ذكرى مرور عام على سجني .. فهل انتصر الإسلام ؟!


 

قبل أيام قليلة (17 يوليو 2018)، وقبل عام من الآن، سلمت نفسي للسلطات الكويتية بناءا على حكم بسجني لمدة عام. ولكن بعد مرافعات عديدة في المحكمة (درجات التقاضي الثلاث)، من قبل مكتب المحامي الصديق الشاب المثقف أسامة السند، تم خفض الحكم الي شهرين سجن واجبة الشغل والنفاذ. وكان الحكم قد استند الي تهمة ازدراء الأديان وتحقير الشريعة والقرآن والنبي محمد، الي مالا نهاية من قائمة جاهزة كالعادة لمواجهة من ينتقد الدين أو الشريعة بطريقة واضحة وعلنية (المادة 111 من قانون الجزاء والمادتين 19، 27/1 من القانون رقم 3 لسنة 2006 في شأن المطبوعات والنشر، والمادة 6 من القانون رقم 63 لسنة 2015 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

إذ تعاقب الكويت، كغيرها من الدول العربية والإسلامية أي محاولة للحديث بكل صراحة حول الثوابت الإسلامية ومحاولة نقد الإسلام. إذ يتم اعتبار مثل تلك المحاولات لدى القضاء والغوغاء هي (سب الدين والإستهزاء به والطعن به). ضاربين بعرض الحائط كل مواد الدستور الكويتي المدافعة عن حرية الرأي (المادة 36 “حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل انسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، وذلك وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون)، ومواد مواثيق حقوق الإنسان التي وقعت عليها الكويت بصفة أصلية والتي تدعو ضمن موادها الي احترام حرية الرأي والتعبير.

وتخضع حكومة الكويت، ككل الحكومات العربية، الي تحالف قوي وطويل الأمد مع التيارات الإسلامية والبنى القبلية والإسلام السياسي لدعم مواقفهم وقراراتهم المشينة ضد الحريات الفردية وحرية الرأي والتعبير (وهو الذي جعل من مواد دستور الكويت حول الحريات بلا قيمة فعلية)، وخصوصا تحت قبة البرلمان الذي يتعامل مع الديمقراطية بأسلوب رخيص ينطلق من دعم وتشجيع الهويات الدينية والقبلية والطائفية. فالضجيج الذي طال قضيتي وحولها الي قضية رأي عام، بدأ عندما أثار تجار الدين واصحاب الاجندات الدينية والقبلية اللغط الكبير لمطالبة الحكومة الكويتية بسجني بعد مقابلتي وظهوري على قناة الجزيرة في برنامج الاتجاه المعاكس، وأثرت حينها مسألة الشريعة وتطبيق الشريعة الاسلامية للحدود بشكلها الواقعي لدى التيارات الإسلامية الراديكالية، بالإضافة الي بعض تغريداتي على منصة تويتر والتي تحدثت فيها عن مسألة خلق القرآن وفشل الشعوب العربية وتخلفهم بسبب ثقافتهم الموروثة، مما أثار حفيظة هؤلاء الذين يستندون على أصوات الغوغاء والدهماء من أجل الظفر بكراسي مجلس الأمة عن طريق الدفاع عن الدين والشريعة والنبي محمد. فهكذا يصل الأفاقون والجهلاء الي المناصب العليا في مجتمعاتنا الموبوءة بثقل التدين الشعبوي والثقافة القبلية والظلام التراثي الديني.

بعد مرور هذه السنة بكل احداثها المختلفة، مازلت أتذكر كيف تم رميي داخل سجون دولة الكويت، حيث قضيت اول عشرة أيام بدون نوم وطعام تماما (الغرف مضاءة بقوة ولا يتم اطفاء الأنوار ابدا، والطعام يتم رميه بأكياس غير محكمة الإغلاق، والأواني لا يمكن أن يأكل منها الإنسان)، كما أن غرفة السجن تتسع رسميا لعدد 15 سجين بالأكثر، ولكن العدد الحقيقي داخل الغرفة يتجاوز 45 سجين، مما اضطرني الي النوم على البلاط البارد وأمام باب الحمام لمدة عشر ايام مع ملابس رثة يتبادلها من يخرج من السجن ليلبسها من يدخل اليه، ولم يتم تسليمنا بطانيات جديدة بل تستلم بطانيات رثة مهترئة مشقوقة واحدة تحتك وأخرى فوقك حتى تستلم دورك ومكانك على سرير آخر بدون تبديل أو تنظيف أو بطانيات نظيفة. وعليك أيضا، حتى تكتمل الصورة في ذهنك عزيزي القارئ، أن تتوقع أن من ينام أمامك أو جنبك أو تحتك هو إما مشتبه بالقتل أو تاجر مخدرات أو متعاطي أو متهم بالنصب والسرقة أو مغتصب نساء أو متهم بالخيانة وكتابة شيكات بلا رصيد.

أمام هذا الواقع المزري، لم يكن يخطر في بالي الا سؤال واحد فقط. هل انتصر الإسلام فعلا حينما تم رميي في السجن، وهل من طالب وحكم ودعم وشجع على سجن من يكتب أو ينتقد، هو إنسان فعلا يحمل أمانة الحكم ومسؤولية العقل الواعي الناضج؟، أم انسان يحمل الحقد والكراهية والغضب لكل من يتعرض الي ثوابته الدينية او القبلية أو الطائفية، رغما عن أنها ثوابت علينا جميعا نقدها وتفكيكها، خصوصا بعد أن تحولت الي أداة وأدوات للتيارات الاسلامية في استخدامها للعنف والقتل والتفجير. علينا هنا أن نعلم بأنه لا يمكن الخلاص من التطرف والإرهاب الإسلامي الموجود ببطن الكتب الاسلامية والفتاوي الدينية والتراث الإسلامي، الا إذا استخدمنا مثل من سبقنا ومن عاش مثل عصورنا المظلمة، مناهج النقد والشك والسؤال والحفر الآركيولوجي للنصوص الدينية وكتب البخاري ومسلم وغيرهما للتوصل الي إسلام روحاني معتدل بعيد عن السياسة والقانون والتشريع. وإن لم نفعل ذلك فلن نصل ابدا الي بر الأمان، بل سوف نجني جيلا بعد جيل المئات من الدواعش والإرهابيين الذين يؤمنون تماما بأن الإسلام يدعوهم الي القتل والنحر للوصول الي اقامة دولة الخلافة العادلة.

هل انتصر الإسلام حقا بعد قتل ابن المقفع وصلب الحلاج وحبس المعري وحرق كتب ابن رشد وذبح الجعد بن درهم وتكفير ابن الفارض واغتيال فرج فودة ومشعل خان وعمر باطويل والعشرات غيرهم، من التاريخ الاسلامي القديم الي عصرنا الراهن؟.. هل الإسلام ينتصر بالسجن والنفي والتهجير والقتل والنحر وفتاوي قتل سلمان رشدي؟؟..أم ينتصر بالعمل والانتاج والابداع والتعايش مع الآخر المختلف واحترام الحريات الفردية ودعم حقوق الإنسان والمساواة والدولة العلمانية؟؟ .. نحن لم نرى الإسلام ينتصر في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، فغالبية مجتمعاتنا، إن لم يكن كلها، تعاني من الجهل والاستبداد والأمية والمرض والجوع والتخلف والصراعات الطائفية والحروب الأهلية والتأخر الحضاري والتراجع الأخلاقي، وتزايد نسب الفساد والتحرش الجنسي وضرب النساء، رغم وجود الإسلام كمصدر رئيسي للتشريع في الدساتير العربية، ورغم تزايد عدد المساجد والحسينيات ومراكز الفقه وحلقات التصوف وجمعيات تدريس التراث وحفظ القرآن وكليات الشريعة وفرض الحجاب والنقاب وفصل الرجال عن النساء، وحشر الإسلام وتعاليمه وكتبه وفتاويه في التعليم والمناهج والوزارات والقوانين والمستشفيات والشوارع وعقول الأطفال .. بل رأينا الإسلام منتصرا في الدول العلمانية ، بوجود المساجد في كل بلد، بوجود القوانين والتشريعات التي تحمي حق الاعتقاد والعبادة لكل دين على وجه الأرض، وبفوز المسلمين في مناصب قيادية عليا، وفي دفاع غير المسلمين عن المسلمين اذا ما تعرضوا الي اهانات أو اتهامات بالعنصرية.

هنا لا نستطيع أن نقول، سوى أن الإسلام لا يمكن أن ينتصر في مجتمعاتنا ولن ينتصر أبدا، لأن من يؤمن به ومن يعتنقه ومن يدافع عنه، هو في الغالب ليس مؤمنا بالحقيقة، بل قد ورث هذا الدين مثل غيره من خلال شهادة الميلاد أو العائلة والصدفة الجغرافية، فمنهم من استفاد منه في تشريع غاياته العنيفة وإرضاء نهمه وشبقه للجنس والمنصب والسلطة، ومنهم من جعله وسيلة لغايات شخصية كوجاهة مجتمعية وسرقة أموال التبرعات والنذور والصدقات والزكاة والخمس، ومنهم حقا من يؤمن به وهم القلة.

لقد صدق نيتشه فعلا حينما قال (وكأنه يخاطب العرب والمسلمين في هذا العصر): “يبدو قول الحقيقة بالنسبة للآخرين علامة على الشر، لأنهم يعتبرون الحفاظ على انصاف حقائقهم وأفكارهم الثابتة كواجب انساني، ولهذا يعتقدون أن كل شخص يربك لعبتهم الطفولية شريرا”.

لا تعليقات

اترك رد