إن في العراق رجال

 

الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام إن الكونغرس الأمريكي / لجنة العلاقات الخارجية اصدر قرار خاص يتصدى للتدخلات الأجنبية في العراق ويعمل على حماية العملية السياسية الحالية القائمة فيه وخول وزارة الخارجية الأمريكية متابعة هذا الأمر وقد أعلن رئيس اللجنة بيل رويس كما جاء في الأخبار انه سيحد من التدخلات الإيرانية في الشؤون العراقية وان هذا القرار سيحمل إيران مسئولية النشاطات القتالية التي تحصل فيه لثقلها العسكري وربما ستصدر قائمة جديدة تشمل إلحاق بعض الشخصيات السياسية العراقية المعروفة من عدائها للولايات المتحدة الأمريكية وقربها لإيران بالقائمة الأولى التي ضمت أربع شخصيات عراقية وهنا انتهى الخبر.

من المعلوم إن أمريكا استعانت الى حد كبير حين غزت العراق عام 2003 بإيران رغم إن طلقة واحدة لم تطلق من أراضيها باتجاه العراق لكن من خلال تنسيق الجهود المخابراتية كما قال أكثر من مسئول إيراني وعراقي وأمريكي ومن المعلوم إن الحدود العراقية الإيرانية كانت تمتاز بمنعة قوية لا تسمح بمرور أي كائن حتى من غير البشر بين البلدين إلا بالطرق الرسمية الأصولية ولكن بعد الغزو قد فتحت أمريكا الحدود على مصراعيها ليس للإيرانيين فحسب بل لكل شخص يريد الدخول الى البلاد أو الخروج منها محملا بما يشاء وهذا لم يأتي عن فراغ وإنما كان ضمن سلسلة من الإجراءات اتخذتها سلطات الاحتلال حين ذاك بهدف تحطيم كل مقومات الدولة العراقية لغايات بعيدة المدى بدأنا نحن في داخل العراق نشعر بنتائجها وقد استبيحت حينها كل الدوائر وتم تدميرها ونهبها إلا وزارة النفط لم يطالها التخريب ولم يدخلها سوى الأمريكان أو من يخولونه وقد شمل هذا التوجه حل أجهزة الدولة العراقية وتحديدا كان الاستهداف موجها الى وزارات الدفاع والداخلية والثقافة والإعلام ومن ثم تسرب التدمير الممنهج الى باقي الوزارات وكل دوائر الدولة وبنفس الأهمية لكن على مراحل لكي لا تثير ضجة شعبية في وزارة التربية والتعليم العالي والصحة وتفاوت بين باقي الوزارات واستمر الحال الى أن انسحبت القوات الأمريكية عام 2011 لأنها أيقنت أن مهمتها التي جاءت من اجلها قد أنجزت على أتم وجه أو أكثر وأصبح العراق في آخر ذيل أي قائمة ممكن أن يتم من خلالها دراسة أوضاع أي بلد ولا من يبكي عليه سوى أبناء شعبنا بعد أن ساهم قسم كبير منا وان كان بدون قصد في تدميره.

بإرادة أمريكية وبموافقتها جرى تدمير العراق كدولة إبتداءا من انتهاك السيادة مرورا بنهب الثروات الطبيعية للبلاد وتدمير الزراعة والصناعة والاهم من هذا تدمير الإنسان العراقي وتدمير روح المواطنة الصالحة فيه الى الاقتتال الطائفي أو العرقي الى دخول عصابات داعش واحتلالها وبصمت عالمي لأكثر من ثلث مساحة الأرض العراقية الطاهرة الى انتشار الفساد بشكل فاق ما يحصل في الصومال منذ سنوات وليس انتهاءا بانتشار المخدرات بين الشباب وجيوش العاطلين عن العمل الجرارة حتى أصبح العراق مثالا للبلد المدمر وصاروا يتحدثون عن العرقنة كدلالة على سوء الأوضاع.

انسحبت أمريكا وتركت خلفها العشرات من الأحزاب السياسية التي تأسست برغبتها هي دعمتها وجعلتها متناحرة ومختلفة على كل شيء فكرا وعقيدة ومنهاج عمل وولاء ومقسمة حسب العرق والطائفة والقومية يجتمعون على موائد الطعام والحفلات بود وحب ويختلفون في الإعلام ومئات من المشاكل العالقة التي كان بمقدورها حلها بل إن أمريكا عمقت كل الخلافات وجندت لذلك العملاء في مختلف المستويات بين ابن الشارع المواطن البسيط الى المسئول والقيادي في الدولة ظاهرا كان أم مخفي وفي السر يعملون على العودة بالبلد الى عصور ما قبل التحضر لهدف لا يخفى على احد.

الولايات المتحدة الأمريكية الآن تعاني من أزمات مالية والرئيس ترامب له من يعارضه داخل بلاده ويحسب عليه خطواته وهو الذي يفكر في دورة انتخابية جديدة يحاول التقليل من تأثيرها على المجتمع الأمريكي ووفاء منه لناخبيه فيحاول خلال الفترة القادمة وكجزء من سياسته التي رسمها لبلاده أولا افتعال ما يشتت به ذهن المواطن الأمريكي ويشغله عن الأوضاع الداخلية والعمل على تصدير المشاكل الى خارج أمريكا وثانيا الكل يعرف مشاكله مع الصين ومع كوريا غير روسيا المشكلة المزمنة وأكبرها خلافاته مع إيران حول برنامجها النووي إرضاءا لطموحه في تساوي خيوط لعبته مع العرب ومع إسرائيل ومع الداخل الأمريكي التي يحاول الإمساك بها وان لا تنفلت من يده ولكي ينجح خصوصا أمام التحدي الإيراني لابد له من افتعال ما يساعده في ذلك فراح يبحث عن ما هو أكثر تأثيرا في الاقتصاد الإيراني الذي أصبح يعتمد الى حد كبير على العراق فلجأ الى أسلوب التدخل في سياسة الحكومة العراقية الهشة حتى أصبح لا يحترم السيادة العراقية بهذا الشكل القاسي ورغم إن جميع الشعب العراقي يوافقه في محاربة الفساد والكل يطمح ويأمل به النيل من المفسدين ومحاكمتهم واسترداد ما نهبوا من أموال الشعب العراقي إلا انه يرفض هذه الطريقة المهينة فدولة ذات سيادة وإمكانيات مالية وقتالية وتمتلك سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية ينبغي لها أن لا تسمح لمن خارج حدودها بالتدخل بهذا الشكل المذل وإذا كان الرئيس ترامب فعلا يعمل على مساعدة العراق فليكون ذلك من خلال استعادة المطلوبين للقضاء العراقي ممن يقيمون في أمريكا ذاتها أو في دول أوربية أخرى من جهة ومن جهة ثانية وهذا ليس خافيا على احد ليعمل على مصادرة الأموال التي نقلها كثير ممن شارك في العملية السياسية الى البنوك الأوربية والأمريكية والكل يعرف أوضاعهم المعاشية قبل عام 2003 وليعيدها الى شعب العراق ومن جهة ثالثة ليساعد في ضبط الحدود العراقية مع دول الجوار كلها كما فعلت بلاده مع الحدود الأمريكية الكندية.

إن الحكومة العراقية بكل مؤسساتها لكي تثبت وطنيتها يجب عليها احترام سيادتها على البلاد واستنكار وشجب قرار الكونغرس الأمريكي بشكل رادع وان يكون هذا الموضوع درسا لكل السياسيين العراقيين حتى يغيروا من أساليب عملهم لإنقاذ البلاد من الغرق نهائيا في وحل الفساد الحالي بدل الاستمرار في سياسة إنهاء دولة عريقة عمرها سبعة آلاف سنة من خلال إطلاق يد القضاء في محاسبة كل من يسيء الى شعبنا والنهوض بواجباتهم الوطنية والوقوف بحيادية مطلقة مع كل دول العالم وليس دول الإقليم فحسب.

لا تعليقات

اترك رد