صراع البيئة والتحضر في لغة السينما – الجزء الاول

 
الصدى - صراع البيئة والتحضر في السينما

بدأ الصراع بين الانسان وبيئته في اللحظة التي غضب فيها الله على آدم وأنزله الأرض عقاباً على معصيته أمره . . وما من بني آدم إلا أن يسعى لتأمين الحماية له ولزوجه حواء من هول وجبروت وقسوة الطبيعة فظهر ما يسمى بالصراع من أجل البقاء والبقاء للأصلح . وفي بداية الأمر حاول آدم جاهداً أن يدرء شبح الخطر المهيمن على حياته لجهلة طلاسم الطبيعة ولا يعرف كيف يسبر غوارها فحاول جاهداً ان يرضي ويهادن القوى المتحكمة في عناصرها فعبد النار والصاعقة والشمس والهواء والماء واستعان بالسحر والطواطم والتعاويذ لتأمين شرها .

وهكذا خاض الإنسان الجاهل بنظام الطبيعة تجربة مرة وعسيرة متحديا كل ظروفها القاسية من أعاصير ورياح وتضاريس بردها وحرها . وظل يكافح لتأمين الحماية لنفسه ضد عوامل البيئة المليئة بالمخاطر فهو في صراع لا يلين ضد كل الكائنات الفتاكة التي تروم النيل منه وافتراسه، وظل يحمي نفسه من ثورات الطبيعة وتقلباتها الحادة والقاسية من براكين وفيضانات وزلازل وحرارة وبرودة قاسية تصل حد التجلد، وحصن بعدها نفسه وأمن الحماية من مخاطرها وتهديداتها بالسعي لامتلاك تكنولوجيا تستطيع أن تؤمن له حياة آمنة ضد غضب الطبيعة ونزقها وسلوكها الغير عقلاني .. متجاهلاً أن التكنولوجيا هي سيف ذو حدين فهي بقدر ما تحمل سر بقاءه تحمل سر السعي الى حتفه . وهكذا أمضى الإنسان نصف تاريخه على الأرض يحمي نفسه من أهوال الطبيعة ومضى النصف الاخر يحمى البيئة من آثار نشاطه الزراعي والصناعي المدمر, وأصبحت البيئة هي من تعاني تهديد الأنسان ونشاطه المفعم بالمخاطر عليها . . وهذا أمراً يتطلب مرة اخرى عقد صلح بين البيئة والإنسان وتحقيق التوازن الطبيعي بينه وبين بيئته التي أفسدها بنشاطه .

ومنذ البدء أخذت السينما التسجيلية على عاتقها نقل الصراع البيئي الى السينما وعلى يد الشاعر والمخرج السينمائي روبرت فلاهرتي التي كانت أفلامه عمليه استكشاف واستطلاع وسبر غور الطبيعة لنقل واقع الصراع بين الإنسان وبيئته .

الصدى - فيلم نانوك
فيلم نانوك رجل الشمال

فكان فيلم نانوك رجل الشمال واحداً من أهم أفلام البيئة الذي يتحدث عن شعب الاسكا في شمال غرب كندا ويصور حياتهم اليومية في الصراع من أجل البقاء وذلك عام (1920) حيث يعتاشون على صيد الأسماك والحيتان المورد والمصدر الرئيسي للعيش في الاسكيمو . . كما يستعرض طرق العيش في تلك الاصقاع حيث السكن في أكواخ ثلجية والمشقات والصعوبات التي يعانون منها للبقاء أحياء . . وحرص المخرج أن تكون حياة الاسكيمو واضحة المعالم أمام كل العالم وكفاح شعب الاسكا في البقاء حياً في ظل شظف العيش وقسوة الطبيعة وشحة وسائل العيش .

وتعد دراما فلاهرتي كما يعنيها الناقد محمد عبيد دراما الزمن المتجدد, ودراما المواسم والفصول المتغيرة على مدار السنة التي تتصاعد في أثناء الصراع الذي يخوضه البشر من أجل العيش تارة, أو من أجل منح حياتهم الجماعية صيغاً تجعلها قابلة للاحتمال تارة أخرى, أو بعملية المجابهة والدفاع عن انتمائهم للطبيعة, وتمسكهم بتقاليد وعادات القبيلة التي ينتمون إليها وتمتاز أعمال فلاهرتي على العموم بفن الإيقاع المتوازن والربط الموفق بين عناصر الوجود الحية والجامدة وسط الطبيعة برؤية شاعرية واقعية.

كما سجل فلاهرتي _ حياة قبائل (ساموا) التي تسكن جزر المحيط الهادي في فيلم موانا Moana عام (1926) وهي سمفونية للطبيعة ولطقوسها وللحياة ولجمال بحار الجنوب.

ومن أخطر أفلام التصادم الحضاري الذي تناوله فلاهرتي هو فيلم (لويزيانا) عام (1948) الذي يصور الحياة الطبيعية في مناطق لويزيانا وتدميرها بحثاً عن البترول ويحكي الفيلم صراعاً عنيفاً بين صبي أبن الطبيعة من قبيلة (نكاجون) البدائية, يسانده أحد عمال حفر آبار البترول, وبين أبراج النفط, التي أقيمت أثر تدمير البيئة الطبيعية هناك. تدور أحداث هذا الفيلم في مناطق ولاية لويزيانا الجنوبية الأمريكية المملؤة بالمسطحات المائية التي تجعلها أشبه بفردوس أرض حقيقي.. حيث جماعات تمارس عملها اليومي الروتيني بهدوء ودعة. ومن بين أبناؤها الفتى نابوليون اوليس لانور يمضي أيامه وهو يمخر بزورقه الصغير فوق سطح المياه مخترق هدوء الطبيعة متجولاً بين مكان وآخر, وسط حقول القصب والبردي وطيور المستنقعات وسط كنف الطبيعة الودود . وذات يوم يستيقظ على صوت الانفجارات المدوية التي تكسر هدوء وسكون الطبيعة ومياهها وحقولها فيرى كائنات عملاقة وحيوانات معدنية تسير بسرعة مدهشة إنها حفارات البترول العملاقة في رفقة من العمال والآليات والمستكشفين لسبر أغوار الأرض بحثاً عن البترول واستخدامه الذي يعد اكبر ملوثات الطبيعة على الأطلاق. . وليس هناك مفر أمام نابليون أبن الطبيعة البريئة سوى أن يخضع لواقع الحال ويبدأ بالتعايش والتآلف وينسجم مع هؤلاء الجيران الجدد . وهنا نبدأ مرحلة التحول لنابليون الذي يترك جولاته اليومية وعمله الروتيني بما يتسم من أخطار. وينجرف بعمله الجديد مع المستعمرين الجدد .

الصدى - فيلم لويزانا
فيلم لويزانا

وبعد أن أنجزت الشركة عملها كان عليها أن تغادر لتبقي نابليون وحده حزين بعد العلاقة الحميمة التي أقامها العمال معه.. أن هذا الحزن لا يمنع نابليون أن يتكئ بسعادة الى شجرة عيد ميلاد وهو ما يطلق على رأس البئر النفطي.

وندرك في النهاية أن فلاهرتي أراد أن يقول من خلال مشهده المدهش هذا أن التقدم الحاصل بات متآلفاً بدوره مع الطبيعة التي يبدو لنا من خلال المشهد إنها تقبل على الرحب والسعة , فكرة سيطرة الإنسان عليها. . لما فيه خير إخوانه في البشرية . ولما فيه ثرواتهم الضخمة المقبلة. . وهذه فكرة جديدة حيث يؤكد فلاهرتي على إمكانية تضييق فجوة التصادم الحضاري وخلق أجواء من التفاهم المجتمعي والإنساني والطبيعي وعناصر الحضارة متمثلة بالتكنولوجيا وفلسفة رأس المال والهاجس المادي الميكافيلي بالتعامل مع الآخر.

جاء فيلمه الثاني موانا (1926) ليعلن تصالح الأنسان مع الطبيعة أن (آلهتهم كلها طيبة كريمة والطعام متوفر لديهم والمواد الأولية اللازمة لملابسهم واكواخهم موجودة على كل شجرة من اشجارهم) سافر بعد ذلك الى إيرلندا وصور فيها حياة صيادي سمك القرش وشجاعتهم في مواجهة مصاعب الحياة من اجل الحصول على أرزاقهم. فهم ليسوا بحاجة لمحاربة البيئة أنهم على وئام معها تحتضنهم ويقدسونها.

لقد كان موضوع البيئة مثار جدل وبحث وتقصي وثروة موضوعية انهلت منها السينما موضوعات غنية مؤثرة على مدى عقود وهذه المرة على مستوى الفيلم ومن أوائل الأفلام التي تناولت نشأة الإنسان بين أحضان الطبيعة فيلم طرزان ففكره الطباع يغلب التطبع هي لادغار رايس بورون في رواية (طرزان القردة) الشخصية الخيالية وذلك عام (1912) وتم أنتاج حوالي (88) فيلماً من الرواية ذاتها أو تناصاً منها وحسب رواية (طرزان القردة) فأن طرزان واسمه الحقيقي هو جون كلايتون هو أبن أحد النبلاء البريطانيين, وكان والده على متن سفينة بالقرب من سواحل أفريقيا, وقد ثار البحارة على قبطان تلك السفينة واندلعت أعمال شغب وفوضى انتهت بانجراف وأستقرار السفينة على الساحل الأفريقي وبعدها يموت والدا جون كلايتون وهو رضيع . ويقوم قرد ضخم الحجم من نوع ما نجاني برعايته وعندما يبلغ طرزان مرحلة الشباب يقع في حب فتاة أمريكية أسمها جين والتي تمثل التحضر حيث عاشت في كنف الحضارة الأمريكية. . وعندما تغادر جين الجزيرة يقوم طرزان بالبحث عنها وينتهي البحث بنهاية سعيدة بزواج طرزان من جين ويرزقان بأبن أسمه كوراك بعيداً عن ازدواجية ونفاق المدينة . وهنا ينقلنا الكاتب الى مفهوم صدام الحضارات حيث ينتقل طرزان من كف المجتمع البدائي الى فسحة المجتمع المتحضر فيفقد توازنه وانسجامه مع محيطه. أما جين بانتقالها الى الجزيرة هي الأخرى تصطدم بالبدائية والعفوية والصدق والطبيعية فلا يمكن لها أن تنسجم مع روح الطبيعة وأدواتها. . ولكنها وجدت نفسها أخيراً تعود الى الطبيعة بحساب الربح والخسارة. ووجدت حلاً توفيقياً قي العيش بسعادة في الغابة حيث يقيم بيت على الشجرة الخاصة بوالديه اللذان شيدها قبل وفاتهما وهذا البيت هو ليس نتاج عقلية طرزان البدائية وإنما نتاج عقلية وتجربة تفكير عقلاني حضاري متطورة وحاولت هذه الشخصية أن تكيف البيئة لصالحها. . وجدت نوع من التوازن لكي تستطيع العيش في هذه البيئة الغريبة عن توجهاتها وأهدافها وطبائعها. .

وطرزان يشبه كثيراً شخصية أنكيدو في الملحمة السومرية كلكامش حيث سعت البغي الى تحضير أنكيدو وانتشاله من رحم الطبيعة الى المدينة والتمدن .

ورواية طرزان متأثرة كثيراً برواية حي بن يقضان لأبن طفيل ولكن هذه الرواية أعمق فلسفياً تغور في البنية التطورية للإنسان البدائي الذي يعيش في كنف الطبيعة في كهوفها وغاباتها والذي يراقب ويشاهد ويكشف ويحاكي ويتعلم عبر جميع عناصرها. . كذلك رواية فيلم روبنسن كروزو للكاتب دانيال ديفو وهي سيرة ذاتية تخيلية تحكي قصة شاب أنعزل في جزيرة نائية معزولة وكان وحيداً لمدة طويلة دون أن يقابل أحد من البشر. ثم بعد عدة سنوات يقابل أحد المتوحشين وعلمه بعض ما وصل إليه الإنسان المتحضر من تقدم فكري وهنا مقاربة كبيرة بين شخصية درزوأ وزولا الإنسان البدائي الفطري وهذه الشخصية المتوحشة وكذلك بين الكشاف النقيب يوري سولومين الإنسان المتحضر وروبنسون كروزو فكروسو هو نتاج حضاري عاش ليترك بصماته على حياة الغاب وعالم الطبيعة كما هو يوري سلولومين في درسو اوزولا.

الصدى - فيلم طرزان
وفي نهاية القصة يعود روبنسون كروزو ومعه خادمه الى أوربا حيث العالم المتحضر وهذه القصة تعني الى أن للكثيرين حلم الانعزال عن هذا العالم والحياة في ظل الطبيعة الرحيمة بالنسبة لهذا العالم كما تظهر مدى التحضر الذي توصلت إلية الأمم الأوربية .

هنا يخضعنا الكاتب الى فكرة التصادم الحضاري حيث يقدم روبنسو ببدائية وتخلف المجتمع البدوي في مجاهل هذه الجزيرة ويصطدم الخادم البدائي بالحضارة عندما ينتقل الى أوربا وهنا أراد الكاتب أن يجسد هذا التصادم ويكشف عن تداعياته وسلبياته وافرازاته لكلا الحالتين. . تماماً كما فعل يوري عندما نقل أوزولا الى المدينة حيث رفضها درسو وطالبه بإرجاعه الى رحم الطبيعة حيث الصفاء والنقاء.

فهو حاول هنا أن ينقل ماهية الإنسان من الماهية العاملة الى الماهية المالكة. بالمدلول الاقتصادي والمادي للتملك. أذ تعد مقولة الإنسان كائن اقتصادي مرتكزاً نظرياً اساسياً للنمط الثقافي الحداثوي بدءاً من لحظة استوائه في نمط الاجتماع الرأسمالي .

أي أسلوب في العيش وأسلوب في التفكير على حدٍ سواء وكروزو كان مادياً تماماً مثل يوري حيث شغل جلّ وجوده بصناعة طاولة خشب والأكل والنوم أي انحسرت كل هواجسه وتطلعاته بالأهتمام بعالم المادة فقط بينما أهتم حي بن يقضان وطرزان ودرسو بعالم الحس حيث النظرة الكيفية، عكس يوري وروبنسن الناظرين الى الأشياء بنظرة تحليلية كمية. . حيث يؤول الى كونه مجرد حيوان اقتصادي وهو ملمحاً من ملامح النمط المجتمعي الصناعي وهو مجرد من محددات نمط التفكير الغربي ككل كما يقول (مالك بن نبي).

وهنا تشابه درسو مع حي بن يقضان في أنهما كلاهما أكتشفى بمحض فطرتهما وصدق طويتهما العلاقة بين العلة والمعلول والفاعل والمفعول بين الوجود وواجب الوجود .

وحي بن يقضان يفهم كل شركائه في الغاب ومشاعرهم وحاجاتهم وتعاملهم مع الطبيعة فهو يعرف جميع اصوات الحيوانات المعبرة عن نقل الانفعالات مثل الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع كذلك درسوأ وزولا يشارك الحيواني والطبيعي في تبادل المفاهيم ويفهم سلوكيات الحيوان فعندما يحاول العصفور أن يفر، أثناء نزول المطر فهو ينبه بانقطاعه.. ويعرف النمور والأسود وسلوكها أزاء الآخرين .

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)). وتعبر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليه اكتسابه فصاحب الخير أذا سبقت الى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بعد عن الشر وصعب عليه طريقة وكذا صاحب الشر . . هذه فكرة قصة طرزان وحي بن يقضان وهذه هي بالذات فكرة درسوأ وزولا فقد خلقتهم حاضنة الغابة بكل تفاعلاتها وليس من السهل أن يقوم الكشاف بعملية التغيير بعملية قيصرية .

يتبع…

لا تعليقات

اترك رد