السعودية وقفت بحزم أمام تسويق إيران نفسها أمام الغرب من أنها شرطي الخليج

 

ضربت المنطقة أحداث جسام منذ الثورة الخمينية 1979 وحرب الخليج الأولى ثم الحرب الخليجية الثانية الممثلة باحتلال صدام حسين الكويت، والتي نتج عنها استدعاء القوات الأمريكية، ثم أحداث 11 سبتمبر 2001، فاحتلال العراق عام 2003 ، فالثورات العربية عام 2011، ومن ثم توقيع الاتفاق النووي عام 2015 الذي اعترف الغرب ضمنيا مقابل توقيع الاتفاق النووي من اعتبار إيران شرطي الخليج.
منذ ذلك الحين أعادت السعودية قراءة الغرب قراءة دقيقة، ورفض الملك سلمان حضور كامب ديفيد احتجاجا على توقيع الاتفاق النووي دون إشراك السعودية في هذا الاتفاق، فقررت السعودية التوجه شرقا نحو الصين وروسيا ولم تعد تثق في الغرب، ولكنها في نفس الوقت لم تتخلى بالكامل عن الغرب ولكن وفق تعدد الشراكات بعيدا عن شراك المحاور لخلق توازنات جديدة وهي تعرف أن أميركا ترفض خلق توازنات جديدة في المنطقة بعيدا عن الولايات المتحدة ولا تقبل أي شراكة لها في منطقة الخليج فقط تقبل المشاركة في تقاسم تكاليف حماية المنطقة، كذلك السعودية لن تقبل أن تستمر إيران شرطي الخليج تحت الهيمنة الأمريكية.
خصوصا وأن روسيا لديها علاقات متعثرة مع السعودية وهي قديمة جدا منذ عام 1928 خصوصا وأن السوفيت هم أول من أطلقوا قمرا صناعيا ودفعوا بأول إنسان إلى الفضاء وأنجزوا أول سير في الفضاء حتى تملك الولايات المتحدة الفزع من التقهقر نحو الخلف إلى أن تمكنت أبوللو 11 الأمريكية في 20 يوليو 1969 من هبوط آرمسترونغ من الهبوط بمركبته على سطح القمر، واليوم يصيب الولايات المتحدة الفزع من التقهقر نحو الخلف نفسه من صعود الصين.
وبعدما احتل بوتين شبه جزيرة القرم، وقفز إلى سوريا، وأقام لروسيا قواعد عسكرية في حميميم، واستأجر ميناء طرطوس لنحو 49 عاما، بعدما استثمر العجز الذي أصاب الغرب بعد الأزمة المالية عام 2008، وكذلك الصين التي أصبح اقتصادها في المركز الثاني، وتولت إنشاء الطريق والحزام الذي يصل أفريقيا عبر شبه جزيرة العرب للتحرر من الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة عليها عبر خلق عدد من المشاكل مع جيرانها ودعمت الولايات المتحدة تايوان بالأسلحة التي تراها الصين جزء من الصين ولابد أن يعود إليها حتى ولو كان بالقوة لذلك قررت الصين إقامة قاعدة عسكرية في كمبوديا وهي الثانية بعد القاعدة العسكرية في جيبوتي.
بعد مجئ ترمب كرئيس للولايات المتحدة وجد أن استراتيجية أوباما بعد توقيعه الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 مكنت إيران من التمدد في المنطقة على حساب المصالح الأمريكية وخشيت في ظل الصراع بينها وبين الصين أن تخسر هيمنتها على خليج النفط، وسوقت إيران لنفسها بشرطي الخليجي، مما فرض على السعودية التوجه شرقا فقرر ترمب الخروج من الاتفاق النووي عام 2018، لكن قبل الخروج من الاتفاق النووي زار السعودية بعد توليه الرئاسة في مايو 2017 لتصحيح مسار أمريكا في المنطقة، وطالب حينها قادة العرب والمسلمين بدعم الحرب على التطرف أمام قادة 50 بلدا مسلما في قمة عربية إسلامية أمريكية.
عندها أبرمت السعودية صفقة أسلحة بقيمة 350 مليار دولار على مدى 10 سنوات وهي الصفقة الأضخم في التاريخ، وقال حينها وزير خارجية أمريكا ريكس تيلرسون إنها تستهدف مقاومة النفوذ الإيراني الشرير، ما يعتبر بمثابة انقلاب في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، لكن بعد هذه الزيارة أصاب ترمب مشكلات عديدة في الداخل الأمريكي واستقالات متعددة ومشكلات عدة أرادت الإطاحة بترمب نفسه، خشيت السعودية على هذا التحالف، فقام الملك سلمان بزيارة روسيا في 10/10/2017، فأدرجت الأمم المتحدة التحالف العربي في اليمن بقيادة الرياض على اللائحة السوداء، وتأتي هذه الخطوة متزامنة مع زيارة الملك سلمان لروسيا خصوصا وأن الولايات المتحدة تعتبر المايسترو الرئيس تحديدا في مسرح الأمم المتحدة.
لكن تدارك ترمب الموقف وأكد تمسك البيت البيض بدعمه السعودية رغم تعرض السعودية لانتقادات شديدة من قبل بعض الأوساط السياسية في الولايات المتحدة خصوصا وأنها استثمرت قضية خاشقجي، وقال ترمب أمام حشد من مؤيديه في ولاية ويسكونسين في 27/4/2019 من خلال خطابه الشعبوي، قائلا السعوديون يشترون الكثير منا، اشتروا منتجات بقيمة 450 مليار دولار وأنا لا أريد خسارتهم، وعسكريا نحن ندعم استقرارهم، بالطبع لم يذكر السبب الجوسياسي الرئيسي لأن تلك العوامل لا تدركها الشعوب فيما هي تختص بالاستراتجيين ومراكز الأبحاث وبشكل خاص يعتمد الرؤساء الأمريكيون كثيرا على مركز راند للأبحاث وعلى مراكز أخرى.
وبناء على خطاب ترمب الشعبوي كان من أجل الحصول على تأييد شعبي يستفيد منه في الانتخابات القادمة 2020، فقال خاطبت الملك وقلت له أنا معجب بالملك، وقلت أيها الملك نحن نخسر كثيرا في الدفاع عنكم، أيها الملك لديكم أموال كثيرة.
هذا الخطاب الشعبوي لترمب حول السعودية اختطفته إيران ووظفته لصالحها، واختطفته أيضا القنوات العالمية وأصبحت تردد تلك القنوات أن أمريكا تحلب السعودية، رغم أن ترمب لم يقل أن السعودية منحتنا أموالا دون عقود شراء مثلما شكر أمير قطر عند زيارته لأمريكا على تطوير قاعدة العديد بقيمة 8 مليارات دولار وقال ترمب دفعتها قطر من أموالها الخاصة لصالح الولايات المتحدة فقط قطر تبحث عن فك عزلتها وأزمتها مع السعودية التي ترفض التراجع بعدما تتوقف قطر عن القيام بدور يفوق مكانتها الخليجية وتتعاون مع تركيا في ليبيا وفي الصومال ضد دولة الإمارات، رغم ذلك لن يدعم ترمب سياسات قطر المتحالفة مع تركيا ضد السعودية ودولة الإمارات ومصر.
حتى مجموعة من الدول الأوربية انزعجت من القمة السعودية الأمريكية في لارياض للوقوف ضد محاربة لإرهاب، فقد نشر رؤساء وزراء دول الدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد صورة لأنفسهم ممسكين بكرة قدم في محاكاة قد تكون ساخرة لصورة زعماء الولايات المتحدة والسعودية ومصر وهم يضعون أيديهم على كرة مضيئة في المركز العالمي لمكافحة التطرف في الرياض في 21 مايو 2017، وخلال اجتماع في بيرغن بالنرويج لبحث التعاون فيما بين دولهم وعلى صفحة إرنا سولبرغ رئيسة وزراء النرويج صورتين وكتبت من يحكم العالم؟ الرياض أم برغن.
