الهارمونيكا


 

هذه القصة ليست خرافة لسببين على الأقل،الأول أنها جرت في زمن كانت الخرافات قد إنقرضت من الكون تماما كما انقرضت أنواع الديناصورات من هذه الأرض التي توشك أن تكف عن الدوران. السبب الثاني أن أبطال القصة من لحم ودم. وفي الحقيقة فإن البطلة الرئيسية ليست لا من لحم ولا من دم، بل من نحاس أصفر إنها: الهارمونيكا.
قبل ست وعشرين سنة من الآن ، بالتحديد الدقيق سنة 1993 كان الشاب سيفاو الذي ولد ذات ليلة في إحدى المدن الصغيرة، غير بعيد عن الرباط عاصمة المغرب، قد تخرج من الجامعة ثم بعدها تخرج من مدرسة تكوين المعلمين. عينته الدولة معلما في إحدى المدارس النائية جدا.. يا إلهي ماكان اسمها؟ آه : مدرسة تاناغوت.
عاش المعلم سيفاو صاحب الوزرة البيضاء والنظارات الطبية السميكة في القرية النائية وحيدا تقريبا،ينام على الطاولات الخشبية في نفس القسم الذي يعطي فيه دروسا للتلاميذ. أغلب الظن أنه لاينام ليلا سوى ست ساعات تقريبا.فقد شاء القدر أن يكون معلما لأبناء قرية تاناغوت المصابة بمرض يدعى “متلازمة داون” وهو تخلف ذهني وراثي يسكن منذ القدم بين الناس ويتوسع كالوباء بين الأطفال هناك.
عاش سيفاو حزينا للغاية،فنتائج الامتحانات غالبا ماتكون كارثية. مما يجعله عرضة لانتقادات المدير والمفتش والنائب على حد سواء. لكن لم يكن يعير اهتماما زائدا لذلك ، فالمدير مثلا لا علاقة له إطلاقا بعالم التربية. فقد كان همه الوحيد هو سرقة التمر والزيت والفاصوليا وعلب السردين من المطعم المدرسي. كان المعلم ورغم الظروف الصعبة قد أقسم أن يهزم “متلازمة داون”الخبيثة في عقر دارها.
لكن غالبا ماكان يقول في نفسه ما يلي:
” لست فاشلا، أنا جد متيقن من هذا.. المدير والمفتش لا يعرفان “جون داون “، ألم يسألني المدير هذا اليوم عن المستوى الذي يدرس فيه داون ضانا ها..ها..ها..أنه أحد تلامذتي؟ ربما هو الآخر مصاب بنفس المتلازمة الخبيثة. المفتش نفسه كان يجيب بنعم ولا لنفس السؤال؟كيف؟ كلهم فاشلون ..كلهم..كلهم بدون استثناء تقريبا.. مصابون بمتلازمة السيد داون..(يضحك في نشوة حزينة) . على الأقل لست الفاشل الوحيد في هذا البلد. فالدولة هي الأخرى فاشلة نعم فاشلة ..منذ الاستقلال وهي تبحث عن حل لهذه الأزمة ولم تجدشيءا. ترصد ميزانيات ضخمة فيسرقها الوزراء ومساعدوهم. تستورد نظريات من كندا فتفشل مع أول خطوة لتطبيقها..هييه..هييه(يضحك ويبكي في نفس الوقت)..”.
كان كلما سافر يعرج على كبرى المكتبات، فيختار كتب علم التربية الخاصة ثم يعود إلى القرية . البحث في الكتب لم يأتي بجديد. النتائج ظلت كارثية بل تزداد سوءا من امتحان إلى امتحان ومن سنة لأخرى . لذلك سقط المعلم سيفاو بعد خمس سنوات بالتمام في حالة اكتئاب من العيار الخطير إلى أن ظهرت الهارمونيكا.
قبل أسبوعين فقط وعد التلاميذ بمكافأة مالية لمن يستطيع إيجاد أربع أجوبة صحيحة من أصل عشرة أسئلة كتبها بقلب غير واثق على السبورة البيضاء الجديدة. ولو أنه لايحب هذا الأسلوب من التحفيز الذي لا تعتمده لحد الساعة سوى اثنان : الوزارة الوصية على مشاريع الإصلاح التعليمي والقتلة المأجورين في أفلام رعاة البقر. لكن ما العمل ، عليه أن يجرب أي شيء وكل شيء . ناول ورقة مالية خضراء لأحدهم :نعم لقد نجح في الأجوبة الأربع من أصل عشرة. واليوم لا يدري لماذا يسأل نفس التلميذ:
ـ ماذا فعلت بالفلوس يا بيهي؟
أجاب التلميذ بعد أن خرج من الطاولة الخشبية الطويلة مثل بيكاب. الطاولة التي تكاد تفترس قامته الصغيرة، استوى واقفا في الممر بين الصفوف:
ـ لقد اشتريت هذه يا أستاذ من بائع البازار.
أخرج بيهي آلة نحاسية صفراء ورفعها عاليا عاليا في وجه المعلم سيفاو ، هنا بالضبط صاح معظم التلاميذ
ـ الهارمونيكا..الهارمونيكا..الهارمونيكا.
ثم سمعوا خبطة خفيفة على المكتب وهي إشارة الانضباط التي يتعلمها التلاميذ مرتين في حياتهم : مرة في المدرسة ومرة بالمطرقة الخشبية القصيرة في جلسات المحاكمات الصورية عندما يصبحون رجال الغد بالطبع. تسلم سيفاو الآلة. تفحصها. عدا الغبار و الصدأ الذي يعلوها والثقل الزائد بعض الشيء فهي مجرد آلة قديمة عادية. لا، بالعكس هناك شيء مكتوب هنا تحت الغبار..مسح بممسحة الإسبونج (هي غالبا ما يصل إلى المدرسة من كل الميزانيات المخصصة للتجهيز والمقدرة بالملايير على حد قول البرلماني في التلفزة) ثم مسح بأكمام الوزرة البيضاء و شرع يتلو الجملة بصوت متقطع: ” الأميرة ذات القرن الذهبي”.
بعدها شعر كما لو أن تيارا كهربائيا يسري في هذه الآلة الصغيرة. لكنه لم يهتم بل ابتسم وبدأ في النفخ . فكر أنه لم يسبق أن وضع هارمونيكا في فمه طوال حياته. لكن الغريب هو هذا اللحن السحري المنسجم والذي يكاد يرفع القسم كاملا إلى عالم خيالي. شعر بموجة من الشك فنزع الآلة من فمه ورمى بها في رعب على الطاولة. هنا بالضبط جرى ما لم يكن بالحسبان: الموسيقى لا تنقطع ..الهارمونيكا لازالت ترسل نفس اللحن وهي مرمية وحيدة على المكتب. ضحك التلاميذ كثيرا ثم سمعوا إشارة الانضباط. بعدها صاح سيفاو:
ـ لنعد إلى الدرس.
منذ هذا اليوم لاحظ المعلم حيوية خارقة داخل القسم وحركية وتجاوبا عاليا مع الدروس. لقد انقلب كل شيء على عقبه وأصبحت علامات التفوق تتقاطر على دفاتر التمارين وأوراق تحرير الامتحانات بالقلم الأحمر طبعا(سيف ديمقليس كما يسميه المعلمون ) . ورغم موجات الشك والتردد التي تأخذه بين لحظة وأخرى فقد شرع يعزف الألحان ـ لنقل أن الهارموننيكا تعزف من تلقاء ذاتها ـ في بداية كل حصة أو في بداية كل مادة. فاستمرت النقط والعلامات الجيدة تشتي في القسم.
ـ الآن هزمت “متلازمة داون” أيتها الأميرة صاحبة القرن الذهبي. (كان يردد سيفاو بصوت مسموع والتلاميذ يواصلون الحصاد الوفير).
حدث ذات يوم أن سافر المعلم ونسي أن يحمل الهارمونيكا معه. لقد غاب عن تاناغوت لمدة ثلاثة أيام. طبعا لكي يصل إلى مسقط رأسه في المدية التي تقع في مقدمة سلسلة جبال الأطلس المتوسط. مرت الأيام والليالي ببطء قاتل قبل أن يستقل من جديد القطار نحو مدينة مراكش ثم حافلة ساطاس نحو مدينة إيمي نتانوت ومنها يركب سفينة نوح : شاحنة فورد حمراء التي تحمل كل شيء على ظهرها. المعلمون والماعز، المرضى والممرضون، قارورات ” البوتاغاز” وأكياس البارود، المجانين والعرائس، شيوخ الزاوية والخارجون توا من السجن.. كان سيفاو شارد الذهن فقلبه كل قلبه قد سرقته الهارمونيكا التي نسيها تحت الوسادة فوق طاولات القسم حيث ينام ليلا.
حين دلف إلى القسم لم يجد أثرا للآلة النحاسية العجيبة إنما وجد رسالة موضوعة بعناية تامة على المكتب الذي يقبع وحيدا في زاوية القاعة:
عزيزي سيفاو
لم أنتظر أن تملأني بكل هذا الحب طيلة الوقت الذي قضيناه معا. وإن كنت لا تراني فأنا أراك. تعلقت بك كثيرا..أراقبك ليل نهار..الأشعار التي غنيتها طيلة هذه المدة كانت خلاصة حياتي. يروق لي الحب الذي ينمو بينك وبين الصغار..من أجلهم عصفت بالظلام الذي يسكن القرية منذ سنين طويلة. أنت الآن قد هزمت ” متلازمة السيد داون” بالتأكيد .
أنا الآن في طريقي للقاء إخوتي الربات الثمانية.. أكيد تعرفهن: ربات (الفلك..الشعر..التاريخ..الغناء..الترانيم المقدسة..التراجيديا..الرقص..الكوميديا). فقبلاتي الذهبية.
الإمضاء : كاليوبي
الربة صاحبة القرن الذهبي.

المقال السابق” سلطانات الرمل “
المقال التالىأينما زرعك الله … أزهر !!!
الحبيب اعزيزي..شاعر وقاص مغربي.. أستاذ التعليم الإبتدائي. التحصيل العلمي: ــ باكالوريا في الأدب العصري1987. ــ الإجازة في الأدب العربي وبحث في الأدب العجائبي بجامعة ابن طفيل مدينة القنيطرة عام 1991. ــ دبلوم مركز تكوين أساتذة التعليم الإبتدائي بالخميسات عام 1993. الإنشغالات الأدبية وا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد