حَنِينُ النَّايِ

 

حَنِينُ النَّايِ قصي المليّح

النّاي آلة تُبين عن أطراب يعيى عنها اللّسان، أطراب هي لواعج الشّوق إلى الوطن المنبتِ، إلى الوُلْد والألّافِ بعضِ الكيان.
النّاي أنّات الحنين، حنينُ القَصَبَةِ إلى أجمتِها الّتي منها قُطِعَت. حنينُ الإنسان إلى موطن الألفة ورحم الوجود.
النّاي تباريحُ لها في الكيان خرق نافذ وللقلب فيه وجيب.
النّاي أطرابُ الوَحْشةِ ترجّع فيك كناقة تنزع إلى فصيلها، كريحٍ حنونٍ…
النّاي أساك وسلواك وأنينه الباقي ” أعطني الناي وغنِّ *** فالغنا سرّ الخلود”
النّاي لحن الوجود السّرمديّ تردّده الفجاج ورؤوس الجبال، النّاي رائحة الإكليل والشّيح والزّعتر طيوبِ الأرض.
النّاي مقام الرّعي والرّعي مقام الحلول في الأرض، مقام النّبوّة والرّيادة، مقام الشّوق والتّشوّف، مقام الكسب المنحوت.
النّاي سلطانيٌّ(1) يزع عَنْ قَطِيعِهِ الشَّرَّ وهيهات سُلْطَانٌ يَزَعُ الظُّلْمَ عَنْهُ. النّاي ” يُوسُفُ “ما كان فِي مَقَامِ الرَّعْيِ لَاعِبًا، وَمَا كَانَ الذِّئْبُ بَرِيئًا مِنْ دَمِه.
النّاي تميمة عشق الوطن، أناشيد الحياة تطرد الموت من تجاويف الكهوف، أنغام تحصد الألغام، فينيق يخرج من رماد الحريق…
النّاي المغاني والأغاني، غناء جدّتي وبين يديها الشّكوة تهزّها على ركبتها تمخض اللّبن وتُخرج زبده، النّاي “طقّات فردات الرّحى في اللّيل… تمّت تشاكي في الرّحى عاد الرّحى تشكي”(2)، أهازيج الجبال وأغانيها: النّداء والحداء و” المهاجاة” (3) و” التّهيليم” (4) …
النّاي عيد الرّعاة؛ رعاة سمّامة، حلّهم وترحالهم، صدورهم يضوع فيها الحبّ والحنين، تلاوين حياتهم.
النّاي ريف “الوساعيّة” على سفح جبل سمّامة بسبيطلة من ولاية القصرين منطقة حمراء اخضوضرت بالفنّ وبالإيمان بالوطن.

النّاي أنباض هذا الجبل يصوغها الأستاذ عدنان الهلالي، المزروعة قدماه في شعابه ومساربه، المنثور عطرا في أراويحه، مهرجانَ فنون: “المركز الثّقافيّ الجبليّ”، التّروبادور (عرض أوبيراليّ لفريق من المغنّين الرّحّل)، “ربيع سبيطلة”، “عيد الرعاة”، “وقت الجبال تغنّي”… يروي خوفها وجزعها وصبرها وتحدّيها، أوجاعها وآلامها وأحلامها وآمالها، دهشتها وغربتها وحيرتها، يروي يوميّات الرّعاة ومواشيهم وقد ردّهم الغزاة الغرابيب عن مراقي جبلهم إلى سفحه، وقد شوّهوا جماله بقبحهم؛ “يوميات آخر ضبع في الشّعانبي” (5)، ويروي ملحمة حبّ الأرض والفرح والصّمود والحياة في وجه الشّرّ والظّلام.

