سميرة إيليا تهب البياض تجاورات مشبعة باللون

 

كانت تدرك منذ صغرها أن في داخلها شيء ما يتحرك ، شيء بطعم آخر ، لم تكن تدرك أن هذا الشيء سيكون الرسم ، إلا حين وجدت نفسها مطوقة بوقت طويل ممل لا يمشي ، و كسر هذا الطوق حرك ما في داخلها نحو السطح ، فرسمت في بدايتها طابعاً بالفحم ، كانت وقتها على المقاعد الثانوية ، و لجودة رسمتها هذه تم إرسالها إلى دمشق علها تستفيد منها و تضعها ضمن وسائلها التعليمية ، ثم رسمت على القماش المخمل ، و كذلك على البللور ، لم ترسم لوحة كلوحة و بالألوان المختلفة إلا بعد أن هاجرت إلى السويد عام 1986 ، حينها نكاد نقول بأنها وضعت قدمها في الطريق الصواب ، فقدمت أكثر من معرض فردي و شاركت في معارض جماعية.

لوحة سميرة إيليا مفعمة بهدوء شديد ، و بطفولة خجولة تشي بيقظة كانت مرمية على عتبات قريتها تل شاميران ،بيت جدها على ضفاف نهر الخابور حين كان هذا النهر يتدفق بالحب من منبعه إلى مصبه ، كان عاشقاً يوماً ما قبل أن يغتاله خفافيش الحياة ، فلوحتها تمتلئ بحوار حزين لم تبارحه الخوف مطلقاً، و إن كانت ترتدي ما يوحي بالموسيقا ، فهي تهب البياض تجاورات لونية تجعل الإيقاع فيها رديفاً لشهيقها وزفيرها ، رديفاً منسجماً مع تدفق حنينها التي تجعلها تحمل ثقة عالية أمام ما تنجزه ، فحنينها هذا ليس مبتكراً ، بل نائماً في أعماقها ، يستيقظ حين يجد طريقه نحو البياض ، يتأمل في دقات رنينها ، بل قد ينفلت في زحام طرقاتها ، و حينها قد يكتمل المشهد إلى حد ما ، فيرتعد أسارير قلبها حتى يأخذها حنينها بإتجاه واحد ، بإتجاه ترسمها لها ذاكرتها البعيدة

و في الحقيقة فإيليا وبصوتها الخافت غير قادرة على إطفاء شعلة الحنين المتقدة في دواخلها ، فترسم ببطء و كأنها تغمس فرشاتها في نهر الخابور فتحتاج إلى زمن لقطع تلك المسافة الممتدة إليها ، ترسم ببطء حتى يتقد حنينها تماماً ، وتحت ولعه ، و إحتراقه تلون فضاءها بالغبار الجميل العالق بها ، تلون ذلك النهر البعيد و كأنها جالسة على إحدى ضفتيه ، فتركض تحت ظلالها ، لتشكل في كل تأمل إستغراقاً من التجليات التي تحيلها إلى البعيد البعيد/ البعيد القريب حيث بقيت أجزاءها كلها معلقة به .

إيليا تلتقط وضعيات إنسانية محددة بوصفها مقولات ذات حمولة منسجمة مع آلياتها المعرفية ، كما هي منسجمة مع مظاهر تصوراتها السيميائية ، و إن في جوانبها الموضوعية ، فهي تحيل كشوفاتها تلك إلى ممارساًت إنسانية مستديمة ، و لنا في أعمالها ما ينبثق منها ذلك ، فهي تنتج سيلاً من الحالات الوجدانية التي تثير حولها قدراً من الروابط التي تقود الممارسات الإنسانية إلى بلورتها و التي لا يمكن تجاهلها.

فهي تعود كثيرة بالذاكرة إلى سلسلةمنالمساراتالتي يمكن أن تسلكها ، و التي يمكن أن تجر متلقيها إليها بطيب خاطر ، أو كشكل من الأشكال التي يمكن وصفه بالبعد الجمالي للتجربة الحياتية ، و في هذاي تعين عليها فتح آفاق متنوعة لكل واقعة من وقائعها ضمن مستوياتها العديدة ، و من الجلي حينها لمس التناسب و التوازن كمقاييس جمالية لمعطياتها الفنية.

إيليا لا تبتعد عن المألوف ، و لا تبحث عن غرابة ، و لشدة إستشعارها بالجمال الكائن في الأشياء ، فهي تشدد في توجهات ريشتها نحو العامل الجمالي أولاً ، العامل الذي إذا حضر لا بد أن يحضر العوامل الأخرى ومنها العامل الوظيفي ، فالتأمل الطويل في أعمالها تدفع حزم من الأسئلةإلىسطحالذاكرة ، لماذا هذا القلق المستديم في ملامح تجربتها، و ما سر فوحانها برائحة الخابور وترابه ، و لماذا تحتمي بالجذور و كأنها الأم المقدسة ، و لماذا تترك الباب مفتوحاً و كأنها تمنح عملها للهواء ، أسئلة كثيرة تحضرنا و نحن نمد يد المصالحة لأعمالها ، و كل منها تحتاج إلى إجابات طويلة نترك ذلك للفنانة علها تستدير قليلاً نحو عملها و تسافر فيه كما سافرنا فيها ، وخرجنا بتلك الأسئلة ، ننتظرها تخرج لنا بأجوبتها.

لا تعليقات

اترك رد