خلفيات تعيين “إسلامي” على رأس برلمان الجزائر


 

أثار قرار تعيين الإسلامي “سليمان شنيين” على رأس المجلس الشعبي الوطني، برلمان الجزائر، نقاشا حادا داخل المشهد السياسي والإعلامي الجزائري، كونه يعكس سابقة في تاريخ العمل المؤسسي السيادي بالبلد، الذي ظل طيلة زمن الحزب الواحد وما تلاها من فترة تعددية شكلية، بيد السلطة الفعلية تمنحها لصنمي السياسة بالبلاد أي حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الديمقراطي الوطني، فما الذي استجد حتى يشذ الماسكون المتخفون بخيوط اللعبة بالجزائر عن مسلكيتهم ويمنحوا منصب الرجل الثالث في هرمية السلطة بالجزائر لأحد الإسلاميين غير المغالبين، أي من تيار المشاركة في السلطة الذي ظهر مع تفجر أزمة توقيف المسار الانتخابي سنة 1992 وما أفضت إليه من حرب أهلية طاحنة أودت بأرواح ما يربو عن المأتي ألف قتيل؟

وهل للحراك الثوري المتواصل منذ شهر فيفري الماضي أثره في تغيير أسلوب “السلطة الفعلية” في التعامل مع منطق المحصاصة الحزبية والأيديولوجية التي تتبعها مذ تحولت البلاد إلى تعددية توقفت عند الشكل دون أن تصل المضمون؟ وكيف قبل الاسلامويون منطق المحاصصة في وقت يدوس فيه الشارع بُنى الدولة الفوقية المصادرة للوعي والحق السياسيين؟ ما قد يفسره البعض بالانزياح الواضح لهذا التيار المشاكس، عن الإرادة الشعبية باعتبارها لم تمكنه في كل التجارب الديمقراطية العربية من امتلاك ناصية القرار السيادي وبالتالي استحالت أن يرى يوما ما مشروعه أو ما تبقى من مشروعه أو ما كان يعتقد أنه مشروع، يسوس ويسود الدولة والمجتمع.

بداية توجب الإقرار بأن إرادة الشعب في الخلاص من البُنى التقليدية للسياسة بأكملها وليس فقط للدولة بالجزائر، لا تزال تصطدم بقواعد الدفع الخفية لهذا النظام، الذي يستعمل كل ما لديه من أوراق ويوظف ما أسس له في وعي الشعب طيلة خمس عقود من عدمية المعنى والفراغ الفكري والتصارعية المذهبية والعرقية والانشطارية اللغوية، حتى يكسر صخرة الوحدة التي تعاظمت في وجهه ككرة الثلج طيلة الأشهر الخمسة الماضية، ويعيد توحيدها على أنموذجه التقليدي المؤسس على الخوف من تناقضات التنوع لمجتمع لم يؤسس لدولة بوعييه التاريخي، بل سلطة هاته الدولة عبر جهزها العنفي هي من شكلت أسلوبية هذا المجتمع في التعامل مع معطى التنوع بهذا الطابع التناقضي التصارعي، جهويا، أيديولوجيا وإثنيا من خلال إضمار مفهوم التنوع الايجابي .

والحقيقة أن عتو السلطة في مواجهة المد الشعبي قد تقوى مع أول شرخ نخبي حصل بسبب إقحام الرمزيات الخاصة والاختلافات الأيديولوجية والاثنية، غذّاها النظام بشكل سريع مستميلا ذوي الحسابات والحزازات التاريخية من تلك النخب ومعها بدأ الاصطفاف يتعاظم، والشرخ يمتد لعمق الحراك الثوري الشعبي وشاكلة المطالب المتعلقة برحيل النظام تتغير وتتقلص بعد احتدام الكلام بين مطالب لمجلس تأسيسي يعيد النظر ليس في تركيبة الدولة وطبيعة سريانها فحسب، بل حتى بالقضايا المتصلة بهوية الأمة بكاملها، وبين رافض لهذا المسعى باعتباره يشكل خطرا داهما على وحدة الأمة ومنذرا بتخريب النسيج المجتمعي، وهكذا وجد النظام منفذا سحريا ويستعيد من خلاله الكثير من مصادر قوته السابقة التي بها جثم على صدور الجزائريين خمسة عقود كاملة.

لكن ما يظل مسترعيا للاهتمام هو أن ما سبق إلاشارة إليه من تحول في صراع السيادة والسياسة بالجزائر في ظل مفرزات الحراك الثوري، هو أنه طرح شكلا جديدا في المعادلة الوطنية وهي بروز ضلع ثالث فيها ونعني به الشعب بوصفه طرفا في إدارة الصراع ولم يعد مجرد أداة له مثلما مكان في السابق، وعي الشعب المجرد من الاصطفاف الإيديولوجي والمصلحي والموحد في مشروعه المستهدف لاستعادة سيادته على مصيره ومقدراته، جعل منه قوة جديدة يحاول الطرفان الآخران سلطة/نخب توظيفها كوقود لصراعهما الفوقي عبر خطاباتهما المتهالكة.

وعليه، فإن أهم ما يمكن الخلاص إليه من قرار تعيين الإسلامي سليمان شنين على رأس البرلمان، هو أن النظام في الجزائر لم يتغير في شاكلته وإشكالاته، إذ لا يزال يشتغل برأسين أحدها ظاهر صوري والثاني متخف فاعل، وغاية ما في الأمر هو أنه غير من خطته في معركة كسب الرهان الحاصل مع الشارع، فأدار ظهره للصنمين القديمين، التيار الوطني ممثلا في الحزب الحاكم بالتزوير (جبهة التحرير الوطني) والتيار الديمقراطي الذي يقوده التجمع الديمقراطي الوطني وهما الحزبان المغضوب عليهما شعبيا والمُطالب في كل جُمُعات الحراك بحلهما لتميكن المجتمع السياسي من ولادة جديدة بخريطة سياسية جديدة، فلم يكن من بد غير اختيار الإسلاميين لعداواتهما للتيار الفرانكفوني والبربري.

لكن من هم هؤلاء الاسلاميين الجدد؟ وهل حقا يمكن الرهان عليهم بعد تهافت تياري ثنائيتهم المتضادة المتصارعة “المطالبة والغالبة”؟

لقد ظل الإسلاميون طيلة فترة العمل السياسي السري، ينشطون ليس بالأبجدية السياسية الحديثة، أي النضال الحركي الحزبي القائم على منطق المؤسسة الحزبية بتوهجها الحداثي الهيكلي والخطابي، وإنما يحضرون سياسيا بالخلفية الدعوية المرتكسة في بنيتها الفكرية والعقائدية إلى الخلف نهاضة على قواعد فقهية تؤدلج الزعيم وتواليه بوصفه مشروع الحاكم بالإمارة (أي أمير) موالاة عمياء وبالتالي ظل الناشط السياسي الإسلامي مريدا وليس مناضلا، مؤمنا وليس مواطنا، تكفي هنا الاشارة على سبيل المثال لا الحصر، إلى أن جبهة الانقاذ كان تحضر لمشروع البيعة بعد التتويج بالانتخابات، قناعة بأن ذلك شرعي ديني يفوق الشرعية الدستورية السياسية الوضعية، وتواصل هذا الأسلوب في لبس الحزبية وتلبسها إلى غاية قدوم بوتفليقة الذي عرف كيف يحول هذا المنزع الهرمي القديم من أقوى جماعة إسلاموية قدمت دوما الحركة على التاريخ والوحدة على الحق والشرعية، وهي جماعة الإخوان المسلمين واستمالها إلى مأدبة السلطة وشهوتها عبر استوزار واسْتِمدَار (مديريات) مع منح حصص معتبرة في المقاعد النيابية الشعبية من خلال التزوير المسبق الذي كانت تحرص عليه مؤسسات الدولة، ما راح شيئا فشيئا يفجر هاته الجماعة من الداخل بفتنة الفوز بشيء من الغنيمة البوتفليقية، ورأينا كيف انشطرت جل الأحزاب الاخوانية، من حركة حمس، النهضة ثم الإصلاح وتمردت فيها قيادات حتى، التي ستؤسس فيما بعد أحزابها الخاصة بدعم ورعاية وموافقة من السلطة.

وبذلك يمكن القول بأن ما يسمى بالتيار الإسلامي قد حُييد عن مسار نشأته الأولى التي لطالما كان يرفعها في السرية بخطاباته “الدعوية” وهو البناء التحتي من خلال استيعاب الشعب اجتماعيا بالأدوات الخيرية حتى يقتنع بفكرته في التغيير القاعدي ويتبنى مشروعه الفكري والسياسي، وصار أفقه ينحصر وينحسر حتى وصل حد الرضا بالحضور الفوقي في مؤسسات الدولة ليناله من مغانمها وريعها ما ناله غيره من التيارات المروضة في سيرك السلطة السياسية بالجزائر.

هكذا إذن، سبقت السياسة الفكر لدى الاسلامويين، القاطعين مع الفكر السياسي الحداثي القائم على المرجعية التفاعلية للتاريخ والجغرافية القطرية باعتبارهما هوية السياسة علما وممارسة مذ تشكل عالم ما بعد القوميات الكبرى، وبالتالي صار يسهل استيعابهم في كل لعب السياسة من مختلف فرقائها في المعارضة كما في السلطة.

المقال السابقهذيان في الوقت الضائع
المقال التالى” عَلَى هَالرَّنَّة طَحِينِجْ نَاعِمْ ” !!
بشير عمري كاتب صحافي جزائري.. يشتغل على نقد الخطاب السياسي، بالإضافة لاشتغاله في حقول الأدب والفن نقدا وإبداعا يكتب في القصة القصيرة والرواية... عمل بالعديد من الصحف الجزائرية، ويساهم في عدة دوريات عربية وأجنبية. حامل لدبلوم في الاقتصاد التربوي، من المعهد التقني للتسيير. صدر له: 1) حول ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد