سعيد عيسى يلتقط ألوانه و بلحظة ما يبدأ مغامرته


 

أن تكون من عامودا ، من تلك المدينة اليتيمة التي تنام على الحدود التركية و عيونها مشبعة من لآلىء و أضواء ماردين ، أن تكون من عامودا ، الينبوع المتدفق على مدار التاريخ ، الينبوع الإبداعي الذي لايقف جريانه نحو مساحات الأرض كلها ، أن تكون من عامودا ، لا يمكن ألا تكون شاعراً ، أو عازفاً ، أو مغنياً ، أو رساماً ، أو نحاتاً ، أو روائياً ، أو مؤرخاً ، أو عاشقاً مجنوناً على أقل تقدير ، ففي هذه المدينة الهادئة كملاك ، الصاخبة بالإبداع ، المزدحمة بالجمال ، الكل في حالة تأمل دائم ، يفاجئونك بالكلمة ، بالحكمة ، بالرؤية ، بالحب ، يتحركون وسط حضور كبير ، لاينتظرون الشروق ليصحوا ، فهم في حالة صحوة مستديمة ، و لا ينتظرون الغروب ليهدؤوا إلى بيوتهم ، بل إلى أمسية شعرية ، أو إلى ندوة أدبية ، ثقافية يحتضنها بيت أحدهم ، كادت بيوتهم أن تتحول إلى مراكز ثقافية تنبض بالإبداع ، في هذه المدينة ، و ضمن هذه الأجواء فتح الفنان التشكيلي سعيد عيسى (1982 ) عينيه ، و ما إن يفع حتى إنخرط مع الجوقة عازفاً باللون معلناً ولادته ، و بأن الإحتمال بين أن يكون أو لا يكون غير وارد في قاموسه الشخصي ، فلا بد أن يكون ، و فاعلاً بكل تأكيد ، حتى تنساب الألوان من بين مفاصل روحه قبل أن تنساب من بين أصابعه ، سيمفونية تلهب ذاته العاشقة ، و ملحمة تسرد رياحه الداكنة ، و كأنها تعلن ولادته المبكرة في لحظة معينة، لحظة تقترن بحشد من وجوه باتت خزاناً للذكريات ، خزاناً للتفاصيل و معطياتها الحداثية ، للأحاسيس و تداخلاتها المؤثرة في نزف اللوحة ، قريباً من الديمومة و إن كانت الرياح تحمل معها الكثير من الغبار و ذراته .

عيسى يميل إلى التجريب كثيراً ، و على نحو أخص بين المدارس الكثيرة ، فتجده في لوحة إنطباعياً ، و في أخرى تجريدياً ، و يضيف عليهما التعبير في أكثر الأحيان ، و تجده في لوحة ثالثة تكعيبياً و إن كان فيها أثراً للمسات إسم معروف ، هذا التنوع قد يبعده قليلاً من لظى نار قادرة أن تشعل رغباته و يطلقها في فضاءات اللوحة ، حتى تغدو مطاردات عذبة ، بعضها تسترخي لاحقاً بين ثنايا ملامح وجوهه ، و أخرى تستمر في تعاملها مع تشكيلات تختزل على سطح اللوحة كمزيج تركيبي يمنحه مناخاً خصباً تضعه في مواجهات شفيفة و حساسة مع المعايير التي ستكشف له تلك التراكمات للحظات الكثيفة و التي لن تكون تحت السيطرة تماماً ، فحجم التداخلات بينها يستعصي عليها الثبات ، و لكن تبقى اللوحة و ما تنزف هي الأهم في كل التحولات .

عيسى كفنان يلتقط ألوانه ، و بلحظة ما ، و بقلق ما ، و بعد تأمل ليس طويلاً ، و برؤى تحمل الكثير من البحث ، يبدأ مغامرته ، فيرشق بياضه بزخم دون أن ينتظر المولود و جنسه ، فالأهم هنا أن لحظة الإبداع إذا أشرقت فلا بد من إستثمارها ، و إغناء ملامحها ، و جني ثمارها ، فهي هنا المحرك الأساسي لترتيب أبجديتها ، و بالتالي تأليف جملتها المفيدة ، و التي ستكون كاشفة لسرها بفصولها المختلفة ، فهي المفتاح المرتبط بصناعة اللوحة الجديدة .

عيسى ولد مجبولاً بالألوان ، ترعرع في كنف عائلة تعشق الألوان ،فالأب فنان (محمودعيسى) ، و العم فنان (إبراهيمعيسى) ، فمن البدهي أن تكون لعبته الأولى هي الألوان ، و طالما زرع في داخله حب و عشق الألوان ، فإذا كانت هناك أية بذرة لهذه النبتة الموهبة فلا بد أن تنتش و تخضر ، و هكذا هو الحال مع عيسى ، كانت رسمته الأولى صورة والده ، ربما خطها كشكل فطري دون أن يفكر بما يفعله

فالإحساس لديه دافىء و جميل ، لم يسر في الخط الذي كان سالكاً حينها ، حيث الواقعية التسجيلية كانت سمة لكل الأعمال التي أنتجها الفنانون وقتذاك ، و منهم والده وعمه ، فكر أن يخط لنفسه مساراً مختلفاً عنهم ، فوجد نفسه غارقاً في التجريب ، و لم يرس بعد على ضفة معينة ، مازال متفاعلاً مع كل الإيقاعات ، و مردداً كل الأغاني، علّ طاقته التعبيرية المصاغة تجريدياً تنفجر على عالم لا متناه، على عالم لا ترتبط بمعطيات جاهزة ، بل مفتوحة على آفاق غير مرصودة ، و إشارات لا تختبىء في الإنتقال بين الإحتمالات ، حتى يكسبه هوية تحمل قيمتها المعرفية/ الجمالية في ذاتها ، دون أن تلغي الروابط الزمكانية …….

لا تعليقات

اترك رد