دروسٌ رمضانيّة في الخيمياء: الشيخُ الوسيمُ الأنيقُ

 
دروسٌ رمضانيّة في الخيمياء: الشيخُ الوسيمُ الأنيقُ

(1)

كلُّ وجهٍ  روايةٌ  بلاَ بدايةٍ  ولا نهايةٍ، وكلُّ  نبْرةٍ  منْ  صوتِ  إنسانٍ، بلْ كُلُّ نظرةٍ في عينيْهِ، كفيلةٌ بأنْ تُدخلَكَ إلى عوالمَ مُغرقةٍ في البُعْدِ والاستحالةِ، وإلى أخرى غائصةٍ في القُربِ والغرابة، كيْ تُخبِرْكَ عنْ تفاصيلَ كثيرةٍ مِنْ حياةِ هذا الإنسان: آلامُه الدفينة، أفراحُه ونجاحاتُه القليلة، ثُمّ خيباتُه وحسراتُه التي لا حدّ لَها ولا حصْر.

كلُّ  هذا يحدثُ  لأنّ  بعضاً  مِنَ  الرّوحِ  يسكُنُ  في العينِ وفي الصّوتِ، ولأنّ شريطَ الحمض النووي لكلّ  إنسانٍ  لا يعرضُ أفلامَهُ الوراثيّة  إلاّ  فوقَ شاشةِ  هذين العنصرين؛ العين والصوت، وبالذّات في منطقتَيِ البؤبؤ والحدقة، وكذا في الصّدر والحلقِ. إذ في هذه المناطقِ يمكنُكَ  أنْ  تطّلِعَ  حتّى على الأرواحِ التي تسكنُ  الجسدَ الواحدَ، وأقصدُ  بهَا تلكَ التلوُّنَا ت والتغيُّرات والسّلوكيات المخبوءة التي لا ينتبهُ  لوجودِها إلاّ أصحابُ  الخبرةِ  في قراءةِ  روحَيِ العينِ  والصّوتِ، فهناكَ تسكنُ الملائكة، وهناكَ  تُقيمُ  الشّياطينُ، وهناكَ توجدُ الجنّةُ والبرزخ، وكذا الجحيمُ، ذاكَ الذي إذا جرّبتَ  محاذاتَهُ  ولوْ  لمرّةٍ  واحدة  في عيْنِ  أوْ صوتِ   شخصٍ  ما  فإنّكَ  ستكونُ  قدْ وضعتَ قدَميْكَ على أبوابِ المعرفةِ  والعرفانِ. فالأشياءُ  تُعْرَفُ  دائماً بأضْدادِها، ولا يمكنُكَ  أن تفهمَ الجنّةَ  إذا لمْ تَخْبِرِ النّارَ، ولا الحُبَّ إذا لمْ تعرفِ الكُرهَ، ولا السكينةَ إذا لمْ تَذُقِ الحرمانَ. وإنّ لي فِي تَلَوُّنَاتِ بني البشر وتغيّراتِهِمْ خبرةٌ كبيرة، ونظرةٌ في العيْنِ تكفيني، وأخرى في الوجهِ  وفي الصّدر وعلَى اليديْن  تُعطيني كلّ شيءٍ عنْ   شخصٍ  ما، إلاّ السرّ الذي حجبَهُ الله عنِ الجميع، فذاكَ ما لا أحد يستطيعُ الاطّلاع عليه، لأنّ فيهِ  وبهِ  تُقْلَبُ الكفّات والموازينُ، ويُصبحُ  كلّ ما استُنْتِجَ  عنْ إنسان ما في مهبّ الرّيح، وقابلاً للدّحض والاندثار في كل آنٍ وحينٍ. ولعلَّ هذا ما يجعلُنِي أجزمُ بعدمِ ثباتِ معرفتِي بالأشياءِ، فاليومَ أعرفُها وغداً أنْكِرُهَا، واليومَ أعتقدُ أنّها تكفينِي وغداً أكتشفُ أنّها لمْ تكنْ كذلك أبداً. والمعرفةُ شديدة الالتصاق بالمدرسةِ التي ترعرعَ بيْن أحضانِها كلّ إنسانٍ، فثمّة منِ المسجدُ مدرستُه، وثمّة مَنِ الشارعُ مدرسته، وهناكَ منْ كانتِ الثانويات والجامعاتُ مدرسته، وهناكَ من الحياةُ بأسْرِها مدرستُه. وأنا من ذاك النوع الذي كان كُلّ هذا مُجتمعاً مَدْرستي، إلا أنّ مُعلّمي الأكبر كانَ وسيظلُ دائماً هُو الإنسانُ في كلّ مراحل ِحياتهِ؛ مِنَ الطفولة إلى مابعدَ الشيخُوخة والموت. وكنتُ ولمْ أزلْ لليومِ أسعى إلى البحثِ عن جديد العلوم والمعارف عندَ منْ كانتِ الحياةُ والطبيعةُ والشارعُ مدرستُه. لا تغرينِي أبداً رفوفُ المكتباتِ، لأنني أعرفُ كمْ منَ التّزوير والكذبِ يكونُ بين أوراقِها، ولا يُغريني أصحابُ الألقابِ الأكاديميّة، ولا حتّى أصحابُ الكراسي العلميّة أو السياسية لأنّ الحياةَ علَّمتْنِي أنَّ المصائبَ لا تأتي إلاّ منْ هؤلاء، ولوْ  لمْ  يكُنْ  فيهمْ  بعضٌ  ممّنْ  تولاّهُم ربّي برحمتهِ وجعلهُم استثناءً للقاعدة، لكنتُ متُّ منَ القهرِ والكمدِ منذ زمنٍ بعيد. فقدْ أجدُ مثلاً عندَ راعي غنمٍ أُمِيٍّ لمْ يسبقْ لهُ أنْ فتحَ كتاباً، ما لا أستطيعُ أنْ أجدَهُ عندَ “أستاذٍ” جلسَ على كرسيّ الأُستاذيّة بالوراثة وبقوانين وأعراف المحسوبيّة والزبونيّة، فالرّاعي يعرفُ كيف ولماذا ومتى تشرقُ الشمس، ويعرفُ إذا كانَ للفَجْرِ رائحة أم لا، ويعرفُ الكثير عن الأنواء المناخية، وإذا سألتَهُ عن اسم زهرة برّية واحدةٍ فقط فإنّهُ يعطيكَ ألف اِسمٍ لها ولغيرهَا، ويُحدّثكَ عن حياتها وسلوكها وبيئتها، وقد تجدهُ موسوعةً ضخمة في عُلوم القمحِ وأنواعه، وعلوم الكرم  والتين  والزيتون، والأشجار والحيوانات بما فيها الكلب الذي يحرُس معه قطيعَ الأغنام، وعنئدئذٍ  فقطْ  ستكتشفُ  كَمْ  هُو  فادحٌ جهلكَ بالحياة وبالنّاس، وكمْ هُوَ مُلوّثٌ قلبكَ بالتكبّر والتجبّر على غيركَ مِنْ بني البشر. وإنّي من أولئك الذين يحمدونَ اللهَ على أنّهُم حرصوا كلّ الحرص على ألاّ يتعلّموا مِنَ المدارسِ ولا منَ الجامعاتِ شيئاً، على الرُّغم مِنْ أنني مررتُ بكُلِّ المراحلِ الدراسيّة وسجّلتُ فيها جميعُها نجاحاً مُنقطعَ النّظير. وكلّ ما في الأمر، أنّنِي كنتُ أخافُ أنْ تفقدَ روحي بصيرتَها، وتُلَوَّثَ نفسِي بما يُدَرَّسُ فوقَ المقاعدِ منْ سموم قاتلة. وليسَ هذا فحسب فلَوْ فتحتُ ملفّات أساتذة التعليم وجهلهم العميق بالحياة والإنسانِ لأصيبتِ الأبجدية بالشّللِ الرُّعاشي، لأنّها ستكتشفُ مثلي أنّ سيّدَ المواقفِ في مُعظَمِ المؤسسات التعليميّة هو الفسادُ والجهلُ والغرورُ والتكبُّر. وكمْ يئنُّ الحرفُ، لا العربيّ فقط وإنما الكونيّ جرّاء كلِّ هذه المجازر التي تُرتكبُ في حقّه صباح مساء، وإذا أقولُ الحرفَ فإنّي أعني بهِ صاحب َالشّأنِ الذي دعا الإنسانَ إلى قراءة كتابِ الوجود المفتوح، إلا أنّ هذا الأخيرَ قابلَ الدعوةَ بالتّجاهُل، وأغلقَ بابَ الوجود وفتحَ بابَ الجُحُود على مصراعيه. وعلى ذكر الحديثِ عن الأبواب، فإنني لا يُمكنُني في هذا المقام سوى أنْ أتقدّمَ بجزيل شكري وامتناني لكلّ بابٍ وقفتُ عندهَا أو عندَهُ، فعلّمنِي وعلّمتني الكثيرَ.

نعم، لقد علّمتْني الأبوابُ والعتباتُ أشياء لمْ أكُ لأتعلّمَها لوْ لمْ أكُنْ ممّنْ يجيدونَ الإنصاتَ إلى حُروف الأبواب والوقوفِ عند عتباتِها، وأعظمُ الدّروسِ تلك التي تعلمتُها عند بابِ مدرسة طفولتي البعيدة. كنتُ آنذاك أبلغُ من العُمُر خمسا وعشرة سنةٍ، وكانتِ الأيّامُ في دورتها الأخيرة من شهر شعبان. أذكُر أنّنِي خرجتُ من المدرسة ووقفتُ أمام بابِها لمدّة ليست باليسيرة قبْلَ سلوكِ طريق العودة إلى البيت. وبينما أنا كذلكَ إذا بشيْخ مُسِنٍّ يلفتُ انتباهِي بِجلبابهِ الصّوفيّ الأبيض الأنيقِ، وعمامتهِ الصّفراء الجميلة، وبنعلهِ أو بَلْغَتِهِ الجلديّة الصفراء أيضا، وبحُسن منظرهِ وبهاء طلعتهِ. كانَ هذا الشّيخُ يقفُ أمامَ حانوتٍ تبيعُ للتلاميذ كلَّ ما يحتاجونَه من أدوات مدرسية وكذا مِنْ أكل يسدّون به رمقهم في ساعات الفواصلِ التي تكونُ بين الدّرس والآخر. وحينما بلغ منّي فضول المعرفة مداهُ غادرتُ باب المدرسة، واتجهتُ صوبَ الدكّان، فقد كان في الطّرف الآخر منَ الشارع، ثمّ وقفتُ أتمعّنُ في هذا الشيخ الذي ظهرَ هكذا فجأة في مكانٍ لا يؤمُّه الشيوخ ولا الفقهاءُ أبداً. كانَ صاحبُ الحانوتِ يعتقدُ أنني جئتُ كالعادةِ لأشتري منهُ شطيرتِي المُفضّلة، لكن هيهات هيهات فقد كانَ فِكري منشغلاً بتلكَ الصّورةِ التي أخرجَها الشّيخُ منْ جيبهِ وأعطاها لصاحبِ الدّكّان وهو يقول لهُ: «أرجو أن تعمل لي منهَا نسختيْنِ في آلة الطّباعةِ عندكَ، ولكن بشرط أنْ تكونا بالأبيضِ والأسود». ابتسمَ الرجلُ وأخذَ منهُ الصّورة وكانتْ لفتاةٍ في غايةِ الحُسن والجمال، ثمّ بدأ ينسخُ منها صورتين بالضّبط كما طلبَ منهُ الشيخ. أمّا أنا فبقيتْ كلماتُه تتردّدُ في أذنيّ كصفّارة الإنذار، وقلتُ في نفسِي: [ترى لماذا بالذّات بالأبيض والأسود، ثُمّ ما شأنُ رجل بكلّ هذا الجلال والوقار بصاحبةِ الصورة الحسناء، ثمّة شيءٌ ما يثيرُ الرّيبَ والشكَّ في هذا الأمر؟!] ولكيْ أتخلّصَ منْ أسئلتي الموجعة وجدْتُنِي أغيّرُ مكاني وأقفُ مباشرةً أمامَ الشّيْخِ، وأنظرُ نظرة خاطفة في عينيْه: وهناكَ فقطْ رأيتُ كلّ شيءٍ؛ لقدْ كنتُ وجهاً لوجهٍ أمامَ إبليس!

أنهى صاحبُ  الدكّان  عملَهُ، وبينما كان بصددِ تسليمِ  الصُّوَر  المُستنسخة  للرّجل ومعها الصّورة الأصلية، إذا بي أخطفُ  فجأةً  كُلّ الأوراقِ  منْ  بين يديْه، وأبدأ في تأمّلِ  وجه تلك الفتاة الحسناء قائلة: «ما أجمَلها من فتاة أيّها  الشيخُ ا لجليلُ، هل هي ابنتكَ؟ أتعرفُ أنّهَا تبدو أجملَ في هذه الصور المستنسخة بالأبيض والأسود، ربّما  لأنّ لهذيْن  اللونيْن  سحراً تاريخيا لا يُقاوَمُ، فحتّى  الأفلامُ السينيمائية  أجْمَلُها  تلك التي كانت بالأبيض والأسود، أليسَ كذلكَ؟». امتقعَ  لونُ  الشّيخِ، ثمّ أجفلَ وقال مُتلعثماً: «نعمْ، الأفلام القديمة أجمل، هيّا أعطني هذه الصّور فإنني على عجلة من أمري، أريدُ أن أعودَ إلى البيت، فقد تأخّرتُ». أخذ الرّجلُ الصوّرَ ثم بدأ يمشي بسرعة وهو يتكأ بيده على عكّازه، كان يبدو عليه أنهُ يسكن قريبا من مدرستي. ابتسمَ صاحبُ الدّكان مرّة أخرى وقالِ لي بعينين صامتتيْن: «شطيرتُك المعتادة؟!»، «لا، هذه المرّة  أريدُ  كأسَ ماءٍ  لا غير». شربتُ  الماء وعدتُ إلى البيت وأنا على يقينٍ  بأنّ لقائي  بالشّيْخِ  المُسنّ سيتكررُ  مرّة أخرى قبْلَ  أنْ  يهلَّ  شهرُ رمضان.

*
[أمّا نحنُ أعزّائي القرّاء والمتتبّعين الأفاضل الكرام، فلقاؤنا يتجددُ في الحلقة الثانية من ((دروس رمضانية في الخيمياء)) الأربعاءَ المقبل بإذن الحيّ القيّوم]

لا تعليقات

اترك رد