جغرافية المسافة ورهاب الاقتراب

 

إن مفهوم الدهشة أو الانجذاب القوي، يختلف من شخص لأخر وكذلك الإصابة بالدهشة وقوة شغفها وتأثيرها على الحواس والإحساس تترواح من إنسان لآخر؛ فما يصيبك بالاندهاش إلى حد الذهول قد لا يشكّل لدى الآخر أدنى دهشة؛ فالإنسان من خلال وعيّه وانطباعاته الخاصة عن معنى الدهشة؛ هو من يحدد العمر الافتراضي لانتهاء مفعولها وعلى حسب طول وقصر مزاجه يضع للفضول تاريخ انتهاء الصلاحية.

وكذلك فلسفة المسافة أو جغرافية المسافة تختلف من إنسان لآخر؛ فثمة أشخاص كلما اقتربوا وتلاشت ما بينهم وما بين الأخر المسافة؛ ازدادت معرفتهم بطبيعة الآخر واكتشفوا فيه من الجمال وحسن الأخلاق مالم يكتشفوه في البعد عنه إلى درجة أنهم ينصهرون به ويتناغمون مع موسيقاه فيتوحدون معه ويزداد منسوب شغفهم إليه أكثر؛ لأنهم قد فهموا فلسفة المسافة وأبعادها النفسية والاجتماعية والفكرية وتعاملوا على أكمل وجه مع جغرافية المسافة وهؤلاء الناس يزدادون تعلقاً بالآخر كلما اقتربوا منه أكثر ويشعرون معه بأمان المسافة وروعة الاقتراب.

وثمة أشخاص كلما اقتربوا من الآخر أكثر واضمحلت المسافة ما بينهما؛ فقدوا الدهشة به وبهُت فيهم بريق الفضول؛ فالدهشة والفضول بالنسبة لهم مرتبطة بالوصول والامتلاك؛ فما أن يصلوا إلى الغاية التي وضعوها مسبقاً وما أن ملكوا ما كان عصياً عليهم وبعيداً عن متناول أيديهم وأبصارهم وغرائزهم؛ تجدهم على الفور ما بعد الوصول والتملك يفقدون شهيتهم ويصابون بدوار الملل من الاقتراب الزائد وتبدأ خطوات شغفهم المتثاقلة بالتراجع إلى الوراء رويداً، رويداً إلى أن ينطفئ في داخلهم قنديل الفضول؛ هؤلاء الناس لا يحبذون الاستقرار ولا تستأنس أنفسهم بالقرب الدائم؛ لأنهم يستهلكون المتعة على عجل وبوقت قصير فيشعرون بالضجر ويبدأون البحث من جديد عمن يسجر فيهم تنور الدهشة ويوقد في أنفسهم قنديل الفضول.

· جغرافية المسافة ما بين الرغبة والتمنع:
من طبع الرجل أنه لا يقبل على نفسه وكبريائه أن يكون مرفوضاً من قبل أية امرأة وخاصة المرأة الني قرر مع نفسه أن يرغبها ولكي يجد لعقله مبرراً ودافعاً للتمسك بها والاصرار عليها رغم رفضها له؛ يختلق لنفسه قبل الآخرين وهم الحب وبأنه الحب هو من يدفعه ويحرك عواطفه نحوها؛ بينما الحقيقة هي: لأنها تمنعت عنه زاد شغفه بها وعلى استعداد أن يصطبر عليها بما يفوق صبر أيوب ويفعل المستحيل للوصول إلى موافقتها ونيل الرضى منها. يقترب منها أكثر، يتودد لها بكل ما يملك من عبارات التودد اللطيفة. يبعثر جغرافية المسافة ويتسلل من بين الأسلاك الشائكة ولا يبالي للنزيف الغزير الذي يتصبب من جلد إحساسه؛ فثمة رغبة جامحة تدفعه للزحف؛ فتمنع المرأة حتى وإن كانت بملامح عادية يمنحها رونقاً جميلاً ويجعلها بمذاق شهي إلى درجة أنها تجعل لعاب فضوله يسيل.

الرجل مقاتل شرس في سبيل رغبته وهو بطل عنيد لا يتقهقر ولا يتراجع قيد انمله عن تلبية غرائزه وإشباع رغباته لكن ما أن تفتح له المرأة المتمنعة الباب وتدخله بملء الحب والرغبة وما أن يصل إلى مراده وما أن يتاح له النظر في التقاصيل السرية والخفية التي طالما حلم بالوصول إليها وما أن تجهر له بأنه قد فاز بقلبها حتى تنطفئ النار التي كانت مستعرة وتختفي شرارة الشغف التي كانت تقدح من بلور أحداقه؛ فتتغير جغرافية المسافة؛ فتهبط عزيمة الرجل المندفع وتنشط خلايا المرأة المتمنعة فمن حيث ينتهي الرجل تبدأ المرأة.

· فلسفة المسافة في اللاطبيعي:
خلقت المرأة بالفطرة هي المطلوبة وليست هي الطالب؛ وكذلك من ماهية خلقها شدة الحياء فمن حياء النساء تتشكل غيوم الأنوثة لتهطل كل امرأة على الخليقة بزخات الدلال وندى الغنج الجميل؛ وما تمنع المرأة إلا قطعة حياء شديدة الذكاء والكبرياء.

منذ القدم وأهل الشرق يتداولون مقولة ” يتمنعن وهن الراغبات” حتى أصبحت واحدة من العبارات الشرقية المقدسة؛ لكن الموجع في الأمر لا يكمن بالاعتقاد الخاطئ؛ إنما يكمن في سوء فهم العبارة ومعناها العميق. حيث فهمها الناس: بأن المرأة ترغب بالشيء أو الحالة الشعورية ومع ذلك تتمنع من باب المكر والدهاء.

إن تمنع المرأة إنما يمنحها جاذبية أكبر، ويعزز من طبيعة أنوثتها كمخلوقة مطلوبة ومرغوبة من قبل الشريك مسنونة على الغنج والدلال وتمنعها حالة فطرية سايكولوجية طبيعية وصحية جداً؛ لكن اللاطبيعي واللامعقول هو أن يتمنع الرجل عن المرأة واللاطبيعي أن تصبح المرأة هي الطالب وليست المطلوبة؛ وحين تنقلب الأدوار نكون أمام حالة استثنائية كما حدث في قصة يوسف عليه السلام إذ أن زليخة زوجة العزيز هي التي راودته عن نفسه وهي التي طلبته وبهذا تكون زليخة قد خالفت خلقها الأنثوي وطبيعتها السايكولوجية وكذلك تمنع يوسف الرجل تعد حالة شاذة وخروج عن النص الطبيعي فالرجل من طبيعة خلقه أنه يضعف أمام الغواية والأنوثة الطاغية والدليل على ذلك أن يوسف أراد أن يهم بها لولا أن رأى برهان ربه فالتمنع من قبل يوسف لم يكن بمجهود رجولي فردي إنما بعناية إلهية.

والأمر الأهم هو أن زوجة العزيز لم تصر على ما في نفسها اتجاه يوسف من أجل اللذة الجسدية إنما استهوتها حالة التمنع اللاطبيعية فكان تمنع يوسف هو المحرك الأقوى والسر وراء عنادها واصرارها للوصول إلى ما ترغب به مع يوسف المتمنع وليس يوسف صاحب الحسن فالمرأة قد تقع في عشق أقبح الرجال شكلاً ولذلك هي من غيرت من مفهوم فلسفة المسافة ما بين الرجل والمرأة وهي التي اقتربت أكثر وتوغلت في جغرافية المسافة اللاطبيعية مع يوسف رغبة بالتحدي وكسب الرهان لإعادة اللاطبيعي إلى مكانه الطبيعي.

وهو ما يحدث اليوم في هذا الزمن زمن الميوعة الاستهلاكي عندما تلتقي امرأة من هذا الزمن برجل يتمنع عنها إذ أن نسبة حدوث مثل هذا التمنع تكون واحد بالمليار حينها يصبح انعكاس المسافة وتغير احداثياتها من باب التحدي فاللذة تكون في التمنع ذاته وليست في الوصول فهي ما أن يستسلم ويلقي رايته على الفور تنتهي دهشتها به ويتحول في نظرها إلى رجل عادي تحركه طبيعته الغرائزية فلا يعود بالنسبة لها حالة استثنائية.

فكم من زحف يحدث اليوم من قبل الرجال بدافع الرغبة والفضول وحب التملك مع كثرة المواقع والفرص المتاحة للرجال من الكم الهائل من النساء المتراميات على طول أرصفة العالم الافتراضي والواقعي أيضا وعلى مقاهي الإحساس بالفراغ والملل. لن يكتفي الرجال بدهشة ولا بألف سيظلون في سباق دائم وطويل في البحث عن حالة فضول جديدة طالما أن الفرص أمامهم أصبحت متعددة ومتوفرة

وكم من امرأة تعقد الرهانات على رجال يتمنعون لأسباب مختلفة منها الديني ومنها الاجتماعي ومنها الأخلاقي الذاتي فثمة من لا يحب أن تكون مشاعره وعواطفه وحتى جسده مشاعاً لأي امرأة يلتقيها أو تعترض طريقه.

أليس من الغباء حين تعثر امرأة على رجل يعد حالة استثنائية في سلوكه وتعامله وعزفاً منفرداً عن جوقة الذكور حين تحاصره بالغواية وتراهن على غرائزه وهي تعلم في قرارة نفسها بأنه ليس على الأرض من رجل يصمد طويلاً أمام منازلة الغواية فحتي الأنبياء يضعفون لولا الحصانة الإلهية والتي ذكرتها في قصة يوسف عليه السلام. وأليس من الأجمل لها أن تبقى معه في مسافة أمان وجغرافيا مناخها لطيف ومريح للاعصاب الأنثوية دون أن تزجه في فوضى الغزائز وصراع الرغبات لتكسب الرهان الخاسر.

أغلب الناس اليوم يعاني من رهاب الاقتراب بعد أن تحطمت حيطان النفوس وتكسر زجاج الدهشة من بعد الاقتراب وتلاشي المسافة.

ثلة قليلة جدا ممن يملكون الوعي الكافي والإدراك المسبق لمضار الاقتراب الزائد وكثرة العلاقات العابرة والاستهلاكية؛ هم الذين يتعاملون مع فلسفة المسافة بحذر وذكاء عاطفي واجتماعي ويضربون حولهم سياجاً شاهقاً يمنع الآخرين من اختراقهم والتلصص على تفاصليهم الخاصة ويرسمون ما بينهم وما بين الآخر مسافة حيطة وحذر حرصاً منهم للحفاظ على ما تبقى

من الانطباعات الأولى الجميلة؛ وخشية من أن تتشوه الوجوه من بعد الاقتراب على الرغم من الخسارات الكثيرة التي يقدمونها وحرمان أنفسهم من علاقات اجتماعية تصادفهم وهذا كله لأنهم باتوا يعانون من رهاب الاقتراب وأرق المسافة التي شوه معناها شرذمة من المتطفلين ومرضى الفضول السلبي؛ ولكي نطيل عمر دهشة الآخر بنا وكي لا يرتوي عطش الفضول حولنا؛ علينا أن نترك مسافة أمان ما بيننا وما بين الآخر كي لا يصدمنا وتتكسر مرايا الانطباعات الأولى؛ فأعلب الناس يقترب بدافع الفضول والتطفل وليس بدافع فهمنا بشكل أعمق.

المقال السابقكلام في المنطق وحوار عقيم مع مؤمن
المقال التالىالأسلحة في العصر الرقمي
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد