جلال دادا والأثر المقدس

 

لا تنسى و أنت في الطريق إلى أعمال جلال دادا ( 1971 ) أن تكون في كامل صحوتك ، فعالمه لا يقبل التهاون و لا الترهل ، أن تتسلح بروحانية الشرق حتى تستطيع أن تتجاوز قساوة تعبيريته ، أن تتوقع كل شيء ، فالمفاجأة لا بد أن تداهمك ، أو تكون طفلاً على أقل تقدير حينها قد تتلاشى إرتعاشات مكتشفاته أمامك ، قد تتشظى السهول و التلال الحارقة من بين أجساده ، هنا في الوعي و في اللاوعي لا بد أن تغلي التنبؤات ، و على نحو أكثر تلك النبوءة التي تحوم في دائرة الحريق ، الحريق الذي يلف شخوص دادا على إمتداد العشق ، العشق الذي جعل دادا مفتوناً بتفاصيل الجسد

فخطابه مضاد للموت ، يحطم النوافذ المطلة على صراخ عاشقة تأبى الرحيل ، فالحكم بالحريق غير قابل للفهم إلا لمن واكب وهجه ، و لفحته سعيره ، هنا فقط سيظهر له الأثر المقدس متجاهلاً كل التساؤلات حوله في محاولة منه توكيد الإنسجام بين الحشود الكبيرة في خضم الجسد و حريقه ، و الغريب في الأمر أن دادا و دون مزايدات يعتصم وفاء و إخلاصاً كصفتين تشعان من إنفعالاته المنثورة في الحريق ذاته ، و خلف وقائع الحياة غير المرئية بين مفردات الجسد يغرق دادا على نحو غير معتاد في مطارحات بصرية تتسم بالسخط حيناً و بمشاعر تائهة في أكثر الأحيان ، فالمؤثرات الحسية تطغى على مشهده الجمالي/ الإبداعي ، وبإيقاع يكتنفه الإنكسار ، و مرارة التجربة ،و في ظل إستباحة الأقاليم كلها ، أقصد إستباحة أقاليم الجسد ، يشيد دادا مملكته بإيجاد دعم إيجابي لها ، و إن كانت الحالة بائسة و ترثى لها ، فيزيد من كثافة اللون و المشوي منه على نحو أكثر ، و يقوي علاقته مع الضوء حتى باتا يخضان في حوض واحد ، و كأن الشتات الزمني غيرت الموازين بينهما رأساً على عقب ، حتى بات دادا يتشدق لضفافهما و كأنه في عصمة أمر ما .

إن دادا و برغم ما حدث من تقلبات و لا إستقرار ، و برغبة قوية منه مع لزوم نفسه بالإحتفاظ بثمرة طيبة ، و بشعور عميق ، و حماس متدفق ، و بنغمة ذات تقاليد فنية يتحرر من خرافات ساذجة و يضع ريشته على الجرح و أصوله ، فيدخل ملكوت الجسد ، هذا الجسد الذي بات أشبه بثياب بالية للروح حسب تعبير مالفا ، يدخله من أجل خلاصها من تلك الفتوحات التي لم تكن عادلة ، فيمزج من مختلف العناصر حتى ينبثق خلطته الفنية الخصبة بمعايير جمالية مأخوذة من معايير شرقية خاضعة لحركات أساسية تبدو غريبة للوهلة الأولى ، و لكن سرعان ماتتضج ، فتغلغل الأثر المتهم بالهوس و الجنون إلى مفاصل الرغبة قد فجر لديه طاقة مذهلة في تخصيب اللون ، و تدوير الشكل و كأنه يتمثل أكثر من إتجاه ، حتى يمحو بضوئه ظلمة المساحات المسلوبة و المشلولة .

و الواقع أن دادا يجنح نحو أصول فنية غير مقررة ، و ينتقل في أرجائها جميعاً ، حتى يبلغ التنوع داخل نطاقاته ، و يلقن بأسلوب بالغ التأكيد ، يرافقه دقة الشكل ، و دكنة اللون و إنسجامه ، و جمال الأداء ، و هذا يتماشى مع تحرره من فكرة الخوف و إن كان القلق ملازماً له و حاضراً بقوة في لحظات الإنتاج كله ، و هذا مرده إرتفاع درجة إدراكه ، الدرجة التي ستخلصه من ضغط الدوافع المختلفة و تأثيراتها ، و من مخلفات الموروثات العالقة بعمق ما كان سيحدث ، فالقضية هنا عند دادا في منتهى الدقة و الأهمية ، فكلما تريث دادا في ضبط شروط التجريب عنده كلما تسنى له الوقت بإيجاد سبل و وسائل كفيلة نحو شكل ما من الموازنة بين مقولاته و ألوانه التي يكتنفها بعض التوتر القادم أصلاً من توتره هو ، مع التوكيد على تدفق الإحساس بالغزارة في لحظة صياغة العمل و السير إلى إنجازه ، بالإعتماد على التوافق الإيجابي بين لمساته المشدودة إلى الجسد بإيقاعه العاطفي و الإنفعالي و بين يقظة تطلعاته المتحررة من الزمن

فبإنسيابية حارة تنهال ألوانه من بين أصابعه فوق بياض اللوحة ، فتثير إرهاصات ، و هواجس كثيرة ، حاملة عشقه الكردي الطافح بالمعاناة ، القادم من صراعات مكتظة بالتلوث والغبار ، فيتوجب عليه الإقتراب من مفاصل الجسد حيث ينتمي كي يخفف النزيف من داخله طالما ليس بمقدوره إيقافه ، فهو لازال يهرب من الذات الذي لم يعد يملكه ، و بهدوء ينسل بين ألوانه متأملاً حركتها و هي تخط ملامحه و دموعه على بياض اللوحة ، و تنثر فيه رشقات من اللهيب الأليف وصولاً للغة الجسد، لغة لم يألفها أحد ، لغة تتلاشى في الغياب و بين أعشاش مهاجرة ، لغة وحدهم الفنانون و العشاق يدركون تفاصيلها من ألفها ليائها ، ويدركون قاموسها بكل مفرداته ، لغة بها تسرد حكايات تحمل من الحريق ما يكفي أن يكون السارد ملاكاً ، و الحكاية أسطورة عشق .

لا تعليقات

اترك رد