حبّ رغم وطأة الجوع


 

باب الجلاّدين ما أبشع هذا الاسم ، بابُ صانعي العنف و القهر ، باب تُجلدُ فيه النّاس وتُعلّقُ ، مرّ بباب الجلاّدين ،لا يُوجدُ باب ، فقط قوسٌ من حجر عربي ، و مِدفع معطوب ، و رُخامة عليها أسماء شهداء معركة التّحرير، مقهى طقطق، بناية شامخة فوقها نزل صبرة ، كراسي وطّاولات و شمسيات كبيرة ، أبوابٌ و نوافذ زرقاء و بيضاء ، قيل و قال و كثرة سؤال و حكايات بين الزّبائن تحت جدارنزل صبرة . رأى كلّ شيء ، أفضى من السّاحة إلى الطريق ، جامعُ نقرة عصافير تنقر الخبز أمام الميضة ، حلّق عاليًا ، حطّ أمام اللّيزيق و قاعة ديناستي ، فاستبان له المكان ، مقاعد و كراسي ، الشمس مشرقة ، زقزقة عصافير ، ونسمات متناثرة ، زمرة رجال يقتعدون كراسي وثيرة ، الوقتُ بطيء ، و هذا المكان موغل في اللّطف تهرعُ إليه الرّوحُ كلّ يوم ، هنا لا تظفر بمكان يشبهه ، هنا الشّبه صعب ، كلّ طائر له وكره السّاخن ، أمّا هذه التّربيعة العذبة هندسها ابن المدينة الجميل . داخل هذا المكان المخضرم لا تَهْلَكُ الأفكار. تُـناور الأحلام و تقفزُ إلى ماض قريب أو آخر بعيد، تأخذ منه بعضَ أحاديثٍ و مسامرات و حكايات فتاة القيروان و مسلسلات و محافل ، ذكريات الزّمن الجميل تتوثّب ، وتنأى عن الرّداءة . هو لم يكن يعرف هذا المكان من قبلُ ، اكتشفه فجأة ذات مرّة ، حينما كان مارًّا يحاول نزع أحبولة أكاذيب . نعم ، هو يدرك الاختلاف العميق بين الكذب و الحُلم ، وكاد يدركهُ اليأس عند مناوأة الرّياح . ولكنّه استطاع أن يطيح بالأكاذيب . المكان مهيب في هدوئه . هو هذا المارق بين الصّخور يتحرّقُ شوقا إلى الرّخاوة ، متعبٌ ، مرهقٌ ، حزين ، ضغته الحياة و أساءت إليه الإدارة . أحيانًا هو لا يعلمُ من هو ، وأين هو . أتى باكرًا إلى هذا المكان ، دخل ، وجلس ، ينظرُ إلى الطالبات ويبحث عن أيّام الكليّة ، تغيّر كلّ شيء ، الآن هو مشتاق إلى خبر . على يمينه رجل بدين يناقش وضع الجيسكا ، كرّة السلة ، كرة القدم ، فتاة تبكي و تقول:{ يا رسول الله نساء يخدمو نهار كامل بثمانية دنانير و يزيدو يركبو في كميون و يعملو حادث ، و يني الدّولة ؟ مسكين الزّوالي } . مذياع يبث أغنية صليحة { مع العزّابة }. عملة جالسون تبدو عليهم مسحة كآبة ، وصوت يتدفّق بينهم :{ زعما الواحد ينجم يشري علوش العيد ، والله العلوش وَلاّنا فالْ } . يلهث وراء أغنية ، يُلاحق حلمًا، فتاة ناعمةٌ تدخلُ ، على كتفها حقيبة جلدية ، تبحث في وجوه الزّبائن ، رائحة عطر شذيّة تنتشر . تمنّى لو جلستْ معه ، هو ينسى سنّه ، ستّونَ عاما أمضاها في المرافئ و السّفن و الشّواطئ و البِحار ، كان يكتبُ المسرحيات و يقول الشّعر . تزوّج ستّ مرّات : العكري و بيّة و أمّ الزّين و تومية و ربح و سعاد . لم يفلح معهنّ ، أرهقنه حتّى أدركه اليأس ، ولكنّه أقسم باللّه أن يطلب يد تونس وليس عليه في ذلك ضير . و لكن هل تقبل تونس الزّواج منه ؟ هو بعث إليها بكتاب نمّقهُ، سكب روحه في قصائد العشق . أنبههُ صوت الفاتنة النّاعمة :{ ممكن نقعد معاك ؟ } تلفّتَ انتفض :{ تفضّلي ، تفضّلي } . جلستْ في هدوء وهي تبتسمُ ، ووضعت الحقيبة على طرف الطاولة . هو خرج من المغارة عبر السقف ، طار و اخترق الأجواء ، وعانق السّحاب . سعادة لا تُوصف الفتاة النّاعمة بجانبي ، أردفت الفتاة :{ لا تُتعبْ نفسك أنا تونس } ارتجف { لا تخفْ أنا تونس ، وقد استعدتي شبابي ، أنا لك } . أخذ يتطلّعُ حوله في سرور ، أطاحَ بالإرث ، و ظلّت الأعينُ تسايرهم ، هو لا يكترث بالمكان الفسيح . اكتضّ المكان شيئَا فشيئَا ، زغاريدٌ ، هتافاتٌ ، طبولٌ و غناء جماعي ، طوّقتهُ بيدها وغابا بين الحشود ، و هو يشمُّ عطرها ويردّدُ يا عشق الرّوح يا تونس .

لا تعليقات

اترك رد