المرباع يتربع على القمة

 

إذا وجهت لك سؤالا مباغتاً وسألتك لماذا تفعل ذلك، بالرغم من علمك لطبيعته الخبيثة؟ هل تستطيع أن تعطيني رداً واقعياً يتسم بالشفافية دون أن تحاول أن تزين الأمور، حتى ولو كنت تتدعي أنك من أنصار الصدق المجرد، أم، على صعيد آخر، ستخبرني أن الإجابة تتوقف على طبيعة السؤال نفسه، وإلى أي مدى لسوف يسبب الرد المجرد الصريح إحراجاً لقائله؟ لسوف أخبرك شيئاً لربما عرفته طوال حياتك، لكنك تفضل أن تواريه؛ لتثبت استقلاليتك ومدى حريتك الجمة في اتخاذ قراراتك، ببساطة، أنت تطبق ما أصبحت أطلق عليه “نظرية المرباع” بحذافيرها، سواء أكنت تعي ذلك، أو أن تصرفاتك تنبع من اللاوعي.

و”نظرية المرباع” التي انتشرت أشكالها وتطبيقاتها في الآونة الأخيرة هي تلك الظاهرة التي تمجد أنماطاً غريبة تحت شعار “تحقيق الاستقلال”، والسعي وراء الصالح الذي يدر على الذات كل النفع، أي أن نظرية المرباع إحدى ركائزها الأصيلة هي الأنوية المطلقة، أو ما يمكن أن نطلق عليه مبدأ “أنا ومن بعدي الطوفان”. وتفسير تلك النظرية والتي تعبر عن نظرية “الخراف الآدميين” Sheeple يكمن في التفكر في حال “المرباع”. والمرباع هو خروف من الغنم يقع عليه الاختيار ليتصدر الزعامة، ولهذا الغرض تصير تنشئته مختلفة عن ذويه. فبعد مولد الخروف المرباع، يتم عزله عن أمه. وبالرغم من أنه يشرب حليبها ليقيم أوده، لكنه لا يراها أبداً. ويعمد من يهيئونه للزعامة إلى تنشئته مع أنثى حمار؛ ليرضع منها من أجل أن يستقر في وجدانه أنها أمه التي وهبته الحياة. وحين يكبر، يتلقى المفاجأة الكبرى التي هي في انتظاره منذ لحظة ميلاده، ألا وهي إخصائه. ولكن عوضاً عما فقده من خصوبة، يترك له صوفه، فلا يجز لتحقيق مظهر مهيب. وعندما تنمو قرونه، يبدو ضخماً، ذا هيبة. وللفت نظر الجميع لهيبته، ومكانته المرموقة، تعلق حول عنقه أجراس طنانة رنانة، تدق كلما تحرك أدنى حركة، فيجفل قطعان الأغنام، ويلتفت له كل من بالمزرعة من غنم. وكنتيجة لذلك، يسير قطيع الغنم وراء الخروف المرباع؛ لاعتقاد القطيع أنه يسير خلف زعيمه البطل. لكن لو أمعن القطيع نظره لوجد أن ذاك المرباع لا يسير إلا وفقما سار الحمار الذي يتصدره، وأنه لا يقوى بأي حال من الأحوال أن يتجاوزه بتاتاً. وأما المشهد الهزلي السوداوي رؤية الأغنام تسير خلف قائدها، وقائدها يسير خلف ووفق هوى الحمار.

ولعل أبرز مشهد قد يقفز إلى أذهان الجميع هو مشهد المدير السيئ الذي لا يعي أصلاً ما يفعل؛ لوجود آخرين يحركونه كالدمية، والشئ المحزن حقاً إذا كان من يملون عليه الأوامر مسيسون من آخرين يملون عليهم الأوامر.

لكن هل يتوقف الأمر عند مشهد الرئيس والمرؤوس؟ بالطبع لا. فلقد تغلغلت المرابع في حياتنا بصورة غير نمطية، وكانت هي السبب في تخبط أبناء هذا الجيل في اختياراتهم. فلقد كان الإنجاز الأعظم لنهاية حقبة تسعينات القرن الماضي هي إفراز سلسلة من المرابع التي من شانها تشتيت أذهان بناء الشعب. ففي الماضي كان السؤال السائد الذي يتم طرحه على الجميع: “من هو من قدوتك في الحياة؟” وعند الرد، كنا نجد أيضاً أن من سلكوا دروب النجاح قد اتخذوا من أشخاص عينهم نبراساً وقدوة. أما في عصرنا الحديث شديد التقدم، فإن النبراس قد تم إحلاله بالمرابع الذين يتصدرون الواجهات الإعلامية. ولتفسير ذلك أكثر، وبعيداً عن السياسة، فلتنتخذ في مصر موسيقى المهرجانات التي انتشرت مؤخراً، والغريب أنها تجد كل يوم نجاحاً باهراً من شأنه أن اجتذب المزيد من المعجبين، على كافة المستويات، وأيضاً المزيد من المؤديين الذين يتفننون في الاضمحلال بالذوق العام. وأما عن سبب زج من يغنون المهرجانات للساحة فهو تهيئة المرابع من قبل من يسوسونهم لإلقاء دوائر الضوء على مرابع جديدة حديثة النشوء لتكون نبراساً لقطعان وشيكة، باستنفار عاطفة “الجشع”. ومن عناصر الجذب الكبرى هو نشوء مرابع موسيقى المهرجانات الطنانة الكلمات من بيئات ليست بالشعبية، بل من البيئات المتدنية أخلاقياً لتصير كلماتها، وأنماط تصرفاتها بمثابة طاقة معرفة جديدة بعالم خفي ومجهول لمن لا يعرف ما يدور بتلك البيئات المتدنية. ومن ناحية أخرى، يصير تصدر مرابع المهرجانات باب انتصار وإثلاج صدور لسكان نفس البيئة الذين أتوا منها؛ لاعتبار أن ذلك بمثابة اعتراف بكيانهم. ومن ثم يناصر هؤلاء موسيقى لمهرجانات؛ لاستشعارهم بأنهم ينتصرون لحياتهم التي لطالما قد أصابها التهميش، وقد يكون أيضاً الاحتقار. أما الفئة التي لا تعلم أنماط هذه الأخلاقيات المتدنية، تتخذ من موسيقى المهرجانات وسيلة للترفيه واللهو؛ لأن أفرادها بمثابة بث حي لمسرحية كوميدية هزلية لا تنتهي فصولها. ولشدة الإعجاب بهم، يتم نشر أخبارهم، وتقليد أسلوب ومفردات حديثهم. لكن بمرور الوقت، تصير الصورة ضبابية، وتنقلب الأمور من مجرد سخرية، وسبيل للفكاهة إلى أمر واقع قد فرض نفسه على الأجيال التالية. فلقد انتشرت موسيقى المهرجانات لسبب عميق، وهو ما يمكن أن يدره المرء من أموال من جراء الابتذال. والأجيال الجديدة حالياً لا تعي إلا درس واحد فقط: النقود هي العصا السحرية لتحقيق حتى الأماني المستحيلة، ومن ثم، يسير الكثير من الأغنام خلف مرابعهم، يسيرون خلف المرابع بدافع الجشع.

وما أكثر الأمثلة في العصر الحديث على استحلال اتخاذ المرابع قدوة. فالتهليل للخبيث من التصرفات، وتزين السيئ لدرجة أنه يُتخذ منه نبراساً صار هو الإنجاز الجلل الذي يمكن أن يقوم به شخص ما. ولقد تم الاستفادة من ذلك في عالم الاقتصاد على جميع الأصعدة. فالحملات الإعلانية هي عبارة عن تصدير “مرباع” للتأثير على الجمهور واتجهاته الشرائية. فالإعلان عن مواد أو سلع لا طائل منها نجد قوامها فتيات شديدة الحسن تم وضعها للغواية، والتأثير على عقل المشاهد، وخاصة على عقول الرجال؛ لأن حسن الفتيات هو ما يجعلهم يرددون موسيقى، أو أغنية الإعلان دون وعي، وبالتالي شراء المنتج. ومن اللافت للنظر أن الإعلان عن مساحيق التجميل يتم بأسلوب التصوير من أجل الإغراء قبل أي شئ، فلا أعتقد أن هناك إمرأة سوية تعشق أن يتم إغرائها بإمرأة مثلها؛ حينما يتم التركيز على مناطق معينة بالوجه والجسد خلال فترة إذاعة الإعلان. وتكون الطامة الكبرى تصدير عارضة مغرية تعطي انطباع أنها عارية أو شبه عارية للإعلان عن منتج ما. لك أن تتفكر ما المقصود من ذلك. بالتأكيد، الغواية والجشع في أن تصير النساء مثل فتاة الإعلان هو الدافع وراء شراء المنتج من قبل الجنسين؛ فالرجل أيضاً يرغب أن تصير زوجته مثل فتاة الإعلان، أو ربما يرغب في أن يتذكرها عندما تقتني زوجته هذا المنتج.

ومن ناحية أخرى، يتم أيضاً تطبيق مبدأ الغواية الرخيص هذا سواء في بورصة الأوراق المالية، أو بين رجال الأعمال. فبالنظر إلى البورصة، فلإعلاء قيمة الأسهم الكبيرة أو لضربها في الأسواق، يتم إطلاق إشاعة خبيثة عن كون إحدى الأسهم تتصدرأو في سبيلها للانهيار، ومن ثم يتم استثارة جشع التجار، الذي بالتالي يدفعهم إلى شراء أو بيع محموم نابع من “تقليد” سلوك مستثمر أو موظف بالبورصة معروف عنه أنه من أكثر الأفراد الذين يتمتعون باستشعار تقلبات السوق، وقد يكون ذلك إشاعة لفقها هذا الموظف لتلف سيرته الذاتية. فلقد أفضى العديد ممن جنوا الأرباح من جراء التعامل داخل البورصة أن المكاسب أو الخسائر التي يتم جنيها ما هي إلا نتيجة لضربات حظ توقعها أحد الموظفين من تلقاء نفسه، أو اختلقها لتصير فقعاعة تنتهي بعمليات شراء أو بيع محموم، ومن جرائها تم حشد مستثمرين آخرين للانضمام لهم في عجالة للدخول إلى السوق، أو الخروج منه دون تمييز العواقب. فالعامل المسيطر هنا هو استثارة عاطفة الجشع.

وعندما نمس ما يحدث في المجتمعات الدولية الحديثة من شعور لا عقلاني، قد نتطرق للثورات في روسيا، وفي أمريكا اللاتينية. فلقد كانت الفقاعة التي تم اطلاقها هي “الحصول على الحرية وتحسين الظروف المعيشية”. لكن ما حدث من ثورات في روسيا وأمريكا اللاتينية في نهاية الثمانينات ومستهل التسعينات لم يسفر إلا عن عدم استقرار، وحرمان ليس فقط من الحرية، بل

أيضا من لقمة العيش. فلا تنمحي أبداً من الذاكرة صورة من تجمدوا من البرد في روسيا في أعقاب الثورات الملونة. أما النتائج التي تم جنيها من خلال الاندفاع المحموم خلف تحقيق الحرية في أمريكا اللاتينية ما نراه حالياً من تدفق المهاجرين من عبر الحدود الأمريكية المكسيكية لأفراد من جواتيمالا وهندوراس والسلفادور حلموا بالحرية يوماً، لكن تم استثارة عواطفهم، وجشع تحقيق مكاسب سريعة من خلال استنفار ثورات، ومشادات، ونزاعات كان من جرائها أن انهارت العملات المحلية وازدادت معدلات الجريمة، وصار جلَّ مبتغى هذه الشعوب التمتع بالأمن، الذين ينشدونه لأنفسهم وأولادهم من خلال النزوح للولايات المتحدة في شكل نزوح جماعي لإجبار الولايات المتحدة على فتح حدودها لهم، وهذا نوع آخر من الجشع بالتأكيد روَّج له “مرباع”. لكن ما حدث كان عكس التوقعات، لم ترضخ الولايات المتحدة لهم، بل هددت بإغلاق حدودها مع المكسيك وفرض عقوبات عليها إذا سمحت لهؤلاء النازحين المرور. ونقلاً عن السي إن إن، يؤكد المراسلون أن الحالة الصحية لهؤلاء المرابضين في تراجع مستمر، وأن هناك البعض لم ينعموا بالاغتسال لما يربوا على الأربعين يوماً. الجشع في الانتقال المفاجئ من العالم الثالث إلى العالم الأول جعل هذا القطيع يسير وراء خطط مرباع أهوج جعلهم يخسرون أوطانهم، واستقرارهم، وأخيراً، صحتهم وسلامتهم الشخصية، وبالتالي، حياتهم.

الجشع، والرغبة في المزيد دون وجه حق هم من يستنفرون القوى لخلق “مرباع” جديد، يسحب وراءه الغنم الراغبون في التمتع بمميزات تضاهي ما حظى به هذا المرباع، أو حتى نيل قبساً منها من خلال التزلف لنيل حظوته. وكم مرابع تم اختلاقها، وكم من أغنام ساروا على دروبهم.

1 تعليقك

  1. Avatar أ.د.شوقي الموسوي

    شكرا دكتورة نعيمة على هذا الاستدراك الرائع لواقع واقعنا الواقع تحت سيطرة المرابع المؤدلح بالمفاهيم والابعاد الكولونبالية … والمصيبة الاكبر أن المرباع قد طور ماكنته وأدواته بفعل تخلف الآخر السائر خلفه فدخل في الوسط الجامعي وصعد منابر العلم وتحصل على المناصب والقيادة في بعض جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية والتعليمية والتربوية !! وهكذا ساحات تعد الاخطر والاكثر انتاجا بالنسبة للمرباع كونها ستعبث بالمخرجات التي ستكون يوما ما مشاريع مرابع !! مع الاسف
    مقالتك رائعة وفي الصميم … ونحن في محنة نعيشها مع هؤلاء المتوشحين بالفراغ !

    تحية لك ولقلمك الاصيل ولمؤسسة الصدى ..

اترك رد