قَمَرٌ على أَعْلى الدُّرَج !

 

قمر على اعلى الدرج / هادي دانيال
الصدى نت <elsadanet@outlook.com>
Tue 7/30/2019 1:26 AM
سارسل اللوحة
روافد

قَمَرٌ على أَعْلى الدُّرَج!
هادي دانيال

على دَرْبِ رُوحيَ فخٌّ به عَلِقتْ فاختهْ
فانحنيتُ أحرِّرُها بأصابعِ قلبيَ‏َ
لكنَّ عقربَ وقتيَ باغَتَنِي‏
فاندفعتُ وَرُوحيَ يَعْدو أماميَ‏
نَجْري إلى أنْ سقطْنا معاً مُنهَكَيْن‏ِ
على مَقعَدٍ حجريٍّ قُبالة غابةِ أسئلةٍ صامتهْ:‏
مَنْ يُحرِّرُ أقدامَنا مِن جِمارِ الطريقِ وأشواكِها؟‏
كُدْتُ أبكي مِنَ التَّعَبِ الأزَليِّ‏
وأدخُلُ في جُثَّتي‏
وأنامْ
ولكنَّ رُوحيَ رفَّ حواليَّ أنثى حَمامْ
فاخْتلَطْنا وطرْنا إلى فَنَنٍ مُورِقٍ طالِعٍ مِن رَماد الحريقْ
نَبْتَنِي عشَّنا فوقَه مِن بَقايا الكلامْ!‏
……………..
بَعْدَ أن جئتُها يائساً كَغَريقْ‏
حرّرتْني نوارسُها مِن ذِئابِ الظلام
غَيْرَ أنِّي سأبدأ ثانيةً في خريفِ الربيعِ الصفيقْ‏
رحلةَ النَّورسِ الجَّبَلِيِّ‏
على طُرُقاتِ الشآم
………………
على مَقْرَبَةٍ مِن السَّماءِ في المَسَاء
يَنكسِر الوقْتُ‏
تنفضُ وَرْدَةُ الرِّياحِ عن ثيابِها‏
النَّدى‏
تَغتسِلُ البنْتُ التي تدخلُ في سريري‏
عاريةً مِن وَرَقِ الحَياءِ
………………….
يدَّاخَلُ الصَّدرانِ قبْلَ فِراقِنا‏
أضلاعَ عُصفُورَيْنِ حَطَّمها العلوُّ عن الأغاني‏
تلكَ السماءُ تقاربَتْ قُضبانُها‏
وتناثَرَ الرِّيشُ المُلوَّنُ في مهبِّ وَداعِنا‏
يَعْلُو وَيهْبطُ
كي يحطَّ على يديِّ الوقْتِ/ مذأبةِ الوُجودِ..‏
فكأنَّ أسواراً مِنَ السَّنواتِ
هدَّتْها الثوَّاني!‏
إنْ لم أعُدْ
فَلِأنَّ قافِيَتي تَشَظَّتْ
وَنَبَتُّ في أفُقِ المَعاني!.‏
……………….
قُبَيْلَ أنْ تحمِلَنِي غزالةٌ بَيْنَ جَناحَيها إلى دِمَشْق‏َ
– ذاتَ خَريفٍ أخْضَرَ‏
ذاتَ ربيعٍ في وُحُولِهِ تساقطتْ نَيازِكٌ‏
وانتَحَرَتْ نُجومُ-‏
قَبَّلَنِي الموتُ كمَوْجَةٍ عَضَّت رِمالَ شاطئٍ
وَخَضَّبَتْ أسنانيَ الدِّماءْ!.‏
كأنَّه اللقاح قبْلَ أنْ أَدخلَ في فضاءِ بَلَدٍ‏
أقامَ فِيهِ مَوْسِمُ الرَّدَى‏
كأنّنِي بِكُلِّ ما أوتِيتُ مِنْ مَبَاهِجِ الحياةِ
للرَّدَى صَدى‏
كأنَّ قَدَرَ الفتى في عقْدِهِ الخامِسِ
أنْ يهبطَ هذه الليلة كبْشاً‏

فادياً بِلادَهُ-‏
مِنَ الفضاءْ!‏
…………..
آتٍ لأُذْبَحَ‏
إنَّ ذَبْحِيَ في أديمِكِ شَيِّقُ‏
مِن أيِّ بِئْرٍ تَمْتَحِينَ الدَّمْعَ يا أُمَّ النُّسُورِ‏
وكلُّ فَجْرٍ قد تَجَنْدَلَ فوقَ صَدْرِكِ عاشِقُ؟.‏

يَتناسَلُ الجُّرْحُ اللئيمُ وعندما‏
يَلْأَمُه الجَّيْشُ‏
بِخَيْطِ دَمِهِ‏
ينكأهُ ذئبُ الرِّمالِ الأخْرَقُ‏
فكأنَّ سوريَّا التي عَلقَتْ بِها أرواحُنا‏
باخِرَةٌ تَمْخُرُ في أعْمارِنا‏
تَجري إلى بَرِّ الأمانِ
وَحَوْلَها الحِيتانُ مع أسماكِ قرْشٍ مِنْ قُرَيْشٍ‏
تَخْرِقُ‏

وَتبدَّلَتْ بِيْضُ النَّوارِس فَوْقَها‏
غُرْبانَ غَرْبٍ تَستجيرُ وَتَنْغَقُ‏
والجرْذ تلْوَ الجرْذِ يَقرِضُ قاعَها‏
لكنّها تَعْلو‏
وأوهام القراصِنَةِ الكئيبةُ
تَغْرَقُ‏
…………….
غَيْمٌ على بَلَدِي؟‏
أسْرابُ أغْرِبَةٍ؟‏
قطْعانُ ذؤبانٍ مُجَنَّحَةٍ؟‏
أمْ صارت الآفاقُ مِن مَنفايَ صحراءً يُضلَّلني‏
نَجِيعُ سَرابِها؟‏
أمْ إنَّهُ‏
مِن تُونُسَ الخَضْراءِ يَبتدِئ اليَباسُ‏
عَصْفاً يَدوسُ الشَّرْقَ‏
لكنْ مِن دِمَشْقَ عَواصِفَ الدُّنيا تُداسُ؟‏
أمْ إنَّهُ
جَمْرُ البراءةِ يُضْرِمُ الأحقادَ‏
في غَاباتِها؟‏
…………
قالوا: ربيعُ نَدى‏
يَسْقِيهِ دَمْعُ النِّيلِ حتّى يرْفدَ «النَّهْرُ الصناعيُّ العظيمُ»‏
طريقه شَرْقاً‏
إلى بَرَدى‏
قُلْنَا: خريفُ رَدَى‏
حَشَدَ العبيدَ برايةِ الحُريّةِ السوداءِ، واتّقَدَ‏
غَطّى الأسِنّةَ بالمصاحِفِ
واستباحَ هواءَنا بِرطَانةٍ‏
عَبَثَتْ بِمَنْ رَكَعَ‏
وَمَنْ سَجَدَ!‏
……………….
مِن قِبابِ دِمشقَ إلى كَعْبِ قبْقابِها‏
يَسْطَعُ النُّوْرُ أحْمَرَ كالورْدِ في الخَدِّ
أبْيَضَ كالنَّهْدِ في قَبْضَةِ اليَدِ‏
مِن أيْنَ جاءَ الخَفافيشُ‏
وَانْتَشَرُوا حَوْلَها‏
…………..
نَحْنُ لا نستطيعُ وإنْ يَعترينا الحنينُ‏
أنْ نُعيدَ إلينا حبيباتِنا السابقاتِ‏
كما كُنَّ فِينا‏…
فَمَن يَستعيد الجّراحةَ والخنجرَ‏
صدأَ وصديدا‏
في نَسيجِ البلاد‏ِ
وَيَحْطِمُ أنوالَ أرواحِنا؟‏
وَمِن أيِّ وَكْرٍ تفحُّ الثعابينُ بَعْدَ سُباتٍ‏
وَتَنْسَلُّ مِن قَشِّ حُلمِ الفقيرِ إلى شَهْدِهِ‏
في القَفيرِ، وتنفثُ مِن سُمِّها في العَسَلْ؟‏
هاجَ نَحْلٌ كثيرٌ‏
فَمِنْ أيِّ لَدْغٍ ولَسْعٍ تَورَّمَ فِينا الأَمَلْ؟!‏.
……………
(مِن أينَ جاؤوا؟)‏
هذا السُّؤالُ لِشاعِرٍ قَبْلِي‏
ولكنّي أردِّدُهُ سُؤالاً لِي
وَيَحْملُهُ الهَواءُ‏
باسْمِي وباسْمِ الصَّخْرِ والماءِ الذي في الصَّخْرِ‏
باسْمِ جبلّتي، أعْني التّرابَ وما يضمّ مِنَ الرُّفاتِ وَمِن جُذُورِ العُشْبِ وَالوَرَقِ القديمْ..‏
وباسْمِ الجدَّةِ الزبّاءِ تَنْعى بأسَ رُوما في شوارعِها‏
وباسْمِ مَليكةٍ سُوريّةٍ أسْرَى بِها التاريخُ مِن صُوْرَ إلى قرْطاجْ‏
وباسْم جٍبالِنا في البَحْرِ، باسْمِ البَحْرِ بَيْنَ تدافُعِ الكُثْبَانِ،‏
باسْمِ الطَّيْرِ في الوِدْيانِ تُرْضِعُها السَّماءُ
فَلْتَنْهَضِي يا شام كالعادهْ‏
“الصِّيدُ” في غاباتِهِ‏
يَصْطادُ صَيَّادَهْ‏

وَلْتُغْلِقِي يا شام أبوابَ الكواكبِ كُلَّها،‏
وَلْتُوقِفِي في بابِكِ الشرقيِّ شَمْسَ الياسمينِ‏
وَبَيْنَ تُوما والفَرَجْ‏
فَلْتَخْلَعِي قبقابَكِ الخَشَبِيَّ‏
عن قَدَمَيْنِ مِنْ ضَوْءَيْهِما‏
الغَرْبُ اخْتَلَجْ‏
وَلْتَرْقَبِي قَمَرَ السَّلامَةِ واقِفاً‏
أعْلى الدُّرَجْ!‏.

المقال السابقالشّعر هذا الكائن الّذي لا يُعرّف
المقال التالىكلام في المنطق وحوار عقيم مع مؤمن
هادي دانيال *وُلِدَ في قرية كفرية مِن ريفِ اللاذقيّة على الساحل السوري بتاريخ 02/04/1956. *التَحَقَ سنة 1973 بالثورة الفلسطينيّة في بيروت وعَمِلَ في عدد مِن مؤسساتها الإعلاميّة كمجلة "الهدف"(مسؤول القسم الثقافي وسكرتير التحرير حتى سنة1979) و"إذاعة فلسطين"(مدير البرامج الثقافية). ثمّ انتقل مع ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد