دعوة للحفاظ على تراثنا السينمائي

 
دعوة للحفاظ على تراثنا السينمائي

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي أثارتني صورة للمخرج (مارتن سكورسيزي) وهو يجلس وسط مجموعة كبيرة من علب الافلام السينمائية ،وكان الخبر تحتها يومئذ أن المخرج الامريكي الكبير يسعى من ضمن جهوده الانتاجية الى حماية الاشرطة السينمائية القديمة واعادة ترميمها لينظم اليه في حملته تلك مخرج ومنتج كبير مثل (ستيفن سبيلبرغ).

قبل ذلك التاريخ بسنوات ،تحديدا عام (1978) أحترق أكثر من أثني عشر مليون قدم من النسخ الاصلية لافلام شركة (يونيفرسال)، بعد ذلك التاريخ بعامين أو ثلاث سافر (سكورسيزي) حول العالم حاملا كاميرته ليصور لقطات لافلام كلاسيكية قبل أن تتعرض للتلف ،عندما عرض فيلم سكورسيزي الوثائقي هذا في أغلب دول العالم أصاب الكثيرين بالرعب وهم يشاهدون ما يحصل لافلام مثل (الفهد ،لورنس العرب ،غناء تحت المطر ،الملك وأنا) وغيرها من الافلام الملونة وقد تحول لونها الى لون باهت أسمر.
في العام التالي تلتهم النيران النسخة الاصلية لفيلم (المواطن كين) ،هنا تنبه صناع السينما في العالم أخيرا الى تحذيرات (سكورسيزي) ولحملته في أنقاذ التراث السينمائي بأسرع وقت قبل أن يضيع ،والتاريخ يصبح بلا تاريخ.
المركز الوطني للحفاظ على الافلام أعلن في تقرير خاص أن أكثر من (50%) من الافلام السينمائية المنتجة لحدود عام (1950) قد أختفت وضاعت وأتلفت بسبب الاهمال ومن ضمنها (90%) من الافلام الصامتة، والسبب في ذلك التلف هو أستعمال نترات (السليلويز) وهي مادة تتحول بمرور الزمن وسوء التخزين والاهمال الى مجراد تراب وقابلة للاشتعال.

خلال الثمانينيات أيضا قامت جهات عدة من ضمن مشاريعها الانتاجية باعادة ترميم أفلام كلاسيكية مهمة وأنقذت من التلف فيلم (نابليون) المنتج عام (1927) لـ(أبيل غانس) وفيلم ديفيد لين (لورنس العرب 1962).

جامعة كاليفورنيا أقامت في تلك الاعوام مهرجانا سينمائيا كبيرا للاحتفال بالافلام التي أستطاعت الجامعة أعادة ترميمها وبشكل سليم.

نهاية الثمانينيات أعلنت مكتبة الكونغرس اعتبار (25)فيلما سينمائيا من التراث الوطني وحفظتها في خزائنها.

هذا على صعيد الدولة ومؤسساتها أما الشركات الكبرى فأن المنتج المليونير (تيد تورنر) أشترى مكتبة شركة (مترو غولدوين ماير) كاملة بسعر (بليون وثلثمائة مليون دولار) ولنركز- على كمية المبلغ- وطبعا المكتبة تساوي ضعف هذا المبلغ ولكن قبول شركة (مترو) بالامر بسبب أن أمكانية تورنر أكبر بكثير في المحافظة على النسخ الاصلية ،بعد هذا الحادث بعام ربح (تورنر) مبلغ (مليونين واربعمائة الف دولار) من ترميم وبيع نسخة محدثة من فيلم (ذهب مع الريح 1939).

بالتأكيد مثل هذه الجهود في ذلك الوقت لا تمثل سوى نسبة ضئيلة مما يجب أتخاذه من خطوات للحفاظ على تراث السينما الخالد (خصوصا ان العالم الآخر يعتبر هذه الافلام ثروة قومية وتاريخ بلد وتراث أمة وكينونة وجودها) ،أن ترميم النسخ السينمائية التالفة أرتفعت تكلفتها كثيرا حوالي من (2) الى(5) دولار للقدم الواحد، وأذا ما عرفنا أن هنالك أكثر من (150)مليون قدم يجب معالجتها أدركنا هول الكارثة وحجمها.

المؤسسة الوطنية لمنح الفنيين أخذت على عاتقها (ضمن حدود ميزانيتها الضئيلة) أنقاذ ما يمكن أنقاذه ،مثلما ساهمت في الحملة جهات ومؤسسات أخرى بانقاذ بعض الاشرطة القديمة.

في وطننا العربي (مصر كمركز الانتاج السينمائي العربي) صادفت هذه المشكلة المنتجين وعشاق السينما ،لقد أكتشف مثلا (فؤاد الاطرش) تلف فيلمين من أفلام الرائع (فريد الاطرش) في أستوديو مصر، وقام في ذلك الوقت برفع دعوى ضد الشركة المنتجة للافلام وكسب الدعوة ،وبعد أن وجه نداء للموزعين العرب الذين يحتفظون بنسخ من هذه الافلام أستطاع الحصول على نسخ جديدة من فيلم (حبيب العمر 1946) وفيلم (تعال سلم 1951).

قبل سنوات قليلة (وبعد الغزو التكنولوجي) قامت شركة (روتانا) بشراء وأعادة ترميم مجموعة من الافلام العربية الكلاسيكية في تاريخ سينمتنا العربية.

في عام (2005) نشرت مقالا على صفحات جريدة الصباح العراقية معنون باسم (مركز السينما الفني) ملخصه أننا أذا اردنا احياء السينما العراقية فلابد من وجود مركز سينمائي متخصص يأخذ على عاتقه الاهتمام بالشباب وانتاج الافلام وتفعيل نوادي السينما وغيرها من المقترحات ومن ضمنها أنشاء (سينماتك) لحفظ أرشيف السينما العالمية والعراقية والعمل على أنقاذ أرشيفنا السينمائي من الاهمال والتلف.

بعد خمس سنوات يؤسس المخرج (عدي رشيد) مع مجموعة من الشباب محبي السينما (المركز السينمائي العراقي للسينما المستقلة) ومن مهام رشيد ورفاقه أن يكون هنالك دعوة لانقاذ أرشيف السينما العراقية ،في العام ذاته (2010) يقدم المخرج المثابر (خالد زهراو) في مهرجان الخليج السينمائي بدبي فيلمه الجميل (هذه الليلة ،الاسبوع القادم) ،فيلم حنين لايام السينما ،والاهم كشف المستور من أوراق السينما العراقية وارشيفها المفقود ،ليثير موجة أسئلة حول الاسباب والمسببات ،ومن المسؤل؟ ومن هم الذين استحوذوا على ارشيفنا وصادروه؟

لقد خرجنا يوم 25 فبراير بمظاهرات صاخبة نطالب بالاصلاح والتغير وحملنا لافتات بكل ماخرب ومايحتاج الى أصلاح وتعمير وطرد المفسدين والسراق ،لكن لم يرفع أحد لافتة باسترداد آثارنا الوطنية التي نهبت من متحفنا الوطني يوم دخل الامريكان ،ولم نرفع أي شعار يطالب باستعادة أفلامنا الخالدة التي شكلت ضمير شعب ورويت تاريخ وطن، لم نطالب بان يعود سعيد أفندي ومعه الظامئون ،ولم نرفع شعار نتسائل به مع زهراو عن (من المسؤل)؟ ولم نناشد أي مؤسسة بترميم تراثنا السينمائي ،فالسينما لا زالت في (المؤخرة) من متطلباتنا الوطنية على عكس الآخر الذي يضعها من أولويات بناء دولته ومن أهم مرتكزات كينونته ووجوده، أنها التاريخ مروي صوريا ، وأهميته توازي أهمية التاريخ المروي كتابيا .

لا تعليقات

اترك رد