من يتتبع تلك الصور التي أخذت في الرياض يجد أن في أحد تلك الصور التي جمعت الملك سلمان وترمب والرئيس المصري السيسي يقف أمامهم تميم يشير بيده، ولكن لم يلتفت له القادة الكبار، لأن العالم لا يعترف بالقادة الصغار مهما كان أثرهم لأنهم أدوات ووسائل تستخدم من قبل الدول الكبرى، وإن كان قادة الدول الصغرى تحقق غايات ولكنها كاذبة تمحى بمجرد انتهاء أدوارها، وتصبح تحت طائلة الإرهاب.
وعلقت إرنا سولبرغ على صفحتها وقالت لا أعلم ما الذي يفكر فيه هؤلاء صورة الرياض، بينما رأت أن الصورة الثانية التي يوجد فيها رؤساء وزراء دول الشمال الأوربي الخمس يمسكون كرة ترمز لأهداف التنمية المستدامة، وقالت نأمل أن تكون خارطة للمستقبل، فالسعودية لا تواجه إيران بمفردها بل هناك دول داعمة لها وهو ما يجعل إيران وتركيا وقطر يلجأون لتلك الدول لكسب ودها ودعمها لمشاريعها، رغم ذلك لن تجد أي دعم بسبب أن تلك الدول تراعي مصالحها كأولوية خصوصا وأن السعودية دولة محورية لها تأثير دولي.
وهو ما شجع إيران بعد كل تلك التحركات بنصيحة السعودية ألا ترتكب أخطاء في حساباتها العسكرية، وبعد العقوبات بدأت تذكر من أن العالم سيتعرض لأزمة حادة في مجال الطاقة، لكن السعودية أكدت لترمب من أنها مسؤولة عن تأمين أسواق النفط ولن يتعرض العالم لأي أزمة خصوصا وأن لديها فائض إلى جانب النفط الصخري الذي تنتجه أمريكا بالتنسيق والتعاون مع أكبر منتج خارج أوبك روسيا.
كان للسعودية دور مباشر في إنقاذ أكبر دولة عربية من براثن الإخوان المسلمين الذين يرتبطون عضويا بتركيا وإيران، لأن السعودية تنظر لتيار الإخوان وولاية الفقيه تيارين طائفيين يخرج من عباءتهما العنف والكراهية.
لذلك السعودية سارعت إلى إنقاذ البحرين، وأفشلت كل الضغوط الأميركية والغربية التي كانت تدافع عن التدخل الإيراني في البحرين بحجة حقوق الإنسان، ووافقت السعودية على تشكيل لجنة بقيادة بسيوني مندوبا من قبل الأمم المتحدة من أجل التحقق من تطبيق مملكة البحرين حقوق الإنسان، وأتى تقرير بسيوني لصالح البحرين.
تحملت السعودية بمفردها في وقف تمدد إيران في اليمن، فأرادتها إيران حربا على السعودية عبر الحوثيين، ورغم القرارات التي صدرت من مجلس الأمن ضد الحوثيين إلا أن هناك دول تسمح بتمرير الأسلحة للحوثيين من أجل أن يبقى الحوثي كحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق وهو ما ترفضه السعودية وهو ما أجل الحل السياسي في اليمن، وتحميل السعودية مما يعاني منه اليمن من الفقر والمرض مع تجاهل ما تقدمه السعودية من أغذية وخدمات صحية في المناطق اليمنية يستفيد منها حتى الحوثيين عبر مركز الملك سلمان للإغاثة.

لا تعليقات

اترك رد