام طرفين أو أكثر يلفتون النظر إلى الفكرة التي تم الاختلاف بشأنها وسبل معالجتها بل إلى صواب المتحدث وخطأ الآخر حيث لا احترام للآخر ومن ثم لا إيمان بحق الآخر في التعبير عن معالجته في فكرة وتحويل الفكرة من مستوى موضوعي في الحوار ومعالجاته إلى ذاتي يلغي فرص الحراك بل يلغي طابع التنوير في جهة مؤسسية او تنظيم بعينه وما يضع الحيرة في الحكم عند من يحاول الحل وتقديم البديل هو الخنادق التي تم تكريسها والتمترس خلفها بنيات شخصنت الأمور…

وبخلاف الحل المتجسد في المنطق، المنهج والأسلوب عندما ينتمي للمجتمع وطابع الحوار واحترام بصمة الإنسان بين الذات والآخر يكون النقيض في فرض ظواهر سلبية مرضية كما الغيرة والذاتوية والانحطاط بالأسلوب نحو السباب واللعنات والتجريح في الآخر والانطلاق من رمزية الشخص نفسه وما يفترضه في وجوده وفي تقديم الشخص الرمز على الفكرة الموضوع مقابل تشويه الآخر بكل ما صح وقوعه وما لم يصح…

إن قوى التنوير تقوم بوجودها على سلامة التكامل التفاعلي الإيجابي بين الفردي والجمعي وهذا يعني التزام الفرد باللوائح الناظمة للعمل الجمعي وبالإثرة والتضحية وبالتمسك بمنهج الموضوعية في إدارة الحوارات.. عليه كان لابد هنا من تنقية أجواء الاشتغال والمبادرة المتجددة في ترويض الأنفس على مكافحة التوتر والاكتئاب ومظاهر التضخم في الذات وطريقة فهم الأفكار والرؤى والتعامل مع أساليب تلبيتها وتنفيذها…

إن سببا يتحدث عن انغلاق فرص الحوار بين أطراف ديموقراطية حتى إذا حدث افتراضا بشأن فكرة أو برنامج فإنه لا يصل إلى درجة انفراد طرف في اتخاذ قرار الذهاب إلى الهيآت العامة للمنظمات من خارج اللائحة.. وإن حدث ذلك فهو فضيحة بكل مقاييس الأفكار والمناهج ولا يتلاءم حقا مع سلامة وجود التنظيمات الديموقراطية بوصفها القوة التنويرية لطريق التغيير والانتصار لمسار التقدم والتنمية واحترام الإنسان…

أكتب بعجالة هذه الكلمات والأسطر بقصد توجيه رسالة ربما غير مباشرة إلى بعض أطراف العمل الديموقراطي في الوطن والمهجر وما يدور باتجاه ترتيب الأوضاع بطريقة مزاجية فردية لا يقرها منهج ديموقراطي بأي وجه…

عساني أوصلت فكرة مقبولة في الحوار والنقاش بين أطراف سيبقون جميعا يحملون ذات القيم ولكننا جميعا بحاجة لأن ينبه بعضنا بعضا على ما قد نسهو فيه ..

ولنتفكر ونتدبر قبل فوات الأوان

لا تعليقات

اترك رد