المشاهد عايز كده

 

سوق وتسويق وتجارة، بيع وشراء، مال يُضخ،يُسلب بذكاء،وأحلام الثراء تطارد الجميع،استعدادت شبه فطرية لبيع كل شيء،وتحديد سعر لكل شيء، إنها هستيريا المنافسة.

لا قيمة لعلاقة لا ترفع أرصدة الجشع في حساباتهم، وكذلك لاجدوى من مشاعر صادقة تسيطر على مسارات الروح،ما هو رصيدك وماذا تملك ؟ أهم الأسئلة التي أجوبتها تحدد قيمتك في المجتمع،في مقابل ذلك ،نسمع عن محاربة الفساد وإعادة العدالة بين الناس، القضاء على الفقر والتخلص من كل ما يُشير الى الظلم الإجتماعي،مهمة يتبناها كثر من العاملين في مجال الإعلام، كل ذلك يحدث أمامنا ويعرض على شاشاتنا في عمليتين متناقضتين ترويج للمال وسيطرته عبر اعلانات تسوق له، وبرامج اجتماعية تلقي الضوء على حالات اجتماعية مزرية ،هذا ما اتجه اليه معظم الإعلاميين العرب على الشاشات الفضائية الخاصة.

“المشاهدعايز كده ” جملة يرددها معظم الإعلاميين ومعظم الفنانيين،وكل من يعمل في التسويق والإعلانات والفن والإنتاج .

الربح حق مشروع، لكن تدمير الذوق العام وتغيير المفاهيم الإنسانية والعبث بفكر الشباب وتحريك الرأي العام مسؤولية أخلاقية كبيرة، لها أبعاد ونتائج تؤثر على المجتمع بشكل مباشر، ولكن هذا كله غير مهم “المشاهد عايز كدة ” حجة من لا حجة له وغاية من لا غاية له .

المسلسلات التي ستدخل بيوتنا في رمضان المقبل ،والتي كانت تحمل رسالة انسانية في قالب درامي مسلي ومؤثر،سابقا تحولت الى بهرجة انتاجية لا تركز على قيمة النص أو المضمون الفكري الذي يعمل الفريق على زرعه بوجدان المشاهد، بل عملية ابهار بصري غايتهاالسيطرة على المشاهد من خلال صورة البطلة الحسناء، لذلك ظهرت بالفترة الأخيرة في لبنان ظاهرة النجمات القادمات من عالم الجمال والهدف هواستعراض ملابسها المثيرة ومياعتها المبالغ بها ،التي تثير الجدل،طبعا لا يمكن تجاهل ان معظم هذه المسلسلات لا تملك حبكة درامية مهمة، بل مشاهد مركبة مشغولة لرفع”تراند” المشاهدة،بلا مضمون يذكر،اضافة الى اطالة الحلقات لمنافسة المسلسلات التركية التي هي حكاية أخرى، كونها من وجهة نظري غزو درامي وفكري يترك في ذهن المشاهد العربي المسلم صورة عن الإسلام العلماني السائد في تركيا، خاصة أننا نغفل ان الدراما هي صورة السياسة في خط الإعلام والإعلان والإنتاج .

اما في مصر طبعا (المشاهد عايز كدة) تلقى رواجا هائلا، لأن سوق المنافسات في الدراما شهد بالفترة الأخيرة منافسات قوية هددت حضور الدراما المصرية، وأقصد بها الدراما التركية والخليجية والسورية واللبنانية،حيث لم يعد السوق المصري يتحكم في ذوق المشاهد العربي، بعد ظهور كميات كبيرة من المسلسلات التي سلبت نسب المشاهدة وبالطبع شاهدنا في السنوات العشر الأخيرة، القتال المستميت الذي كنا نتابعه في شهر رمضان الكريم ،وبما أننا على مسافة قصيرة من هذا الشهر الفضيل نجد ان الجميع يتحدث عن هدؤ جبهة المنافسة وتقليص نسبة المسلسلات التي تم انتاجها لتعرض في هذا الشهر الكريم لكن هذا لا يبدو حقيقيا لأن عشرات المسلسلات ستعرض في الموسم الرمضاني القادم، رغم خروج أسماء كبيرة من سوق المنافسة ،مثل الزعيم “عادل امام” و”يحي الفخراني” وأسماء أخرى مهمة ويبدو أن الإتجاه الىسيطرة المسلسلات الكوميدية على خط الإنتاج لهذا العام.

المشاهد العربي على موعد سنوي ليدخل دائرة السيطرة الرمضانية على حواسه وذائقته واستهلاك وقته، حيث الغاية الأهم الإعلانات الترويجية التي ستنهال علينا وتقطع متعة المشاهدة بعرضها لقد سقطت معادلة الفن النوعي والإستثمار المربح وتم تكريس فكرة (المشاهد عايز كده).

لا تعليقات

اترك رد