قوات الحشد الشعبي في العراق …. هل هي تكرار لنموذج الحرس البريتوري ؟!


 
قوات الحشد الشعبي في العراق .... هل هي تكرار لنموذج الحرس البريتوري ؟!

المليشيات الطائفية ، هل هي حزام ماسك ام حزام ناسف ؟!

تتواتر الأخبار الواردة لتؤكد ان إطلاقا للنار أسفر عن مقتل عدد من المتظاهرين الذين تجرأوا على المنطقة الخضراء مجددا في العشرين من شهر مايس عام ٢٠١٦ … هذا التاريخ ينبغي ان يحفظ جيدا في الذاكرة لانه لحظة انكشاف هامة لجانب أساسي من الحياة السياسية العراقية الراهنة .

الجهة التي أطلقت النار هي وحدات تابعة لقوات من الحشد الشعبي وتحديدا “سرايا الخراساني ” ذات الولاء المعروف ، وما انكشف الان هو ان هنالك سلاحا غير سلاح الدولة النظامي أجازت له الحكومة استخدام العنف المسلح في الصراع السياسي الدائر حاليا في البلاد وان هذه حقيقة جديدة في الحياة السياسية العراقية اطلت برأسها بعد طول تخفٍ .

هذه الظاهرة كظاهرة في العمل السياسي ليست جديدة بالنسبة لدارسي العلوم السياسية وهي تسمى ظاهرة ” الحرس البريتوري ” وفقا للفظ اللاتيني الأصلي Praetorian Guards او “الحرس الإمبراطوري ” في ترجمته العربية ، وتعود الى وقت مبكّر من التاريخ الروماني وأصبحت نمطا يتكرر لعديد المرات في تاريخ بعض البلدان ويبدو اننا في العراق نعيش في ظل واحد من تلك الأنماط .

في الثامن والعشرين من عام ١٩٣ ب.م. ووفقا للمؤرخ الكبير “ادوارد جيبون ١٧٣٧-١٧٩٤” في رائعته التاريخية ” انحطاط وسقوط الامبراطورية الرومانية ” تم وضع عرش روما للبيع بالمزاد العلني وان من قام بالاعلان هو الحرس الإمبراطوري وجاء ذلك بعد قيامه بقتل لإمبراطور بيرتيناكس الذي يفترض بهذا الحرس ان يكون حارس حياته .

يعود انشاء هذا الحرس الى قرنين ق.م. حين كانت تشكل عُصبَ عسكرية خاصة للعمل كحراس شخصيين للجنرالات في معسكراتهم وأثناء المعارك ، وفي عام ٢٧ق.م. أسس الإمبراطور اوغستوس فرقة خاصة مؤلفة من عدد من هذه العُصَب لحمايته والعاصمة بسبب انشغال القوات العسكرية النظامية بتأمين الحدود وصد هجمات قبائل البرابرة وهو ماكانت توصف به الشعوب المحيطة بالإمبراطورية .

أسس هذا الإمبراطور شيئا جديدا في مهمات هذه العُصب تجاوزت مهماتها الأمنية لتمتد الى صلب الحياة السياسية الداخلية في البلاد . لجأ اوغستوس الى ذلك لتعزيز سلطته ومركزه في وجه مجلس الشيوخ والنبلاء الملاكين والبيروقراطيات الرومانية ذات النفوذ مستفيدا من حقيقة ان حرسه هو القوة المسلحة الوحيدة في روما والتي تأتمر بأمره حصرا من الناحية النظرية ؛ وحتى تأخذ هذه العُصب دورها الجديد فقد حظيت بامتياز الولوج الى القصر الملكي وكافة مؤسسات الدولة .

تطورت لهذه القوات ، بمرور الوقت وبحكم العادة ومقتضيات الأحوال ، بعض الحقوق الجديدة المقننة ، اذ لم يعد الاباطرة قادرين على اكتساب الشرعية الا بعد موافقة الحرس الإمبراطوري وصار من الملزم على الإمبراطور الجديد ان يقدم لهم العطايا السخية عند جلوسه على العرش ؛ وهذه التطورات في وضع الحرس لم تأت من نفسها بل كان لها محامون وخطباء اجتهدوا في انتاج الفتاوى الدستورية والقانونية التي تشرعها وجعلوا من باحات مجلس الشيوخ وساحات روما العامة منابر للترويج لها وهي كما نعلم تمثل وسائل الاعلام المعروفة آنذاك ، وأصبحت هذه العُصب فوق اي قانون معروف في البلاد وتحظى بامتيازات لاتجاريها آية امتيازات ، كما صار اغتيال خصوم الإمبراطور السياسيين على يد أفرادها شائعا الى الحد الذي كتم كل صوت معارض من خارج دوائر حاشية الإمبراطور .

في عام ٣١ م تطورت المهمات السياسية للحرس اذ استعان بهم الإمبراطور تيبيريوس لحسم خلاف مع مساعده القوي سيجانوس وانتهى الامر بقيام الحرس بالقاءالقبض على الأخير وإعدامه في سابقة جديدة في إدارة الحياة العامة في الامبراطورية ، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت عُصب الحرس الإمبراطوري هي عامل الحسم السياسي في البلاد بعد ان استقوت على الجميع حتى وصل الامر في النهاية حد قتل الاباطرة وعرض العرش للبيع بالمزاد العلني لقاء الثمن الأعلى الذي يدفع مقابله . حصل ذلك مع لإمبراطور كلاوديوس بعد قتل الإمبراطور كاليغولا ثم تكرر مع الإمبراطور بيرتيناكس الذي قتل على أيديهم وقاموا ببيع العرش للسناتور الثري ديديوس جوليانوس وبذلك أصبحوا الامر الناهي في الدولة وأصبحت ارادتهم فوق كل الإرادات بما فيها إرادة الإمبراطور الذي أصبحت حياته ملكا لهم .

استمرالحال كذلك حتى قيضت الاقدار لروما قائدا عسكريا هماماً هو الجنرال سيفيروس الذي قام بجمع نخبة من الوحدات العسكرية النظامية رغم انشغال الجيش بصد عدو خارجي واتجه نحو روما العاصمة حيث أقصى الإمبراطور الخانع لسلطة الحرس ، ثم قام بتصفية دموية لعُصب الحرس واعادة الاعتبار للجيش بصفته القوة المسلحة الشرعية الوحيدة في الدولة ، ويعتقد المؤرخ جيبون ان فترة الحرس الإمبراطوري قد احدثت الضرر الذي قاد ، بين عوامل اخرى ، الى تأسيس بداية انحطاط الدولة وانهيارها في نهاية المطاف .

ربما اطلت في هذا السرد ولكنه سرد مبرر لانه اشَّرَ المفاصل التي مرت بها ظاهرة القوة المسلحة الموازية للقوات المسلحة النظامية وكيفية تحولها الى سلطة طغيان تحكم باسم قيادة سياسية شرعية هي في واقع الحال رهينة إرادة هذ السلطة المسلحة التي منحت الشرعية كأمر واقع وبفتاوى سياسية طُوِّع القانون لتبريرها .

في الثالث عشر من شهر حزيران عام ٢٠١٤ اصدر السيد علي السيستاني ، المرجع الشيعي الأعلى كما يُعَرّف بشكل عام ، فتواه المشهورة بإعلان الجهاد الكفائي بعد ان تمكنت قوات تنظيم الدولة الاسلامية ، داعش ، من احتلال الموصل وصلاح الدين وأصبحت خطرا وشيكا على بغداد ، وبعد صدور الفتوى بساعات قليلة بدا تسجيل المتطوعين في مراكز خاصة وبلغ عددهم حوالى ثلاثة ملايين متطوع .

بدات عشرات الآلاف ( بين ٥٠٠٠٠ الى ٩٠٠٠٠ ) من جموع المتطوعين المسلحين والمجهزين بافضل انواع الأسلحة من مختلف الصنوف ، عدا الطيران الذي لم يكن بحوزة العراق أصلا ، بالظهور في نقاط المواجهة مع قوات تنظيم الدولة مع ظهور واضح للعشرات من لابسي العمائم بالبزات العسكرية المموهة معهم ، اضافة الى إعداد كبيرة منهم بقيت في مراكز المدن الكبرى وبشكل خاص بغداد وتحت مسميات مختلفة موزعة بشكل منظم وبنوع من التخصص حسب الأقضية والنواحي ولوحظ بشكل واضح توفر إعداد كبيرة من الاليات ومن احدث الأنواع بحوزتهم . كان البعض من اسماء لمليشيات معروفا وبعضها كان محظورا او مطلوبا للقانون بالاسم وتحت المساءلة القانونية الجنائية وكأن اوضاعهم القانونية قد سوّيت في ليلة واحدة .

الامر حتى هذه اللحظة بدا طبيعيا لولا انه حصل متزامنا مع تطور مهم في السياسة الداخلية العراقية ، اذ كانت الولاية الثانية للسيد نوري المالكي قد قاربت على نهايتها مع ظهور توجه عام محلي ودولي للحيلولة دون تسلمه ولاية ثالثة رغم انه كان يسعى ويحشد الجهود من اجل التجديد له تحت ذريعة ادامة الزخم لمواجهة الاٍرهاب واسترداد ما استولى عليه من أراضي واسعة داخل العراق رغم تصاعد الاتهامات الموجهة له شخصيا بالتقصير والمسؤولية عما حققه تنظيم الدولة من مكاسب ، وانتهى امر السلطة الرسمية بتسوية يكون بموجبها حيدر العبادي رئيسا للحكومة فيما يكون المالكي نائبا لرئيس الجمهورية مع بقاءه على راس حزب الدعوة مع صلات تحالف صارت واضحة مع مختلف قيادات الحشد الشعبي .

جاء اعلان تشكيل قوات الحشد الشعبي ، وهي التسمية الرسمية التي اعتمدت لفرق “المتطوعين للجهاد الكفائي ” ، باعتباره ردا على الاٍرهاب وخطره الوشيك على البلاد ، وتم ترسيخ رواية واحدة لتبرير وجود هذه الجموع المسلحة والمنضوية أصلا تحت اسماء مختلفة وذات عدد من القيادات يساوي عدد أسمائها ؛ والعنصر المشترك بينها ، اضافة لاسمها الموحَّد الجديد، هو انتمائها للمذهب الشيعي في غالبيتها الساحقة باستثناءات لاتكاد تذكر . اما اهم عناصر هذه الرواية فهي :

١- ان هذه الوحدات المسلحة خارج إطار الجيش النظامي جاءت استجابة لفتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي .

٢- لولا ظهور هذه الوحدات الشعبية المسلحة لكانت قوات تنظيم الدولة قد اجتاحت بغداد وما هو ابعد من بغداد .

٣- ان وحدات الحشد الشعبي قوة ذات صفة قانونية ودستورية حيث اصدر رئيس الوزراء اوامره بصفته القائد العام للقوات المسلحة باعتبارها منظومة مسلحة اسمها هيئة الحشد الشعبي بإمرة القيادة العامة للقوات المسلحة وقد خصصت لها ميزانية نظامية .

هنالك عناصر كثيرة اخرى في الرواية التسويقية الخاصة بضرورة وشرعية هذه التنظيمات ، ولكن تعنيني بشكل خاص هذه القضايا تحديدا لأنها تتعارض مع الحقائق على الارض .

القوة الجديدة لاتعكس واقع إعداد المتطوعين واغلب عناصرها كان في الأصل منخرطاً في تنظيمات مسلحة تعمل بشكل مليشيات ومجاميع مسلحة منذ وقت طويل وقد ظهر بعضها منذ الأيام الاولى للاحتلال الامريكي مثل منظمة بدر وجيش المهدي او سرايا السلام ، كما صارت تسمى فيما بعد، ومع تطور الأحداث في العراق بدات المنظمات الرئيسية بالانشقاق والتفتت في تنظيمات جديدة ، قيل ان ايران كانت تدعمها وتبارك تعددها في ذات الوقت ، مثل عصائب أهل الحق التي انشقت عن جيش المهدي كما عملت ايران مباشرة على تأسيس بعضها وهي تحمل الولاء للقيادة الإيرانية بشكل صريح مثل سرايا الخراساني التي صرح قائدها بان تنظيمه يدين بالولاء للسيد الخامنئي ولا شأن له بالسيد السيستاني ، وبالتالي فان الحديث عن كون ان هذه القوات قد وجدت استجابة لفتوى الجهاد الكفائي امر لا يتطابق مع الوقائع على الارض . لاشك في ان تحسن الموارد المالية لهذه التنظيمات ووجود خزان بشري هائل من المتطوعين قد أمّن لها وفرة إضافية من الرصيد البشري والمالي وان عددا منها قد تم تاسيسه بعد الفتوى ، الا ان الكتلة الرئيسية الفاعلة لها قد وُجدت منذ وقت طويل وما جرى ان الفتوى وفَّرت المبرر لرئيس الوزراء الساعي لولاية ثالثة لإخراج هذه التنظيمات الى دائرة الشرعية القانونية وهو مالم تكن تمتلكه قبل ذلك ويحظى قادتها اليوم بفرصة منح شرف لقائهم لممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق وممثلي البعثات الدبلوماسية الأجنبية ، وقد كان بعضهم قبل ذلك مطلوبا على قوائم الاٍرهاب . لقد كانت هذه التنظيمات على صلات تحالفية مع المالكي و لعبت خلال فترة حكمه على امتداد ولايتيه دورا مهما في قمع معارضيه وفي حوادث مشهورة في البصرة والنجف وبغداد الى جانب قوات عسكرية نظامية يُشَكُّ في قانونية إنشائها مثل قوات عمليات بغداد .

لقد استمر هذا التحالف مع المالكي وكتلته داخل حزب الدعوة بعد تركه منصبه تحت الضغط الامريكي ويعتقد ان ذلك يتم بتنسيق وضغط إيراني لعدم الاطمئنان الى شخص العبادي الذي كُلّف برئاسة الحكومة بضغط أمريكي واضح .

لنا ان نطرح للتساؤل قضية مدى قانونية او دستورية تأسيس مثل هذه الأجهزة المسلحة ومنحها مظلة الدولة . لقد نصت المادة (٩ -ا، ب ،ج . ) من الدستور على عدم جواز تكوين مليشيات خارج إطار القوات المسلحة وتتكون الاخيرة من مكونات الشعب العراقي ولادور لها في تداول السلطة كما تحظر المادة على منتسبي القوات المسلحة التعامل مع القضايا السياسية ، وليس في اي من هذه الشروط ماينطبق على هذه التنظيمات والواقع ان اعلان رئيس الوزراء إلحاقها بأقوات المسلحة جاء كنوع من الرد على الصفة التي أطلقها الاعلام الدولي عليها باعتباره “مليشيا طائفية” وهو واقع حالها بمجرد مراجعة أسمائها ورؤية شاراتها وقراءة شعاراتها وبالتالي فان اعلان رئيس الوزراء لايغير من الواقع شيئا لان الدستور هو سيد إجراءات الدولة وقرارات الحكومة والقيمة لما يخالفه منها .

هنالك حقيقة أخرى لابد من ذكرها هنا وهي تكشف النية الحقيقية لرئيس الحكومة نوري المالكي عند تشريع وجود هذه التنظيمات والتي أصبحت إرثا تلقاه العبادي ، راغبا ام كارها ، وملزم بإبقائه تحت ضغط الظروف الناجمة عن خطر تنظيم الدولة وكشرط من شروط التسوية السياسية التي قادته الى رئاسة الحكومة ؛ فإذا كانت النية هي تأمين قوات مسلحة تتصدى للارهاب الذي يشكل تهديدا وطنيا عاما فلماذا تم التلكؤ في تشريع قانون الحرس الوطني ولماذا لم تتم اعادة العمل بقانون الخدمة العسكرية الذي أوقفت قوات الاحتلال العمل به . ان قوانين كهذه تؤمن مايلزم البلاد للدفاع ضد المخاطر المُحتملة وبكلفة وطنية معقولة فضلا عما لمثل هذه الإجراءات من دور في تعميق روح المواطنة ، وهي إجراءات قياسية تلجأ لها الدول التي تعاني من الانقسامات الوطنية وقد كانت من بين اهم ماعمل عليه مؤسسوا دولة العراق الحديثة اذ اعتبره الملك فيصل الاول واحدا من احجار الزاوية في صهر الجميع في روح وطنية واحدة الى جانب التعليم والتنمية الاقتصادية وكانت وصفة ناجعة في العراق تحديدا نعيش حتى اليوم على ثمارها .

ان المشكلة في القوات المسلحة النظامية ، بالنسبة لمن في نفسه أغراض المالكي ، هي انها تمتلك نظاما خاصا وتسلسلا صارما لمنظومة القيادة والسيطرة تجعلها ملزمة قانونا بتنفيذ أوامر مراجعها القانونية وان ولائها في نهاية الامر هو الولاء للحكومة كمؤسسة مهما كانت درجات هذا الفهم من الوضوح والالتزام ، كما ان قيادات هذه المؤسسة رهن بارادة قيادتها النظامية وهي رئاسة الحكومة وبالتالي فان ولائها محسوم في إطار النظام المؤسسي للدولة وهو ما لايلائم أغراض المالكي او من يرتبط به ايمانا او ارتشاءا ، لذلك لابد من قوة حليفة موازية تؤمن استمرار هيمنة المالكي ونفوذه . لا اريد هنا ان ألوذ بنظرية مؤامرة يصعب العثور على أدلتها حتى لو كانت في منتهى الوضوح الا انني اتحدث عن وقائع عشناها ونحن شهودها . ان عدم تعزيز قدرات الجيش النظامي وعدم تمرير القوانين التي تؤمن الموارد والرافد البشري لهذه المؤسسة وفق المعايير الوطنية العامة التي تشمل جميع المواطنين دون استثناء امر يثير التساؤل وقد عجزت الحكومة عن الإجابة عنه ليس جهلا بل لانه فعل متعمد هي الطرف الراعي فيه .

ان تبرير إظهار المليشيات الطائفية الى دائرة الشرعية بحجة الاٍرهاب هو تبرير غير مقبول لان الاٍرهاب وفقا لتوصيف الحكومة لم يغب يوما عن المشهد وان التهاون في تكريس قوة مسلحة وطنية نظامية للقيام بالمهمة لإفساح المجال امام قوة مليشيات تعلن ولاءا لغير الوطن دون مواربة هو امر لا يستدعي تفسير المؤامرة بل تفسيره واضح .

ان التطور الأكثر خطورة هو ان يتم الزج بهذه التنظيمات في الصراع السياسي الداخلي الذي أخذ شكل التهديد في بداية الاعتصامات المطالبة بالإصلاح الموعود امام المنطقة الخضراء وتطور الى قتل بالرصاص الحي في الجمعة الماضية ، وهنا ستبدا دوامة الحرس الإمبراطوري الذي أنشأه الاباطرة لدعم أمنهم وأمن البلاد في ظل انشغال الجيش بعدو خارجي ، ثم زجوا بهذا” الحرس البدعة ” في الصراعات السياسية وفاتهم انهم جزء منها وان قوانينها تسري عليهم كما على غيرهم ، وهنا تظهر بجلاء عدم شرعية هذه التنظيمات من الناحية الدستورية اذ انها لم تكن طرفا في الأحداث السياسية الداخلية فحسب لكن قادتها والناطقين باسمها انخرطوا في التعامل مع الأحداث السياسية الداخلية وعلى صفحات الاعلام ولم يدخروا وسعا في إطلاق التهديد والوعيد للمتظاهرين متهمين اياهم بشتى التهم ومنها مايستدعي المساءلة الجنائية .

ان الحكومة او منتجيها من القوى السياسية المهيمنة قد نخرها الفساد وروح الاقصاء الطائفي المقيت وتكون بذلك قد استدعت الاٍرهاب ثم أخذت تضع بنفسها ماتشاء من وسائل لمحاربته خارج اطر النظام الدستوري القائم على عيوبه وعلاته فراحت تستفتي “جهابذة ” الفتاوى القانونية ذات الأغراض السياسية لاضفاء الشرعية تماما كما فعل اوغستوس قبل حوالي ألفي عام .ذلك يتيح لها فرصة تنويع تعريفها للارهاب حسب مقتضيات مصالحها وتضرب كل العصافير التي لاتناسبها بذات الحجر .لقد أحيلت الدولة الى هيئة للمليشيات وما عاد المواطن يعرف من هو وزير زراعة البلاد او تجارتها او اسكانها بل يعرف ويسمع ويَرهَبُ مسؤول المليشيا في محلته او الحي الذي تقع فيه .

في ايران المجاورة توجد فروع متعددة لقوات مسلحة او شبه مسلحة موازية للجيش النظامي ولكنها تعمل في ذات منظومة القيادة والسيطرة بما يجعلهاجزءا من خطة الدفاع الوطنية العامة مثل الحرس الثوري وقوات التعبئة( البسيج ) وفي نهاية المطاف تنتهي جميع منظومتها للقيادة والسيطرة عند القائد العام للقوات المسلحة وهو ذاته المرشد الأعلى للثورة ، فهل يستطيع السيد العبادي الزعم بانه يمتلك ذات السلطة ازاء المليشيات المسلحة التي يعلن البعض منها ولاءه للسيد الخامنئي او للسيد السيستاني او للسيد مقتدى الصدر . ان مظاهر هذه المليشيات وحصانتها الواضحة في الشارع اضافة لنوعية آلياتها والترف الذي يميز قدراتها ونمط عيش قادتها تثير أشكالا من التساؤلات عما اذا كانت هذه الأجهزة المسلحة تقاتل باوامر القائد العام للقوات المسلحة او انها تقاتل معركة وطنية خاصة بالعراق أصلا ام انها تقاتل من اجل مزيج من ولاءات غامضة تمتد الى خارج الحدود بالاضافة الى امتيازاتها وحصانتها ضد القانون .

هل يستطيع العبادي فعل شيء ازاء ذلك ؟ والجواب هو كلا بكل تاكيد ، لان ذلك امر يتعلق بموازين القوى وليس بقوة القانون وفي هذه الزاوية تحديدا فان العبادي هو الأقل حظا داخل تركيبة الحكم لان تحالف القوى على الارض قد حسم الموقف ، لكن العبادي قادر على امر واحد ولكنه مؤكد الفاعلية وهو الخروج الى الشعب ومصارحته ، فهل سيفعل ؟!!

ان الإصلاح اصبح في خبر كان ، وقد بات واضحا ان الرجل في الطريق الذي سلكه كل الطغاة من قبل وهو القمع ومن ثم إيجاد المبرر او السبب واللذان بلغا حد الاسفاف باستدعاء اسم البعث وقد فاته ان الناس في الشوارع بدات تترحم على ايام البعث ، لكنه كما يبدو معزول عن الشارع ولايدرك مالذي تمور به أمزجة الجمهور تحت ضغط الحاجة في كل مناحي الحياة بدءا بالامن وانتهاءا باللقمة الكريمة ؛ ومن حيث يدري او لا يدري فانه يُدفع دفعا كي تتلوث يداه بدماء لا مصلحة له او للبلاد فيها . هذه الطريق ليست خياره ، ان كان أمينا في مشروعه “الاصلاحي ” ، لكنه كما يبدو قد حسم أمره بالبقاء في جوقة الفساد ، وارى انه وقد قبل بذلك فسيحمّل مسؤولية كل دماء هذه المرحلة بالكامل ثم يصبح قانونيا هو المذنب الرئيسي فيها وينبغي له ان يتذكر ان هذه دماء وارواح تزهق والمسؤولية عنها لاتزول لاي سبب .

لا شك في ان مليشيات الحشد الشعبي قد قدمت ارواحا وخسائر جسيمة ، وكلها لاضرورة لها لانها من صناعة السياسيين الفاسدين وسياساتهم السيئة التي يدفع ثمنها ” اولاد الخايبة ” كم يقول التعبير العراقي الدارج .لقد ارتكب النظام الحاكم في العراق حاليا الكثير من الأخطاء والخطايا منها الفساد وما هو اكثر من الفساد وأسوأها الولاء لعقيدة تتعدى حدود الوطن لكنها جميعا قابلة للتصحيح باستثناء خطيئة تأسيس قوة مسلحة خارج إطار القانون وزجها في العملية السياسية ؛ ستتحول هذه القوة الى صنيعة فرانكنشتاين التي تقتل منتجها لان هذه القوة ستتحول من حزام ماسك للنظام الى حزام ناسف له بحكم طبيعة قوانين الحياة والفطرة التي خلق الله عليها أهل السياسة السيئة ، ومن يعتقد ان العقيدة او الانتساب المذهبي قد يوحدا المواقف وتبقي الصفوف مرصوصة مخطئ لان العقيدة والمذهب لم يمنعا هؤلاء من السرقة والفساد وارتكاب كل أنواع الذنوب ، كبائرها وصغائرها ، والقانون السائد في الحياة ان من يرتضي ابتداءا بلعبة السياسة في ساحتها الرديئة وهي ساحة الموازنات البديلة للشرعية لن توقفه عقيدة عن المضي في لعبته حتى النهاية وسيجد في تلافيف العمائم ما يفتي له بصواب افعاله .

من ظن انه أنتج اداة لحمايته وذراعًا للنيل من خصومه السياسيين لم يكن يفهم لعبة السياسة على وجهها الصحيح لانه خرج باللعبة من إطار الشرعية الى إطار موازنات القوة وسيكون يوما من ضحايا أداته ، كما يتعين على هذه الاداة ان تقف في موقع التنافس ثم الصراع مع أدوات القوة الاخرى في المجتمع ومنها “القوات المسلحة” ، المسلحة بالقانون والدستور . تلك هي لعبة السياسة وقانونها منذ ان خلق الله البشرية .

لا تعليقات

اترك رد