” قد أفاق العالم الحيّ وغنّى للحياة *** فأفيقي يا خرافي وهلمّي يا شياه” (6)

النّاي رسالة الجبال: ” إن أحرقوا الجبال       سنزرع جبــــــــــــالنا

يزرعها رجـــــــــــــالنا                        يزرعها الأشبال

إن دمّروا الشّعاب                             ودنّسوا هضابنا

لن تصمت فنوننا                               سينشد الشّباب” (7)

النّاي صوت “خالتي مباركة” يصدح جبليّا صافيّا، عميقا زاجِلا، النّاي رقصة “الحجّالي” الفريدة ترسم “مَلْيَتُها” إيقاعَها، النّاي تلويح يديها وقد شمِلَها ” الصّالحي” نغما يكلّله الإكليل، النّاي سنواتها التّسعون تمتحن في الشّباب حولها شبابهم. “خالتي مباركة” رمز للأرض الّتي نحن بعضُ طينها.

النّاي رقصات الرّعاة، بدائع صوف أغنامهم وشعر مَعْزِهم، ووبر نوقهم، وحَلْفَاء جبالهم، النّاي شهيّ الطَّعْمُ ولذّ الشِّرْب متحه البُدَاة من رَيْع الأرض وغلّتها ومن خيرات مراعيهم وشائهم…، النّاي سرد جميل لــ”حسن بداوة غير مجلوب”.

النّاي، هامش محاصر منسيّ تحوّله قوّة الفعل وقوّة الانتماء إلى متن، هامش به صحّة المتن، يقوى ويغنى به. وإنّه لَيَمْتُنُ (8) وقد وَفُر حظّه من الأصالة والجدّة والعمق والتّجاوز وما المتون وهوامشها إلّا صورٌ لنا وأطيافٌ منّا وأحوالٌ تعترينا وأهواءٌ تتملّكنا ومُنَاخٌ يُظلّنا… ففيها قصدُنا أو زيغُنا، غُنمُنا أو تضييعُنا. ونحن – أبدا – لا ننفكّ بين متن وهامش، يسلمنا هذا إلى ذاك أو يردّنا ذاك إلى هذا في حوار وتراسل وتصادٍ.

هذا الخراب من حولنا: الجهل المقدّس الّذي يغتال العقل فيُخضع النّفوس إلى هوى لا عقل فيه، ذئاب تتربّص بالأوطان، العنف الّذي يطال البشر والحجر والحيوان تذكيه الأنانيّة والتّعصّب والحقد فلا يرى الآخرَ إلّا عدوّا متربّصا، الإيديولوجيا الّتي تعصف بالاجتماع وبالمواطنة، الحميّة الّتي تنتصر للقبيلة والعشيرة؛ هي لم تخطئ ولكنّ الآخر يترصّدها ويتحامل عليها، هي صاحبة حقّ وما عليك إلّا أن ترضخ لشروطها، كبائرها صغائر هُوّلت…

الخواء الّذي يملأ الأسماع والأبصار، النّكرات والأفّاكون يتصدّون لإمامة النّاس والعبارة عنهم، ساسة وإعلاميّون يُلوون بالكلام يخالفون به عن جهته، اغتراب القيمة في زمان الالتباس والاشتباه، الهُداة اختلفت تلقاءهم بنات الطّريق…

خراب يَرُوع النّاظر ويُفزعه، رَوْعُ يُوحِش النّفوسَ ويُظْلِمُها ولكنّه رحم للجميل والرّائع. هذا في أصل اللّغة؛ انظر تجد في “الرَّوْعَة” الفَزْعَةَ، والمَسْحَةَ من الجَمالِ. وهذا مبدأ الفعل الأصيل الحيّ، الفعل المقاوم المنتصر للحياة والجمال وللرّيع والنّماء.

انظر كيف نتحوّل بالفنّ من المُريع المُفْزِعِ إلى الرّائع، ومن القبح إلى الجمال، وكيف يعمُرُ الفنُّ الخرابَ.

يعمره الفنُّ بالقلب النّابض والحسّ المرهف يذكو له العقل وتُشحذ فطنه؛ يستكنه البواطن وبستجلي الأسرار ويفوز بلباب الأمور وخالِصها وذاك ” لُبُّ الرَّجُل ما جُعِل في قَلْبه من العَقْل” فأهل الفنّ ومريدوهم أكبر من كلّ مَجْهَلَة (9).

