في ثلاث دقائق فقط !


 

مؤكد أنه ليس ذلك ما خرجت تسعى إليه سلوى في ذلك صباح المشمس المستعر، لكنه المشهد الجديد من استوقفها بحداء هؤلاء الفتية من ذوي السراويل القصيرة، والقمصان ذات الأذرع المكشوفة الموشومة، على رصيف القصر القديم ذي الغمام المنبعث من ظل ذلك الجدار الترابي الطويل الذي يمتزج عبق عتاقته النفاث من فرط الرطوبة من الشقوق والثقوب الغائرة، بعبق الكتب الحديثة المفترشة لبلاط الرصيف الجديد، ثقوب تقتات فيها بعض الحشرات الأليفة على بقايا مأكولات الطريق وكُور من بقايا شعر النساء، فاستدركت أنه جدار للمقبرة القديمة ! تتكسر على بعض من تلك الثقوب عبارات بخطوط طويلة و رديئة، بعضها لمشاحنات بين أنصار مدريد وبرشلونة، والبعض يصعب قراءته بعدما شوهه آخرون بالطلاء لفحشه، حتى أن البلدية نصبت على مدخل المقبرة لوحة كتبت عليها “لا للافحاش في القول على جدران المقبرة احترموا الأموات وتذكروا أنكم ستلحقونهم يوما” ! ولأنها ليست من قراء الكتابات الحائطية، فقد ظلت تتهجى عناوين مركَّبة لكتب عن أقاصي الصحراء “وول ستريت آخر قلاع الإمبريالية” ! “الثمانية الكبار وخطر يورانيوم الفقراء” طبعا لا يمكنها سؤال الواقفين على فراش الكتب بالرصيف، عن معنى وول ستريت ولا عن الامبريالية، ولا حتى عن يورانيوم الفقراء ! ببساطة، لأن الأرصفة ليست للمعرفة، ثم أنها كانت الفتاة الوحيدة وسط فتية، ما عرفت إن كانوا حقا يقرؤون عناوين الكتب أم ظلال أجساد الوقفين، المتساقطة على أغلفتها، لكن وحده ذلك العنوان من أسرَّها وأسر نظرها ، “حرِّرْ ذاكرتك في ثلاث دقائق” ، صحيح أنها صدقت الشيخ العدوي يوم قال لها “إنه يستقر في ذاكرة أمها ويسترق منها كل صور ومعلومات الماضي وعليها أن تخضع لعلاج طويل يومي معه حتى تحرر ذاكرتها” بيد أنها تساءلت يومها:
– ما هذا الجني الخائب الغبي الذي ينشغل بسرقة ذاكرات الفقراء؟

ضحكت من لفظة “ذاكرات الفقراء” وعادت للسؤال، ما أثمن ما قد يكون بذاكرة الفقير؟ حاولت أن تعرف ذلك، لكنها وجدت نفسها في مأزق السؤال، هل تقيس غباء الجني أم قيمة ما بذاكرة الفقير؟ وهل تستحق ذاكرة فقير ثمن هذا الكتاب؟ إلا أنها شعرت بدوي نفسها وهي تقع في حفرة ذاكرتها كما دوي الحجرة الهاوية إلى عمق البئر، فاسترجعت تلك الأرصفة مهجورة معطرة بروائح بول مجانين المدينة والمتشردين، عراكات أمام مخازن الدقيق، جوع متصل، أودية لدموع هادرة، أعاصير للقهر دائمة في القلب وحب مُدبلج إلى العربي المأسور في قصور المال والجمال، تعيش صوره المبكية عبر “الساتل” كل خميس حين تبيت ببيت خالتها بالمدينة، فما الذي يغري هذا الجني ليسكن ذاكرة مثل ذاكرة أمها؟

ثم سرعان ما تنبهت إلى أنه يكمن أن يكون فعلا هو ! لا أمان للجن، فيمكن أن يكتمنها إن هي عادت لتفتش ذاكرة والدتها، خافت وتفلت في صدرها، نظرت يمينا وشمالا، دفعت ثمن الكتاب ثم حشرته في حقيبتها القطنية، والسرور يعلو خاطرها، لعلها وجدت بديلا لعلاج الشيخ العدوي الذي يزورهما بالبيت كل مساء، ويكلفهم ثلاث بيضات واحدة يكتب على بيضها المسلوق أرقاما، تأكل هي النصف وأمها نصف، مع الحرص على اقتسام الأصفر بشكل عادل ومن دون استعمال السكين، بعدما يتمتم عليها ويرشُّها برذاذ لعابه ! وعلى البيضتين الأخريين يرسم حروفا بالصمغ الأسود الذي تفوح منها رائحة الكتاتيب القديمة، يأخذها معه فتتألم إذ ترى البيضتين تنزلقان إلى جيبه، والله وحده يعلم كيف كانت تقسو على حالها حتى تحضر له البيضات الثلاث يوميا، فهي لا تزال تقطع نصف مساحة البلدة لتصل إلى سوق القصر القديم، والأمر ذاته تفعله في الإياب، مع أن السوق لا تبعد عن بيتها بأكثر من ثلاث دقائق مشيا بلا هرولة حتى ! وكثيرا ما كان الشيخ يؤنبها على التأخر ويلمح إلى أنها تواعد أحدهم خلف أقواس بنايات البلدة القديمة !

رمقته من بعيد بلمحة خاطفة إذ وصلت مدخل الحارة، كان يدق في لوح بابهم المترهل، فأوت بسرعة إلى ركن قصي واستخفت خلف جدار دار البلدية الأبيض السميك الشبيه

بجدران السجون الفرنسية القديمة، كانت تعلم أن لا أحد سيرد على دقاته العنيفة، وأن والدتها حتى وإن سمعت الطرق لن تهتدي إلى مصدره، وإن اهتدت فلن تجد المفتاح الثاني لتفتح له، وإن وجدته فلن تعرف كيف تستعمله، ساعتها سيظل هو يدق وهي تسمع فيمل من عدم الرد ليرتد إلى دكانه، تبنت هاته الخطة نهائيا وإلى أن تتحقق كاملة، جلست القرفصاء وراحت تتمتم وتدع..

ثم قامت مسرعة نحو البيت بعدما توقف الطرق على الباب في سمعها أخرجت المفتاح الثاني أدخلته في ثقب القفل أدارته فذهلت إذ وجدت أمها برفقة الشيخ العدوي!

انقبض قلبها لكنها لن تسأل صائد الجن كيف دخل من دون مفتاح، فسبق سؤالها بجواب قصير:
– أعلم أن موعد العلاج المساء، لكنه أفضله يظل بغير ميعاد محدد ! هل أحضرتِ البيضات الثلاث؟
_ لا لم أجدهم قد دفعوا معاش الراحل والدي بالبريد.
– ولكنكِ تأخرت كثيرا !كعادتك فما الحكاية تحديدا؟
– الحكاية هي أنه كان علي أن أغير المسار ولا أمر على دكان العم حمو لأن له علي منذ أسبوعين ثمن تسع بيضات أخذتهم تباعا!
سكت الشيخ وتنحنح ثم قال:
– حقا لقد كان هنا من لحظات، سكتنا ولم نرد عليه، لكنه سألك خلال فتحات حطب دفع ثمن بيضاته، عموما سأغادر الآن، لأعود في المساء، أرجوا أن تحضري البيضات الثلاث، حتى لا يتقطع العلاج ويصعب معه استعادة ذاكرة أمك الحبيبة !

