هدية الأمريكان ” الدبلوماسية ” للجزائر !

 

يخطئ كثيرا نقاد السياسة وراصدو تحولاتها على المستويات القطرية العربية، في انزياحهم النسبي وأحيانا الكلي عن الأثر الرمزي لعامل الخارج في إذكاء وتعزيز الرغبة في تبني اتجاه معين، وهذا عائد بالضرورة إلى حالة الوعي المجتزئ الذي تمضي عليه مشاريعنا الوطنية، إذ ننظر للحالة الاقتصادية بمعزل عن الجوانب العسكرية، ولكن عمق الاستخفاف بعناصر الاستقطاب ومغرياته ليتجلى بوضوح في المسألة الرمزية إذ نعتبر الثقافة والفن كما ننظر إلى العائد والإيديولوجيات بوصفها مسألة شخصية مرتبطة قناعات الفرد فقط.

وفي هذا السياق ينبغي التأكيد على أن الأمريكان قد نجحوا دوما في التحكم بخيوط لعبة الاستقطاب السلمي في كل المعارك الإستراتيجية التي خاضوها ضد خصومهم المرحليين، وذلك بفضل القدرة على الاستدراج التي كانت تمنحها إياهم العظمة الماضية في مسار تطورها عبر منحى تصاعدي في الاقتصاد ومواكبة متواصلة من الهالة الدعائية التي نجح في تكريسها الفن الأمريكي بكل صنوفه، من روك غنائي إلى ملاحم الكوبوي، ورومانسيات الحديد، وصولا إلى خيال علمي سينمائي بهوليود حتى لأن العالم صُعق حين اكتشف في بيت الرئيس الروماني السابق نيكولاي شاوشيسكو، حين أقتحم ساعات بعد إعدامه سنة 1990، شاشة ضخمة معلقة بجدار بغرفة نومه، يتابع من خلالها هو وزوجته إلينا، أفلام هوليود، في وقت كان في كل مهرجاناته الخطابية الشعبية على الطريق الشيوعية والاشتراكية وقتها يطرب شعبه بتهكم وتهجم دائمين على منظومة الرأسمالية ثقافة، اجتماعا واقتصادا! بل ولقد عُد الإغراء الاستقطابي الأمريكي، خصوصا مع بروز أولى إرهاصات إنهيار المعسكر الاشتراكي، بصعود نجم نقابة التضامن بقيادة ليش فاليوا في بولندا – عُدَّ – عطاء في حد ذاته لمن يستحق أو لا يستحقه، ويتم ذلك كله وفق الدبلوماسية البراغماتية على الشاكلة الأمريكية التي بمرونتها وتسامحها الاستراتيجي مع الخصومة الأيديولوجية، وهو ما افتقده كثيرا السوفيات في أثناء الصراع القطبي الثنائي، لا سيما في تلك الفترة التي كان

الروس ومن دار في حوزتهم يتخبطون في مصاعب اقتصادية جمة أنذرت حينها بقرن نهايتهم المحتومة، وفي هذا السياق كشف الكاتب الصحفي الجزائري الكبير عبد العزيز بوباكير، أن هدية الأمريكان سنة 1979 للجزائر بعد نجاح وساطتها في حل مشكل الرهائن الأمريكان الذين احتجزوا بالسفارة الأمريكية بطهران، من طرف الحركة الطلابية الإيرانية الموالية للثورة على نظام شاه إيران، كنت مسلسل دلاس كاملا ورفع حظر بيع السلاح!

والمتفحص هنا لطبيعة المرحلة التاريخية تلك وطبيعة أطراف المشكلة الدبلوماسية المشار إليها آنفا، يمكنه بلا أدنى التباس إدراك المغزى الحقيقي من هكذا هدية، تقف عند المعنى ولا تعدوه إلى ما هو أعمق ويتصل بالاقتصاد ومحفزات الإقلاع التنموي مثلا.

فمعروف أن الجزائر إذ ذاك وعلى غرار عديد الدول المستقلة حديثا كانت ، سابحة في المدار الاشتراكي مرتبطة به على صعد القرارات ذات التجاذب القطبي الثنائي عبر ما كان ينعت بعدم الانحياز، حتى وإن كانت ثقافيا مشدودة بسبب الهيمنة الفرانكفونية التاريخية، للمنتج الثقافي والفني الفرنسي بشكل طاغ، ومع هذا ارتأى الأمريكان أن يعبروا بالعرفان للجزائر بهدية رمزية ورامزة في الآن ذاته أي أنها تحمل دلالة المتصلة بمسألة الانتماء القطبي على الصعيد الاستراتيجي الدولي، والانتماء الثقافي المنشطر بين العروبة والفرانكفونية، حتى أن المسلسل بالمناسبة، تابعه الجزائريون مدبلجاً للغة الفرنسية، إذن كانت هدية تنقل الثقافة الأمريكية بخلفيتها الرأسمالية يهيمن عليه خطاب المناوئ للامبريالية وعلى رأسها أمريكا، ورب قائل يقول بأن الأمر جد عاد، طالما أن المسلسل قد غزا فيما بعد العالم كله، لكن الفرق أو الفارق هنا هو أن المسلسل كان قد دخل الجزائر من البوابة الرسمية، ما فجر وقتها قراءات سياسية وإستراتيجية كبيرة لا سيما عند بداية بثه على التلفزة الحكومية الجزائرية الوحيدة يومها، بين ما تناولها كمؤشر على بدء تغيير المعسكر القطبي لنظام الجزائر، وبالتالي فتح ملف ساخن على صعيد العلاقة السوفياتية الجزائرية، وبين قائل بدلالة حرب تكون فد نشبت بين نخب الحكم في التغيير الداخلي.

وبقطع النظر عما صح أو بطل من القراءتين، كون مصير السياسات الكبرى في بلداننا العربية لم تتعلق يوما بمصير المجتمع قدر تعلقها بنزوات ورغبات ومصالح رجال النظم والسلط المتحكمة والحاكمة، فإن ما اتضح فيما بعد عرض الفيلم هو ذلك النقاش الحاد الذي أثاره في عمق المجتمع والمجتمع المعرفي على وجه أخص، على صعيد الهوية، الثقافة، وصراعات النخب، إذ اعتبر التيار الإسلامي المتنامي بسرعة فلكية في تلك الفترة، المسلسل جزء من سياسة نظام الشاذلي للتخلص من البومدينية، ومحاولة لمفاقمة ما كان يحرص هذا التيار على تسميته بالمسخ الثقافي الذي يقوده التيار التغريبي المزدوج الانجلو ـ فرانكفوني، في مقابل ذلك، هلل الانفتاحيون بعرض المسلسل معتبرينه بداية اكتشاف القوة الحضارية التي جرى عليها التعتيم الأيديولوجي الرسمي، والنقيضة لتلك التي اختارت سلطة الاستقلال سنة 1962 تقفي أثرها والمضي في كنفها والتي تحجر على الوعي والرؤية الواسعة للأفاق العالمية، بينما تصادمت النخب المؤدلجة بين منتصر للخيار الاشتراكي في رفضه للإطلالة الرأسمالية عبر الهدية المسمومة، وبين منافح عن الرؤية الكونية للأمور دن احتراب أو احتراس أيديولوجي، واستدام ذلك التطارش الشللي المتمرجع أيديولوجيا عبر المنابر الصحفية الأحادية وقتها في جزائر حزب الواحد، إلى أن تم الخلاص من تلك الأحادية ودخول التعددية بالفوضى التي دخلها أو أدخلها المجتمع.

فالواضح من خلال الشعبية التي حازها المسلسل آنذاك أن عملية الاحتواء المزدوج في المصارعة القطبية كانت ناهضة في الأجندة الأمريكية على كل مسائل التاريخ، وفق إستراتيجية دقيقة لا تسبق في عملية انبساطها وسيرورتها مراحلها الزمنية المعدة لها ولا تتأخر، فلم يكن صدفة منح هكذا هدية مع صعود تيار جديد داخل منظومة حكم الجزائر بقيادة الشاذلي الذي كان لتوه قد بدأ عملية إزاحة الإرث البومديني، بل أن شعار مؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني بداية الثمانينات أي في فترة عرض المسلسل الذي رفعا حينها كان من أجل حياة أفضل، وهو الشعر الذي أسال مقدار أودية من حبر التحليل

والتفسير السياسيين والمشتغلين على قضايا التحول الاستراتجي وسيما وأن ذلك صار يتجسد مع إجراءات عملية ميدانية، منها على وجه أخص الشروع في إعادة هيكلة الاقتصاد مع النزوع المحسوس للقطاع الخاص على القطاع العام، فسمياء الهدية يكشف بعدها الحسابي الدبلوماسي، وفراغ حساب المسعى الأمريكي دوما من فرضية الصدفة، كل هذا دون الحديث عن “الإكرامية” الأخرى المتمثلة في رفع الحظر عن بيع السلاح الأمريكي للجزائر التي كانت لا تسلح جيوشها من الفترة التي سبقت الاستقلال، أي إبان حرب التحرير الوطني إلا من الشرق وتحديدا الاتحاد السوفياتي.

المقال السابقالتحرش بالرجال
المقال التالىبهذا انتهكت سيادة العراق
بشير عمري كاتب صحافي جزائري.. يشتغل على نقد الخطاب السياسي، بالإضافة لاشتغاله في حقول الأدب والفن نقدا وإبداعا يكتب في القصة القصيرة والرواية... عمل بالعديد من الصحف الجزائرية، ويساهم في عدة دوريات عربية وأجنبية. حامل لدبلوم في الاقتصاد التربوي، من المعهد التقني للتسيير. صدر له: 1) حول ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد