يومٌ في سوق النُّحاس بالقيروان

 

في صباح هذا اليوم الصيفي الرائع في مدينة القيروان أين تكثر المهرجانات و الأعراس ، التقيت صديقي محمد الهادي الشابي أمين سوق النُحاس بالقيروان ، ألفيته يطرق النّحاس طرقا و يبتسم ، و سوق النّحاس مكتظّة ، على اليمين باعة متجوّلون بعرباتهم ، و في الساحة الممتدّة سيّارات و شاحنات و درّجات هوائية و نسوة المدينة يحملن الأثقال قفاف وسِلال مملوءة خضرا وغلالا و أواني نحاسية ، جلستُ إلى جانبه وهمستُ في أذنه :{ أخبرني عن قصّة النُّحاس في القيروان } ابتسم وقال :

{ بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ، القيروان يا صديقي عاصمة النُحاس المطروق ، والنُحاس من أقدم الصناعات التقليدية هنا في رابعة الثلاث ، وازدهرت في عهد الدولة العثمانية بالتوازي مع صناعات أخرى مثل المصوغ و الحلويات {البقلاوة و كعك الورق و المقروض . و النحاس ذكره الله سبحانه في القرآن الكريم في سورة الرحمان ، وهذه الحرفة تداولت عليها أجيال ، وهي حرفة عزيزة وغالية تساهم في حفظ التراث و الهوية و تحريك الدورة الاقتصادية و توفير الصحة و السلامة لمستعملي الأواني النحاسية وفق دراسات علمية قام بها خبراء و أكاديميون في ميدان المعادن . وأذكر لكم بعض العادات التي تُبين وعي الحاكم بأهمية النُحاس و الصناعات النحاسية وسعي السلطة إلى ترسيخ رموز الهوية ونشر ثقافة أصيلة و ترويج المنتوج النحاسي الوطني ، فمثلا في عهد الدولة الحسينية يشترط البايات صناعة قناديل نحاسية ووضعها في الأزقة و الأنهج و الشوارع في العاصمة تونس وأماكن أخرى داخل ربوع البلاد ، فتعتاد عيون المواطنين مشاهدة هذه القناديل المضيئة ، ويميل الناس إلى استعمال وصناعة الأواني النحاسية ، ويُعجب الزائر بها ، وهي أعمال تبدو في ظاهرها بسيطة ولكنها في صميمها تحفظ هوية وتراث البلاد وتشجع على حفظه و العناية به .

وفي عهد المرحوم الزعيم الحبيب بورقيبة كان كلما زار القيروان أو زار معرضا من المعارض يسأل عن الجناح المخصص للقيروان ويشرب الماء في آنية نحاسية و يتعطر بماء الورد من المِرَشْ القيرواني ، وذلك من أجل تشجيع صناعة النحاس المطروق . وكان مُغرما أيضا بالمُنشد الديني المرحوم عبد المجيد بن سعد. وعندما يزور الجامع الأعظم عقبة بن نافع في عيد المولد النبوي الشريف، يطلب شربة ماء في الحلاّبْ النحاسي القيرواني .

و على مر الزمن تداولت أجيال وأجيال على هذه الحرفة ونحن أخذنا عنهم المشعل . و لا ننسى فالسوق الوحيدة في الوطن العربي هي سوق النحاس القيروانية التي حافظت على كيانها و نشاطها رغم التحولات الكبرى لنمط عيش الأسرة القيروانية والأسرة التونسية والأسرة العربية ورغم عزوف عديد العائلات عن اقتناء الأواني والمصنوعات النحاسية ، و التطورات التكنولوجية والصناعية و التوظيف الرّهيب لمعدني الأليمنيوم و الاينوكس في تصنيع الأواني .

و في سوق النحاس بالقيروان أربعون دُكانا يشتغل فيها مائتا يد عاملة ، وهي سوق نشيطة . وزاد صمود الحرفيين من نجاح وانتعاش هذا القطاع ، وهنا داخل هذه السوق يتم البيع والشراء ، بيع منتوجات نحاسية قديمة وذلك بالدلالة ، وشراء الأواني الجديدة ، وكذلك قصدرة الأواني القديمة ، ونعني بالقصدرة طلاء الأواني القديمة بمواد تنظيف النحاس وتنظيفها و عرضها على النار فتستعيد بريقها .

و منتجات النحاس ليست باهضة الثمن كما يتحدث البعض ، إذا نظرنا إلى قيمة الأواني النحاسية المصنوعة
و منافعها و مدة حياتها . ونحن بدّلنا استراتيجية العمل وفق التحولات الحاصلة في حياتنا و متطلبات السوق

فطوّرْنا طُرق ترويج المنتوج وذلك بالتواصل مع النُزل السياحية و المطاعم الفاخرة وعرض منتوجنا عندهم بل وتوزيع الأكل في أواني نحاسية لإقناع السّائح بمنتوجنا النحاسي و الإقبال عليه ، وقد نجحنا في ها العمل وازداد إقبال السِّياح على الأنواع المختلفة من منتوجنا النحاسي ونشطت الدورة الاقتصادية .

أما مسألة ترويج المنتوج النحاسي فنحن نُركّز أساسا على السوق الداخلية ، ونسعى إلى ترسيخ ثقافة استهلاك المنتوجات النحاسية وإحيائها وتشجيع الناس على امتلاكها و التزود بها ، فهي ذُخرٌ و منفعة. و لا نخفي سرًّا فهنالك عودة تدريجية إلى شراء الأواني النحاسية بأنواعها ، بل أصبح المقدمون على الزواج يتجهزون بالأواني النحاسية ، وهي عادة قيروانية قديمة بدأت في العودة . فالوعي بمنافع استخدام الأواني النحاسية أصبح واسع الانتشار ، خاصة بعد نـشر بحوث و دراسات علمية تبيّن منافعها في الاستعمال اليومي والطبخ .

وأرجو أن تفكر الدّولة في إنشاء مركز تكوين مهني لقطاع النُحاس المطروق ، تــُـسخر فيه كفاءات جامعية و كفاءات حرفية من قدماء الصناعيين ، ليدرّسُوا التلاميذ أصول هذه الحرفة و تقنياتها ، وبذلك لا تندثر الحرفة ويتقلد الجيل الجديد من الحرفيين خريجي هذا {المركز الحرفي} مهمة الإنتاج من جديد و تتواصل الحركة و تنتشر صناعة النحاس أكثر فأكثر و لا تقتصر على ولاية القيروان أو تونس العاصمة فقط } .

قلت له ما أروعك يا أمين سوق النّحاس بالقيروان ، و تبادلنا الضحكات ، وأنا أقلب الأواني بين الفينة والأخرى . مَرَّ الوقت عجولا ، نهضتُ مسرعا و اخترقت الزحام ميمما تلقاء بيتي .في تونس

لا تعليقات

اترك رد