التحرش بالرجال


 

في استقصاء اجرته البي بي سي بالاشتراك مع مجموعة قياس او ما يسمى بالباروميتر العربي شمل عشر دولا عربية اضافة لفلسطين ، اشترك العراق وتونس بتحقيق النسبة الاعلى بحالات التحرش بالرجال، على عكس ما هو معهود طبيعيا وربما عالميا وهو التحرش بالنساء، ورغم اننا غالبا ما نشكك في مثل هذه الاستقصاءات التي تقوم بها جهات دولية لاسباب تتعلق بايماننا بنظرية المؤامرة، او بسبب ان تجاربنا كعرب مع مثل هذه المراكز والجهات شابها الكثير من التشويه ومن عدم الثقة، الا ان النتائج المقدمة تكاد تكون منطقية وواقعية خاصة بالعراق الذي انتمي اليه، لذا لايمكنني الجزم فيما يخص تونس ، وايضا لو كان هذا الاستقصاء يقصد التشويه وتقديم صورة كاذبة لشمل الامر دولا اخرى غير العراق وتونس،

والتحرش بالرجال يختلف عن اللواط، اذ ان اللواط حالة قائمة في كل المجتمعات، وفي العراق كغيره هناك من يمارس اللواط ، ولكنها قبل الاحتلال الامريكي وسيطرة التيارات الدينية والميليشيات لم تكن بمثل ما عليه الان، اما التحرش بالرجال فهو ظاهرة اخرى برزت مع الانهيار القيمي والاخلاقي الذي اصاب المجتمع العراقي، ومع انتشار المخدرات بكل انواعها، وفقر الحياة العامة الى الوسائل الترفيهية الطبيعية وسيادة مفاهيم الحلال والحرام الى القياس الذي يزيد عن الحدود القابلة للفهم أو تلك التي يمكن التعايش معها، وانتشار الفقر والبطالة تحطمت المثل العليا للفرد، رافق ذلك تنامي النظام العشائري وبروزه كقوة اقوى من كيان الدولة ذاتها، الى الحد الذي يلجأ فيه المسؤولون في الدولة الى حل خلافاتهم السياسية وخروقاتهم القانونية باتفاقات وتوافقات عشائرية خارج اطار النظام والقوانين.. كل ذلك حول طبيعة النظام الاجتماعي الى نظام الغابة، او نظام ما قبل الدولة، يسيطر القوي فيه على الضعيف ماديا او جهويا او حتى عشائريا، فمن يمتلك عشيرة اقوى له سطوة عليا وهكذا، تحولت لعبة العشائر الى نظام مافيوي تجاري فاسد هو الاخر كامتداد لفساد النظام السياسي بمجمله،

قدم الاستقصاء شريط فيديو مسجل لشاب عراقي تعرض لاربع حالات تحرش نجح في التملص من الثلاثة الاولى ولكنه اخفق في الرابعة فحصل ماحصل، فيما عرضت احدى الفضائيات شريطا مصورا يحكي قصة عائلة تعرض طفلها الى الاغتصاب من قبل شباب مراهقين ولانها لاتملك عشيرة قوية لجات الى القانون ولكن القانون اعتذر عن حمايتها بسبب تخوف الشرطة من الملاحقة العشائرية اهالي المغتصبين لهم، هربت العائلة من بيتها خوفا على حياتها لتتحول كلها الى ضحية ليس لشباب مراهقين بل لنظام اجتماعي سياسي فاسد ومنحل ولمجتمع تخلى عن القيم الانسانية والضمير رغم انه يتمسك بالدين وبطقوسه وبخرافاته ودجله، ورغم ان حالة مثل هذه كانت كافيه في اي مكان في العالم لتهز المجتمع وتدفع به الى ان يتخذ موقفا انسانيا مناهضا وصحيحا، الا ان العراقيين شعبا وحكومة ورجال دين ومرجعيات، وبسبب الانهيار الاخلاقي والقيمي مر عليهم هذا الحادث مرورا عابرا وكانه ممارسة يومية معتادة، اذ انه جزء من حالة الفساد الاجتماعي القائم الان..

تتوالى تقارير متواترة عن قضية انتشار المخدرات، وهناك تفاصيل تتحدث عن انتشارها في المدارس الابتدائية، وان هناك بعض المدارس تعتبر مراكز توزيع للمخدرات، وكنتيجة طبيعية لها انتشرت حالات الزنا بالمحارم ، ورغم ان نسبة كبيرة منها يتم السكوت عنها خشية الفضائح الا ان المحاكم وخاصة في

البصرة شهدت وتشهد حالات كثيرة من هذا النوع، المثير في كل ذلك ان نظام الحكم في العراق اسلامي وان من يسيطر على ادارة البلاد هي الاحزاب الاسلامية، ولكن على مايبدو ان السلطة ومزاياها انست القادة ورجال الدين المساندين لهم، شرائع الدين واحكامه، الى الحد الذي بات بعض هذه الاحزاب هو من يمارس تجارة المخدرات وتوزيعها بل وزراعتها، ومن المضحك في هذا المجال ان امانة بغداد حاولت تزيين بعض شوارع العاصمة بزراعة نباتات في الجزرات الوسطية للشوارع فاتضح فيما بعد انها زرعت نباتات المخدرات، قد تبدو الصورة مضحكة ولكنها في الحقيقة لوحة دامية وحركة صغيرة في مسلسل محو العراق.. لقد تم تدمير البلاد بشكل كامل حتى اصبح من المناسب تماما وصف العراق بالميت سريريا..

لا اعلم كيف هو الوضع في تونس بالتحديد الا اني اقرأ بين الحين والاخر تغريدات وبوستات عن مستوى الفساد الحكومي فيها، ولكن ايضا ارى ان التعليم في تونس مازال بحالة يمكن النهوض بها على عكس الوضع في العراق الذي يبدو ان من صمم النظام القائم فيه الان دفع الامور باتجاه تخريب كل البنى التحتية للتعليم والصحة والكهرباء والصناعة والزراعة وغيرها، وهنا يكمن الفرق في ان تونس وان تبدو متعثرة الان، الا ان هناك فرصة كبيرة امامها للنهوض على عكس العراق الذي مازال مندفعا وبسرعة نحو الهاوية، فالجيل الذي تعلم النفاق والدجل واللصوصية والخسة واستسهال الجريمة والنصب والاحتيال يحتاج الى معجزة لا اظنها قادمة للتغيير..

لا تعليقات

اترك رد