يعمره الفنُّ الّذي يجلو أنفسنا فنتبيّن الإنسانيّ الرّائع فينا، والّذي يدفعنا إلى الفعل والبناء وقوّة الخلق مقابل الموت والدّمار والعدم، والّذي يحرّرنا من سجن الفكر المعلّب يحتكر الحقيقة ولا يرى لها إلّا وجها واحدا فنكتشف عالما من الرّؤى وحديقة غنّاء من الأفكار وآفاقا من الفعل البديع المتجاوز وألوانا من الحياة الممكنة…

يعمُرُه الفنُّ الّذي إن تفيّأنا ظلاله جزنا أنانيّتنا الضّيّقة إلى رحب تعدّد آرائنا وزوايا نظرنا، وجزنا عالما يضيق بنا إلى عالم يتّسع لجميعنا، وجزنا القبح الّذي يشتملنا إلى آيات جمال نعشى عنها حتّى نراها بعين الفنّ. فاشهدْ محاريبَه يُعِرْك عيونَه ترى بها. وإنّك لتقرأ في ” الموشّي” للوشّاء” “دخلت بثينة على عبد الملك بن مروان فقال لها ساخرا: ما أرى فيك شيئا ممًا كان يقوله جميل وهو يتغزًل بك. أجابته: لقد كان يرنو إليً بعينين ليستا في رأسك”. (10)

يعمرُه الفنُّ وقد أوى النّاسُ به إلى قيمهم المشتركة، واجتمعوا فيه بقوّة الانتماء، واغتنت ذواتهم بالآخر المختلف وبالإنسان فيهم والوطن.

يعمُره الفنُّ الّذي يشيع الفرح والحبّ والبهجة ويتيح اللّقاء والألفة، يستنبت من حمرة الدّماء نضارة الوردة، ويدكّ بالشّعر والرّقص والغناء والألحان والأطراب والثّقافة والآداب معاقل الإرهاب، يرنو إلى لحظة قابلة قادمة، يعِد بسعادة تستدرك الشّقاء، وبأمل يقوّض وحشة اليأس، وإبداع يُحلم النّفس بكلّ جميل. وذاك الفنّ قدرتنا على الصّمود والمقاومة وقدرتنا على التّجدّد والانبعاث. حياتنا الفريدة وعبارتنا الأصيلة عنها. ذاك الفنّ الرّمز المتعالي، يمدّ شريان الحياة فينا بأسباب الحياة ويشتقّ من الرّائع المُخيف رائعا بهيجا.

هذا صيدٌ لخواطر جاست واعتملت في نفسي وأنا أتابع عرض “وقت الجبال تغنّي” لعدنان الهلالي ورعاة سمّامة يوم الثّاني من ماي تسع عشرة وألفين بالمركّب الّثقافيّ الصحبي المسراتي بالكاف على هامش ندوة ينابيع الجبال. ثرّ الينابيع بالكاف العالية، هناك حيث تسمق الجبال فتبلغ السّماء، هناك حيث منازل الآلهة والقدّيسين، ومعاقل الثوّار والمقاومين، هناك حيث بوارق الكشوف والتّجلّي.

(1) الرّاعيان الشّهيدان مبروك وخليفة السّلطانيّ بجبل مغيلة من ولاية سيدي بوزيد.
(2) من كلمات أهزوجة ” فردات الرّحى” من التّراث اللّيبيّ.
(3) عند جزّ الأغنام.
(4) عند سقي الإبل.
(5) يوميّات آخر ضبع بالشّعانبي. عدنان الهلالي. دار زينب للنّشر. تونس
(6) أغاني الرّعاة. أبو القاسم الشّابيّ.
(7) رسالة الجبال. عرض التّروبادور.
(8) يصير مَتْنًا
(9) المَجْهَلة ما يحملك على الجَهْل.
(10) كتاب الموشّى أو الظّرف والظّرفاء. الوشّاء. تحقيق كمال مصطفى. ط 2. 1953. مطبعة الاعتماد بمصر. ص 56

لا تعليقات

اترك رد