تبعته بعينين مشمئزتين، وهو ينهض في استقامة على نحو من الانحناء، لينحُ باتجاه الباب بمشيته العرجاء كالذئب الذي يعاني من شوكة بقدمه، تأففت بعد إذ خرج وصفق من خلفه الباب، ثم نظرت إلى صمت أمها الطويل، فتذكرت حقيبتها القطنية، فتحتها، سحبت الكتاب وعاودت قراءة عنوانه مجددا “حرر ذاكرتك في ثلاث دقائق” راحت تدير صفحاته كما لو كانت طفلة تبحث عن صور تكسر عتم الكلام المكتوب بالحبر الصيني، حتى وصلت إلى جدول فيه ضرب وطرح !

– حساب؟
قلت وهي تحاول فهم الرياضة الأصعب التي لا تطيقها لا هي ولا أمها، كيف ستخضعها لعلاج الذاكرة من غير بيض بتمائم ولعاب الشيخ العدوي، فهي لم تحسب في حياتها ولم تعرف يوم قط أرقام الزمن الهادر بتلك الساعة القديمة المعلقة ببهو البيت؟

شعرت بالخيبة من مشروعها لاستعادة أمها، الآن عليها أن تمحو أمية أمها، في هذا السن؟
تساءلت عن غباء هذا الجني الذي سكن ذاكرة الفقر والأمية، ومع ذلك استعصى هزمه على الشيخ العدوي !

لا بل تأكدت أنه عليها هي في حد ذاتها أن تبحث عمن يعلمها الحساب مجددا حتى تحل تمارين الكتاب في حساب استعادة الذاكرة، كانت تظن أن فقدان الذاكرة سببه عاطفي و علاجه الحب فحسب وليس الحساب ! فالأرقام والحروف التي أخذتها من منتصف عمر المدرسة لا تسمح لها بعلاج أمها، فصارت البيضات الثلاث تثقل مجددا في خاطرها..

عادت بألم الأيام إلى مقعد الدراسة كمن يعود القهقرى لينطلق بقوة في محاولة القفز الطويل، تريد الآن أن تقفز على الهوة التي حفرها في منتصف عمرها الراحل والدها، إذ أوقفها عن الدراسة، فتصل بدلا من أن تظل تطل، إلى الضفة الأخرى المعشوشبة بخضرة الربيع، وتقطف العُشبة السحرية التي تعيد الذاكرة لأمها مجددا، ثم فكرت فيما الذي يستحق

كل هذا العناء من ذاكرة أمها؟ لمَ كل هذا الجهد لاستعادتها؟ هل احتاج لذخائر الفقر الذي فيها لأضيفه إلى ذخر الفقر الذي بذاكرتي؟ صار ما يشبه هاته الأسئلة يؤزُّها من الداخل أزا، لكنها تشعر دوما أن لها الحاجة في ذلك، ما هي تحديدا؟ لا تعلم، أجهدت نفسها في محاولات الجمع والضرب والطرح، وما عادت تفهم هل هي بصدد مطاردة حساب الصبا أم حساب الذاكرة !

في المساء وقبل أن تتسمر مترددة قبالة الباب ودقات عنيفة ترجه، أغلقت الكتاب وألقت به فوق الثلاجة القديمة بعد إذ عادت به من عند جارتها معلمة الفيزياء التي أخبرتها أن حل تمارين الذاكرة تلك، يحتاج ثلاث سنوات من علم الحساب !

فعاد وصرخ من خلف الباب:
– افتحي سلوى.. لست حمو بائع البيض أنا الشيخ العدوي !

المقال السابقلماذا يحب المصريون عبد الناصر؟
المقال التالىأناشيد الرائي ..
بشير عمري كاتب صحافي جزائري.. يشتغل على نقد الخطاب السياسي، بالإضافة لاشتغاله في حقول الأدب والفن نقدا وإبداعا يكتب في القصة القصيرة والرواية... عمل بالعديد من الصحف الجزائرية، ويساهم في عدة دوريات عربية وأجنبية. حامل لدبلوم في الاقتصاد التربوي، من المعهد التقني للتسيير. صدر له: 1) حول ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد