جمهوريّة الحلم

 

الحمد لله , لقد وصل الرّئيس في الوقت المحدّد. تهلّلت أسارير الوجوه , وجوه الحاضرين بعد أن برّحت بهم الوساوس. لم يكن من عادة الرّئيس أن يتأخّر في مثل هذه المناسبات. تبادل الحاضرون نظرات الرّضا. وتصافحت الأعين مهنّئة …وصل الرّئيس على متن سيّارته القديمة التي طالما رجاه الوزراء والمقرّبون أن يغيّرها. وكان في كلّ مرّة يرفض مقترحاتهم .إنّه يرفض أن تخصّص له الدّولة سيّارة ومسكنا ما دام يملك تلك السيّارة القديمة وذالك المسكن المتواضع في حيّ شعبيّ من إحياء العاصمة. وحين تتعطّب السيّارة يلجأ الرّئيس إلى النّقل العمومي .اليوم بلغ الزّحام ذروته فجميع النّاس قد شدّوا الرّحال إلى السّاحة لحضور الاحتفال السّنوي بعيد الثورة. الرّئيس مواطن ككلّ المواطنين :لا يتّخذ لنفسه حرسا وحماية .كان يقول دائما :” ما حاجة أبناء الشّعب لإيذاء خادمهم “. وكان في كلّ مرّة يعيدها يتوالى التصفيق وتتعالى صيحات الإعجاب. وصل الرّئيس وقد أنهكه التّعب واستبدّ به الإعياء ولكنّه رغم ذلك كان يحاول أن يبتسم للجماهير الواسعة التي جاءت لملاقاته… لم تكن ثمّة منصّة فالكراسي الموجودة هي كلّ ما في السّاحة الكبيرة, كانت في صفوف مستقيمة وقد استقرّ عليها الحاضرون الذين صوّبوا نظرهم ناحية الجادة المقابلة كأنّهم يترقّبون نبأ عظيما …لا شيء يميّز بعضهم عن بعض …لا شيء سوى ما حبت الطّبيعة بهبعض ذوى الحظّ …النّاس لا ينتظرون الرّئيس في ذاته. بل هم لا يهتمّون إلاّ بما سيقوله وبما سيصدره من قرارات ,لا يهمّهم إلاّ ما سيبرمه لهم من منافع. وكما قال الرّئيس :”لا يجب أن يرى فيّ النّاس أكثر من خادم مطيع “.

في شهر أوت وفي مثل هذه العشيّة القائظة انطلقت شرارة الثّورة المباركة …ثورة لم ترق فيها قطرة دم واحدة …ثورة غسلتها الأمطار الصّيفيّة الحارة في آخر ربع ساعة من ذلك اليوم المبارك …ثورة أضحت تدرّس في أعرق جامعات العالم …في مثل هذه العشيّة من مثل هذا اليوم , وبعد أن أتمّ الثّائر الرّمز صلاة العصر, توجّه إلى القصر وهو يحمل القرآن بيد وباقة الزّهور بالأخرى. ودلف إلى مكتب سلفه في القصر الرّئاسيّ الذي تحوّل في ما بعد إلى متحف وطني…دخل على سلفه فوجده في جوف المحراب يصلّى النّوافل التي لم يصلّها منذ عهد الشّباب. دخل عليه فقرأ عليه بعضا من الكتاب المقدّس. ثمّ وعظه حتّى أبكاه.وأنذره يوم لا ينفع مال ولا سلطة. فأرعبه من عقاب يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا حرس. وحدّثه عن الخلفاء والسّابقين وبيّن له أنّهم عاشوا وماتوا على هدى من ربّهم وأنّهم …وأنّهم …وأنّهم …ونصحه بالاعتكاف والتّوبة النّصوح وبيّن له بكلّ لغات العرب أنّ السياسة نجاسة وأنّها خزي في الدّنيا وندامة في الآخرة . وما خرج الثّائر من حيث خرج إلاّ وهو رئيس للجمهوريّة …وصلّىبالنّاس المغرب وعاد إلى بيته في ذلك الحيّ المتواضع على عكس ما جرت عليه عادة الثوّار في غابر الدّهر. فلا هو احتلّ القصر. ولا أصدر بيانا عبر موجات الأثير. ولا هو استولى على مبنى وزارة النّفط بالسّلاح. وبما أنّ هذا الشّعب الكريم لم تكن له وزارة داخليّة, فإنّ الرّئيس الجديد لم يحتج إلى التّفكير في الاستيلاء على وزارة ليست موجودة في الأصل …تلك هي الثّورة المسجديّة…

وفي مثل هذه السّاعة خرج المنادي في الشّوارع يذيع خبر الثّورة,ويعلن اسم الرّئيس الجديد ..لا يهمّ ذهب الرّئيس …جاء الرّئيس فالدّولة باقية ما بقيت الثّورات … كلّ شيء ظلّ على حاله : التجّار واصلوا البيع والشّراء. وروّاد المقاهي واصلوا حديثهم السّمج ونكتهم الممجوجة. والسيّارات واصلت تتدفّق في الشّوارع كأنّ شيئا لم يحدث …هكذا هي الثّورات في هذه الجمهوريّة …الحياة البسيطة السّاذجة لم تنتبه إلى مثل هذه الأشياء العابرة …لم يكن هذا ليرضي الثوّار السّابقين ولذلك صبّوا جام غضبهم على كلّ شيء. فحاسبوا النّصب والأصنام التي وضعها من ثاروا في السّابق. واتهموا الجدران والأشجار والسّكك الحديديّة والأضواء في الطّرقات …اتّهموا الجميع بعدم المبالاة بالثّورة.وكانوا بعد كلّ المحاكمات وبعد تغيير أسماء الأنهج والسّكك وبعد تحطيم النّصب, يعودون إلى طلب الالتزام بالهدوء فيبنون كلّ شيء من جديد …هذه الجمهوريّة لا تنصرف إلاّ إلى الأعمال النّافعة وهي لا ترى في السّياسة فائدة …الرّئيس لا يدّعي أنّه يمارس السّياسة ولذلك فقد حاز على حبّ الجماهير وتقديرهم …

وصل الرّئيس فاستقبله الجميع بالتّصفيق والهتاف وامتدت إليه الأيدي تريد مصافحته. وأضاع الرّئيس وقتا ثمينا في السّلام والتّحيّة والسّؤال عن الأحوال وعن العيال. وانتبه في النّهاية إلى أنّ وقت المحاضرة قد أوشك على الانقضاء وأنّ السّاعة قد أزفت وأنّه إذا لم يغتنم صفاء الجوّ لرسم صورة واضحة للثّورة وظروف قيامها فإنّ ذلك التّصوير سيستحيل إلى سخريّة من الحاضرين وسيثير سخط القدر… رفع يديه إلى أعلى وشكر الله وأثنى عليه وشرع في الصّلاة على النبيّ. لكنّ الجماهير التي ترى فيه رئيسا لا سياسيّا غمرته بالهتاف والتّصفيق والمباركة … وقال بعض من كان يحبّه :” نحن من سنتكلّم اليوم …سنعفيك اليوم من عناء البحث عن الكلمات في المعاجم المخطوطة …فاستبشر لذلك …وسمع منهم ما لم يسمعه رئيس في التّاريخ من شعبه .وكان لا يترك شاردة ولا واردة إلاّ قيّدها على الورق .وفي النّهاية رجاهم أن يسمحوا له ببعض القول فصمتوا ليسمعوا منه .قال:”حرام عليّ مال يتجاوز قدر تعبي في تحصيله وشرف لا أستحقّه وسلطة تأكلني … إنّ المعلّم منكم ليتعب أكثر ممّا أتعب وإنّكم إلى ماسحي الشّوارع أحوج منكم إلى رؤساء يسوسونكم بالبأس الشّديد …:” وقال لهم كلاما كثيرا في علوم شتّى ففسّر لهم الأنواء وقال لهم أنتم إلى المطر أحوج منكم إلى كلام الرّؤساء الأفّاقين , وكلّمهم في علم الأجنّة. وأخبرهم بما قاله العلماء في اللّوح المحفوظ. وشرح لهم المناخات وانعكاساتها على الأمزجة وذكّرهم بديوان العرب .وقال لهم في النّهاية :” ها أنا قد اختصرت ” فاعتقد البعض أنّ مع الرّجل كتابا وزعم محبّو الخوارق أنّ رئيسنا هو هذا الذي يأتي على رأس كلّ مائة سنة .

منذ قيام الثّورة المباركة قبل عدّة سنوات ,دأب الرّئيس على سبّ العزّة بالإثم. وأصدر أمره إلى اعتماد العذر في المساءلة …لقد عمّ الصّلاح الأرض. وعنّ للذين في قلوبهم مرض أن يتوبوا توبة نصوحا . وشاعت في الجمهوريّة شعارات برّاقة تدّعى أنّه لا حاكم إلاّ الله …وأضحت الجرائم من سرقات وقتل واغتصاب من الماضى بل من الفلكلور الذي يحييه النّاس في مشاهد تمثيليّة إبّان المواسم السّياحيّة ليتمتّع به السيّاح .أمّا الرّئيس السّابق فلم تستطع توبته أن تواكب المتغيّرات فغادر إلى ما وراء البحار …انتهت المحاضرة…عاد السّيد الرّئيس إلى منزله المتواضع في حيّ شعبيّ في أطراف المدينة…عاد راجلا …قال لهم سنلتقي في السّنة المقبلة …

حاول النّاس العودة إلى بيوتهم …في تلك العشيّة من عشاياأوت السّاخنة ,كابد النّاس كثيرا من لمتاعب من أجل العودة إلى بيوتهم …عانى الجميع من الاكتظاظ والازدحام … أحسّ الجميع بالاختناق …ظلّ النّاس يحاولون التّقدّم بدون فائدة …ظلّوا يحاولون ذاك أيّاما وشهورا … ظلّ الناس في السّاحة سنة كاملة … لم ينجح في العودة إلاّ الرّئيس والمسؤولون…نحن في جمهوريّة النّوايا الحسنة وما على الجماهير المنتظرة في السّاحة إلاّ إحسان الظنّ بأولياء الأمور لتتحرّر الأقدام من عقالها …

بعد دهر تفطّن النّاس إلى أنّهم لا يغادرون السّاحة أبدا. ولاحظ البعض شيْب البعض الآخر. وفطم الرضّع وشبوا عن الطّوق.وتعفّنت جثث الذين وافتهم المنيّة ولم يقدر أحد على دفنهم …

مرّت القرون والنّاس في السّاحة يأكلون ويشربون ,ينامون ويتناسلون …مرّت القرون والسيّد الرّئيس المبجّل المحترم لا يغادر ذكرى سنويّة وعشرينيّة وخمسينيّة ومائويّة للثّورة … وكالعادة تقول الجماهير باعتزاز :” لعلّ هذا الذي يبعث على رأس كلّ مائةأو ألف سنة ”

لا تعليقات

اترك رد