عِنْدَمَا يَكْبُرُ الْأَوْلَادُ

 

عندما يكبر الأولاد، تدريجيّا يحفظونك كدرس تاريخ؛ متى تستيقظ؟ متى تنام؟ مواعيد جلوسك إلى مكتبك؟ أوقات خروجك إلى العمل؟ أوقات تجوالك المسائيّة أو اللّيليّة؟ برامجك الإذاعيّة والتّلفزيّة المفضّلة، الأماكن الّتي تتردّد عليها، أصدقاءك، أزمتك الاقتصاديّة وانتعاش اقتصادك… قاعدة بيانات مفصّلة بارعون هم في قراءتها وفي الرّبط بين معطياتها، وفي التّنبّؤ بما يصدر عليك من أفعال أو من أحوال. تُرى ما أثر هذه المهارة في أدائهم وهم يتصدّون في اختبارات التّاريخ لتحليل الوثائق والجداول الإحصائيّة؟

قراءة تمكّنهم من سياسة أمورهم داخل البيت وخارجه، ومن اغتنام الفرصة والاحتيال للقيام ببعض ما يريدون ممّا تمنعه عنهم أو يعجزهم إقناعك بوجاهته، وهم –لا محالة-يدّخرون جوابا أو تبريرا أو وجها لصرفك عن ذلك إن فطنت لهم.

عندما يكبر الأولاد يحفظونك كدرس جغرافيا يعرفون مجالاتك الحيويّة، طقسك ومناخاتك، مواسم رضاك وسخطك، يحصلون – بطريقتهم الخاصّة-على “خرائط طبوغرافيّة” للأماكن ذات الأهميّة الاستراتيجيّة حيث تخفي أشياء تضنّ بها عليهم خوفَ أن يسيئوا استعمالها وتدبيرا وتحوّطا. ولكنّهم يحصلون عليها لأنّهم رصدوا عاداتك، وعاينوا حركاتك، ولأنّهم استدلّوا عليها بما كنت أخفيتَ عنهم ثمّ أظهرته، وببوحك ذات سمر، وباحتفاظك لهم بكلّ ثمين وخطير لا يأمنون أنفسهم عليها لتهاونهم إزاء حرصك، وكيف لا يأمنون على ودائعهم وهم ودائع الرّحمان عندك؟

“خرائط طبوغرافيّة” حيث تفاصيلك الصّغيرة خصصت بها نفسك دونهم. لكنّهم يجدون الطّريق إليها لأنّهم أذكت منزلتُك عندهم فضولَهم لتعرّفك في التّفاصيل الصّغيرة: كرّاساتك القديمة، وألبوم صورك في غرانق شبابك أو في فجر طفولتهم، خطّك التّلمذيّ، محاولاتك الأولى في اقتراف إثم الكتابة، كتاب جديد اجتمع إلى كتبك أو محفظة جديدة وجدوها صباحا على مكتبك فهم يقلّبون أوراقها وقلما وسيما ستتفقّده بعد حين فلا تجده، قارورة عطر نازعوك ملكيّتها، بعض ملابسك تتفقّدها في خزانتك فلا تجدها ولكنّك تتبيّن بعد حين أنّها على ظهورهم وتذكر ضاحكا نصّا كنت درّسته لتلاميذك ” رُدَّ القميصَ عافاك اللّه”….

أنت لا تمنعهم عمّا ضننت به عنهم ولكنّك تعلّمهم –وإن لم تقصد-أنّ النّظام لا يستقيم إلّا بخرقه. وستقودهم سجيّتهم – لا محالة-إلى خرقه؛ فكيف إذن يعرفونك إن لم يعرفوك في غضبك وسخطك؟ وكيف يصلون إلى جوهرك وطبعك المكين إن لم يغضبوك؟ وكيف يهتدون إذن إلى ما تراه جليلا تغضب من أجله فيجلّونه؟ وكم غضبةٍ لآبائنا عرّفتنا قصد السّبيل، أو يضحكون من عصبيّتك ومغالاتك في الاهتمام بصغائر الأمور لكنّهم يجدون ذلك مدخلا لبرّك فيجتنبون ما لا ترضاه ويسعَوْن جهدهم في إرضائك وإن خالف رأيُهم رأيَك، وكم غضبةٍ لآبائنا منحتنا فرصة الاعتذار لهم وخفض جناح الذّلّ لهم فنقرّ فضلهم ويمتحنون برّنا، وتظلّ غضباتهم معالم في صحبتهم ومعاني موشومة في شغاف القلب.

أنت تمنعهم عن تفاصيلك الصّغيرة ريثما تذكو فِطنُهم فيدركون أنّ التّفاصيل الصّغيرة موئل الحقيقة الخفيّة، والمعنى بعيد الغور، حقيقةٍ ومعنى يسكنانها سمّاهما السّطحيّون والمتسرّعون شيطانا، نفّروا منهما حتّى لا

يرهقهم التّحرّي والتّمحيص، وحتّى لا تُفتح عليهم أبواب من الرّأي وألوان من الفهم قد تفسد ما عزموا عليه فقالوا:” الشّيطان يسكن التّفاصيل” ولعلّهم صدقوا لو ردّوا ” الشّيطان” إلى الجذر( ش ط ن) ومنه “الشَّطَنُ: الحَبْل الطّويل الشّديدُ الفَتْل يُسْتَقى به” وهل سُقيا كأمر تشرحه عن سرّه فأنت به أبصر؟ .

أنت –إذن-تمنعهم عن تفاصيلك الصّغيرة ريثما يجتهدون في الفوز بسرّ أبيهم؛ ما به اختلافه وما به تميّزه: عاداته، هواياته، ذوقه، شيء من ماضيه، طقوسه حين خلوته،…. وغدا يجدون فضولَهم ذاك ذاكرة يأوون إليها ومُعينا على حياة ممكنة.

تفاصيلُ لعلّك لا تخفيها عنهم ولا تمنعهم عنها، بل لعلّها تمتنع عنهم حتّى إذا أينعتْ فيهم الألفة وكبرت فيهم البُنوّة برّا وإكبارا لأبيهم، ورأيتَ ماءَ عمرِك المنسابِ في غضّ شبابهم ووارف ظلّهم، وصاروا منك أدلّاء عليك: “هؤلاء أبنائي”، وصرت منهم دليلا عليهم “هذا أبونا” ملأتْ تفاصيلُك الصّغيرة عليهم حياتهم وأضحتْ جزءا من عالمهم. وتفرّقتَ أنت فيهم كلمة، انفعالا، حركة، موقفا، رأيا، طبعا، مذهبا في الحياة …

تستمرّ فيهم نسغا وقد تلوّنتَ بشخصيّة كلّ واحد منهم. وإنّك لممتلئ بهم وأنت تهدهدهم بين يديك، وإنّك لممتلئ بهم وقد شددت بهم ضعفك، وإنّك لممتلئ بهم وأنت تحمل عنهم أوزارهم تسعى فيها أو هي تشغل فكرك فأنت مهتمّ لها. وإنّك لتراهم – وإن قسوت أو غضبت -أركانَ قلبك وبيتك، أفقا لبصرك أرحب، بعضَك يجتمعون فيك خطوَ الطّريق وقصّةَ العمر. وإنّك لتحبّ أن تجد فيهم حلما كان راودك قصرتَ عنه، وأن يبلغوا في الحياة شوطا وقفت دونه. وإنّك لتحبّ أن تراهم يرونك مأواهم وأنت تأوي إليهم وقد أعنتك الطّريق.

عندما يكبر الأولاد تتقاطع فيك حيوات وتتحاور أزمان؛ تُغريهم بماضيك فيهجم عليك حاضرهم، تُنكر ما لم تعْهَدْ حتّى ترعوي فتذكر أنّ العهد غير العهد، تمحضهم نصحا هو مخض الأيّام واللّيالي ويَنسَوْنَ ويكون منك عتاب ولوم وتقريع، وتردّهم محن الحياة إلى منح أقباسٍ من وصاياك ولكن إلى حين. وتغتنم لحظات هاربة من الزّمان تحدّثهم فيها عن زمانك المقيم فيك، سمتا وأحوالا وقوى نفس، الهارب منك وقد حال الحاضر عنه فيَعْجبون ويضحكون وقليلا ما يقرأون تاريخك وقد كانوا حفظوك كدرس تاريخ.

عندما يكبر الأولاد تتغيّر جغرافيا المكان ويتغيّر موقعك منها؛ بيتك الّذي شِدته بأنباضك تنزل عن مساحات كبيرة منه لأنباض جديدة وتستعيض عن أوساعه بأوساع قلوبهم، تجمع إلى أنباضك الّتي تخفق في كلّ ركن منه أنباضَهم الّتي تحيا بها والّتي حييت لها. وقد يراك العابرون تفصيلا صغيرا في حياتهم وقد ضجّت شواغلُها، ويراك أبناؤك البررة وقد عَبَرُوك في أنفسهم تفصيلا خطيرا به قوام متونهم ومعقد أمرهم وسرّ حياتهم وتلك بلاغة التّفاصيل.

عندما يكبر الأولاد قد تضجّ فيهم دماء الشّباب فيكنّون عنك بـــــ” الشّائب” أو” الشّيباني” … كما يفعل أترابهم من الشّباب وهم يذيعون آيات برّك:” زرت الشّايب”، لم أستطع مخالفة قول “الشّيباني” … لعلّهم لا يلقون للعبارة بالا ولكنّها تفصيل صغير يوشك – إن لم تنتبه إليه-أيّها الشّاب البارّ أن يُسقطك في عظيم. انظر

تَرَ أنّك بعبارتك السّالفة لا ترى في أبيك إلّا فعل الزّمان فيه، ولعلّك لا ترى إلّا عجزه وضعفه واستطاعته بغيره. عبارة تنسى كقلبٍ ناكرٍ للجميلِ – جمّل اللّه قلبك بالعرفان-تضحيّاتٍ وجهودا بذلها؛ أوقد عمره شموعا للطّريق، والدّماءُ في عروقه تشخب عزما وحُلُما حتّى تكبُرَ ويكبُرَ فيك وبك الوطن، وأنّك تعقّ أباك بلسانك. وكم يحتاج آباؤنا أن تبرّهم ألسنتنا قبل أن تبرّهم – وذاك وهمُنا-أفعالُنا. وإنّ المَخوفَ أن يتسرّب العقوق في اللّغة من مسامّها إلى القلوب فتغلظ، وإلى الأرواح فتُظلِم، وإلى الأجساد فتثقل عن الفعل الجميل. وحسبك دليلا تحوّل هذا العقوق اللّغويّ مؤسّسة يجتمع فيها كبار السّنّ من فاقدي السّند ويجتمع فيها أساسا

-يا للفظاعة- من ضيّعَهم أبناؤهم الأسنادُ؛ حملوهم كَرْها إلى “دار المُسنّين” وقد صفقت وجوههم فأنكروا أرضا سقاهم مَعينُها وأطعمتهم جنّتُها.

عندما يكبر الأولاد، يكبر الآباء، تنثال صحائف التّاريخ وتستبدّ غواية السّرد ولكنّ السُمّار قليل.
عندما يكبر الأولاد، يكبر الآباء، تجتمع جغرافيا المكان فيهم قطعا من زمان، وذاك المكان الأليف ما عاد لي.
عندما يكبُر الآباء هل يكبُر الأبناء؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد