المنظور الروحاني 3-2

 

مختصر القول فإن الصفة المميزة للمتدين هي نوع من الحماس الإرسالى. إنه الممثل الحالم, الناقد البناء, القائد الأخلاقي والخالق لثروة من السلوكيات. إنه يقدم أشكال من الخلق يعتقد بكل اتزان وإخلاص أنها في صالح البشر.

إن المنحة والفرصة العظيمتان للدين هما أن تجعلا أشكال الحياة الرغده مرغوبة وفعالة لحشود الناس حتى تنتشر بذلك هذه المثاليات تدريجيا في أنحاء العالم وأرجاءه.

سأحاول فيما تبقي من هذا المقال أن أصف بعض المواقف والأشكال للحياة التي تبدو مستحقة للأخذ بها على نطاق عامة. حين أقترح أشكال أوصي بها الرسل البهائيون سأنعم بتعزيزهم لما أختاره.

لقد أشير مسبقا إلي أنه من خلال أوجه نظر أفراد من الناس يحدث أن ينفذ منها عناصر فكر مشترك كمثل اللون والشكل لأقواس القزح. إن العامل المشترك يتشكل من هذه الأعجوبة المحيرة التي تسمي فكرة أو مفهوم وإذا تسائلنا كيف يمكن للناس أن يتعرفوا على الأفكار والحقائق العامة فإن الفلسفة النقدية تضطرني لأن أجاوب بالقول بأنه هبة من فكر سام أوحد. إنني لا أجد مصدراَ صالحا لتجسد الحقيقة العامة ويعرفه الناس غير الحكمة الإلهية التي تظهر للإنسانية في أشكال متباينة. إن الإيقان بهذه الحقيقة هو في الواقع أساس البصيرة الفلسفية الدينية أي أن تنفذ الرؤيا غير الأشياء لتصل إلى الله. هذه الإحاطة بما هو ألهي هي التي أطلق عليها مبهجا لفظ الوعي الكوني.

إن الكتابات البهائية مليئة بالأمثلة والمجازات المثيرة التي يحاول بها الرسل الشعراء أن يحددوا خاصية هذا الكيان الأسمى وهذه مختارات قليلة من احسن هذه تشبيهات: إن الله حاكم الوجود , رب العوالم كافة, الأساس الوحيد للحقيقة, الراعي للعالم, شمس الحقيقة, محيط الوجود الإلهي, بحر الكرم الإلهي, موقظي, رغبة العالمين, إن اللجوء إلى هذه الكتب يكشف عن مائة صفة مثيرة أو أكثر يمكن تطبيقها عليه تعالي. فقد تفضل عبد البهاء “لا يوجد شيئا مستحقا استحقاقا كاملا لتكريس قلوبنا بالمحبة سوي الحقيقة فكل شيء عدا ذلك أيل للفناء لذلك فالقلب لا يرتاح أبدا ولا يجد الغبطة الحقيقية والسعادة حتى يلازم الذات الأبدية فالإنسان لابد وأن يربط نفسه بالحقيقة المتناهية حتى يكون تقدمه وعظمته وسعادته أيضا بلانهاية إن الروح حقيقة وكل ما عداها كالظل لذلك فلنطوق جميعا للملكوت الإلهي حتى تثمر أعمالنا بالثمرة الأبدية”0

إن أعمق أرضية لموقفنا الفكري وأكثرها تأكيدا هي الاقتناع بأن هيكل حياتنا الإنسانية هو في الواقع الفكر الكوني الودود هذا الاعتقاد إذا قبل بكل حماس فإنه يؤثر ويبجل كل اتجاهاتنا نحو كل شيء آخر فإننا حين نستيقظ لرؤية الكون الذي نظم بواسطة الله وهو دائم الحكمة والفعالية نجد سلاما يفوق الوصف قد استحوذ على أرواحنا. إنه مثل شروق الشمس علي أرض داكنة غير واضحة يقع من خلالها تفاصيل المنظر الطبيعي في شكل واحد متكامل يجدر بنا بعد ذلك أن نتقدم بغبطة وثقة إلي مرحلتنا القادمة في رحلتنا المقدسة0 في هذا المنظر المثبت للوجود نجد النقطة النهائية وهي الله والنقطة البدائية هي نفسي أنا وبهذا فأنا في سكينة و سرور.

إن المصدر الثاني للأمل وهدوء الفكر هو الاعتقاد بوحدة الجنس البشري. هذه الفكرة والمثالية هي من أهم صفات التعاليم البهائية وأبرزها. يعلن هورس هولي “إن جوهر الحركة البهائية” “هو الديمقراطية الروحانية”. وفي شعر خلاب يقول بهاء الله “يا أهل العالم إنكم ثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد ورود بستان واحد وقطرات محيط واحد فلتتخلقوا بالمحبة الكاملة والاتحاد والصداقة والفهم”.

هذا الاعتقاد في وحدة العالم الإنساني يرتكز علي عدة أسباب صلبه: أولهما مبنى على الدين فالاقتناع بأن الله هو أب واحد للجميع يترتب عليه الاعتراف بان جميع الناس إنما هم أخوة فبهاء الله يؤكد “إن دين الله هو من شأن المحبة والاتحاد” والسبب الثاني هو من باب فهم لنظرية المعرفة فالأفكار التي تخلق تفاعلا عاما لابد وأن يفترض علاقة أُسرية عميقة بين العقول البشرية وبمعني آخر فإن وجود الذكاء الخلاق والحقيقة العامة تجعل الإنسان مدركا لوحدته مع أفراد جنسه الآخرين.

وأما السبب الثالث فهو أخلاقي ووضعي فالناس جميعا لهم خصائص حيوية (بيولوجية) وسيكولوجية مماثلة في أساسها وبما إني اشعر بالازدهار والغبطة عن طريق صداقتي مع جيراني فإنه يجوز الاعتقاد بأنهم هم أيضا يتمتعون بنفس هذه المزايا مما لا جدل فيه أن كل الناس يشتاقون إلي حياة رغده وأن الشعور بالود المتبادل يدفع بطبيعتنا إلي الإكبار والنهوض ولذلك فإنه من المحقق أن ممارسة الود في شكل تقييم الحياة والخدمة الإنسانية هو المبدأ الأسمى للأخلاقيات ففي الحياة اليومية تكون الطيبة السنية العقل هي الأساس لا يوجد متطلب عدي ذلك لتنظيم السلوكيات.

هذه المثالية وهذا العمل المنتشر للود في العلاقات الاجتماعية هو مثل آخر للرؤيا الروحانية مطبق بصفة عامه وفي درجة من البساطة بحيث يجدر لتلميذ المدرسة أن يدركه. إن أهم مشكلة للمدنية هي كيفية إمتداد هذه الروح بأشكال ذكية في دوائر دائمة الاتساع للجنس البشرى. إن المحبة صفة إلهية وهى الأمل الوحيد لهذا العالم المرتبك المنزعج.

والآن لنفترض مثلا أن كل شخص في هذا العالم اخذ في ممارسة هذا الاتجاه نحو كل شخص آخر يقابله وأن عواطفه لم تستثنى أي شخص في هذا الصدد يبين كاتبا بهائيا أنه ” في الوقت الذي توضع قوانين علاقات الترابط الإنساني مكان قوانين البقاء الحيواني في المجتمع ككل سوف يتعلم الناس كيف يحققوا الوئام والجمال والرخاء ذلك الإخاء الحر الذي كان بمثابة الأساطير التي عزاها الناس

جميعا إلى العصر الذهبي. فإن الغبطة والسعادة التي لا حد لها سوف تعم العالم الإنساني و تملؤه. إذا توقعت أن يكون كل شخص طيب الأخلاق فإني ساجد نفسي وكأني في بيتي أينما كنت.

أستطيع أن أعتمد علي أن الناس يفضلون الطيبة على النية السيئة أو العمل الضار إني أعرف تماما إنني اكره بشده تلك النزاعات والندم الذي ينتج عن كلمات أو أعمال غير طيبة وإني أستطيع التأكد من أن التأثيرات النفسية للأعمال الخيرية الحميدة هي بالفعل موحدة ومرضية. وهنا أقدم على موقف أساسي آخر للوقفة الفلسفية فإذا استطعت أن أكتسب الحل الداخلي والاستقامة أو الإرادة القوية التي بها أستطيع أن أواصل اتجاه الصداقة في كل وقت أواجه فيها المضايقات أو الظلم أو إساءة الفهم فإنني بذلك سأجد ملجأ مؤكدا للسلام. إنني اعتمد كثيرا على قادة الأديان و تعاليمها لتساعدني على الإبقاء على هذه الروح. إن طاقة الدين في زيادة أي نقص في التسامي في المجتمع إنما هو تبرير كاف لأن نسانده ونطوره في حياتنا العصرية.

إن سلطان المحبة في العالم له القدرة على تدمير التبلد والملل الذي ينتج عن تصور عديم المشاعر لأن المحبة في الواقع خلاقة وبارعة فالمحب يخترع كل أداة جديدة تساعده على أن يجعل حبه معبرا وأكثر مساعده0 هناك عدة وسائل نبنيها الآن يمكن بها تحقيق حسن النية بفعالية أكثر0 هذه الوسائل تدخل ضمن التعاليم البهائية الأساسية.

أ- لنأخذ أولا فن المؤتمر أو الوسيلة التقنية للمشاورة هذا الفن للمناقشة الجماعية هو مهم للغاية في حل مشاكل القرن القادم إنه يفرض أن المؤتمر يمكن أن يكون خلاقا بمعنى أن ينتج إدراكات قيمة وحلول لا يمكن إيجادها بدون المجموعة فالإجراء يفترض الحرية والتساوي ومنتهى سعة الرحب من جميع الأعضاء انه يفترض أيضا الرغبة من جانب كل شخص أن يحور في تعصباته وخطط عمله في ضوء ظهور حقائق وأفكار قد تبرز من خلال المناقشة0 إن الرغبة في الإبقاء على روح الوحدة في المجموعة والمحافظة على وسيلة المناقشة المتعاطفة هما من أهم الأسس التي يجب الإبقاء عليها بأي ثمن حتى ولو تسبب في الإخفاق في الموافقة على خطط عمل أخرى.

إن المؤتمر المثالي يأخذ بالاعتبار اتجاهات الأقلية التي قد تكون بمثابة وضع العراقيل أو إظهار الاستياء أو حتى الانسحاب فأحيانا يشعر عدد قليل بأن القرار الذي اتخذه الأغلبية رغم النقاش الحر والمتكامل يشعر بكل أمانة أن هذا القرار غير حكيم بيد أن كل عضو كان قد فهم مسبقا ماذا يجب عمله في حالة ما إذا وجد نفسه واحدا من الأقلية وهو أن يحافظ علي روح التعاون والتجربة وذلك بمعاونة الأغلبية علي الحصول علي تجارب إضافية وأيضا بإعطاء المعلومات اللازمة لإثبات نظريتهم

فإذا وضحت وجهة نظر الأقلية فان الأغلبية بدورها يجب أن تعضض الأقلية في خططهم. بهذه الطريقة لا تشعر الأقليات بأي مرارة أو استبعاد ولكن تشجعوا علي التعاون. هذا الاعتبار مهم للغاية لأنه عادة ما تظهر الأفكار الجديدة الهامة من الأقلية.

إن تصور هذه الممارسة العامة في مختلف مراحل المشاكل الاجتماعية وهذا الفن في الائتمار كما تم وصفه مسبقا هو في الواقع رؤيا وإمكانية تبعث بالسعادة وإذا اصبحت هذه الطريقة واسعة الانتشار كما لو كانت مثل المصافحة باليد فإن سوء النية والمرارة والكارثة التي تحدث نتيجة الصراعات الاجتماعية سوف تزال إلي درجة كبيرة إن تحقيق هذه المثالية المتسامية في الاعتدالات الاجتماعية تحتاج إلي اتجاه فلسفي وإلي تكريس مثابر ومرتفع الدرجة في تضحية النفس في سبيل الأخوة بين البشر.

ب- ولنلتفت الآن بتخيلاتنا الحية لكي نرسم خط النتائج البعيدة المدى لرؤية أخرى خاصة بالأخوة بين البشر فلنفرض أن كل تلميذ وتلميذه في المدارس في العالم قاطبة تعلم بجانب الرياضيات والقواعد والدراسات الأخرى الأساسية لغة عالمية إضافية من نوع ممتاز. يؤكد لنا الخبراء إن هذه الفكرة عملية للغاية وأن هذه اللغة يمكن تعلمها في وقت قصير مذهل وحين يكبر هذا التلميذ ويبدأ في السفر أو يصبح مندوبا للمبيعات أو عالما أو انه يشترك في الإرساليات فهو يتمكن من مبادلة الأفكار مع الناس في جميع أنحاء العالم.

إن نتيجة هذا التبادل هو ذوبان الكثير من سوء التفاهم والإكثار من الشعور بالوحدة والزيادة المشتركة في ثروة الثقافة وكذلك منافع أخرى لا تقدر ولا تحتسب وبهذه اللغة الثانوية يمكن للهيئات العالمية مثل عصبة الأمم أن توفر بسهوله للجميع المكتوبات المهمة فانه يبدو أن المطلوب هو قدر ضئيل نسبيا من التخطيط الذكي والتعاون في سبيل القيام بهذا المشروع العظيم. إن إمكانيات الازدهار للسلام والحضارة لا يمكن تخيلها وهذه رؤية روحية أخري تستحق التحقيق.

ت- إنني أستطيع أيضا أن أفكر في أشكال أخري من السلوكيات التي تكون في آن واحد بسيطة في التحقيق وعامة في التطبيق والمجال هنا يكفي لذكر القليل فقط منها. قد أعلن بهاءالله إنه لا توجد مسألة أهم من السلام العالمي ففي اللحظة التي يشعر كل شخص في أعماق قلبه بالرغبة الأكيدة للسلام وانعدام الرغبة في العنف تجاه أي شخص آخر فإن الحرب تكون غير

ممكنة. هنا بعد روحي آخر وهو أيضا بعيد المدى في أهميته. فللحصول على السلام في العالم يجب على كل فرد أن يكن المحبة الصادقة للسلام وأن يمارسها في هذه الحالة تنقلب كل كراهية إلى أخوة ومحبة فالسلام العالمي هو في واقع بهذه البساطة – وهو أيضا بهذه الصعوبة فالمثل الإغريقي يقول: في الواقع إذا أردنا أن نحافظ على نظافة مدينتنا يجب على كل مواطن أن يكنس أمام بابه.

ث- وثمة شكل آخر من تفكير غاية في القوه وهو فكرة أن الشر ليس إلا مرحلة انتقالية للخير فإذا اعتقد كل شخص بهذه الحقيقة وعمل على أساسها فإن مصاعب الحياة وآلامها يفقد شوكتها وتصبح عتبات لخطي الارتفاع إلى مستويات روحية أعلى. إن نهر النيل يبدو بنى اللون وملئ بالطمي إذا شوهد عن كثب ولكنه يبدو أزرقا متلئلئاً حين يشاهد عن بعد لأنه بهذا يعكس السماء البراقة في الأفق. لذلك فإني موقنا بأن كل شر لا نخضع له يمكن بوجه عام أن ينقلب إلى صالح لنا إذا أردنا ذلك.

ج- وهذا عدد آخر من الرؤيا. لماذا لا يتعلم كل شخص في شبابه فنا من الفنون وبهذا يستطيع أن يسعد باقي حياته بالتعبير عن النفس والإستفادة من وقت فراغه بقدر أثمن وأكثر.

ح- ولماذا لا يتعلم في صباه الأسس البسيطة للاختزال في الخط كوسيلة وأداة تنفعه بقية الحياة.

خ- بما إني من محبي الحدائق فإني أقترح أن تشكل هيئة في كل مجتمع يكون فيها قطعة أرض يقسم إلى أجزاء صغيره يستطيع الشخص أن يسعد بزراعتها.

لقد شاهدنا كيف أن الرؤيا هي عبارة عن مثالية في الحياة تشاهد روحيا ولكن لم تحقق بعد في المجال الكوني فهي مبدأ روحاني باستطاعته توليد قيمة تزداد اتساعا في مجال الخبرات الإنسانية وأن هؤلاء الذين يشاهدون ويفتتحون هذه المبادئ هم في الواقع ما يطلق عليهم لقب الرائي أو النبي.

فالنبي هو الرجل الذي له من الحكمة القدر الذي يجعله يرى بوضوح في أول الأمر القيمة الأساسية للحياة ويمسك بها إلى أن تعتز بها الأجيال مستقبلا. انه يتفحص ويعيش في الحاضر علي شكل يأخذ به مستقبلا العديد من الأمم وربما العالم أجمع وهو يقرأ مسبقا رؤوس الأبواب في تاريخ المستقبل وقد يطلق عليه من يعيش معه صفات الجنون والخيانة والكفر والخروج عن

الطبيعة بيد أنه يبدوا طبيعيا لدى أولائك الذين يحظون بدرجة أعلي من النمو الروحاني. إن حشود الناس دائما في الواقع تنظر إلي صفات الشيء العادي العظيم أي الحياة المتكاملة.

لا تعليقات

اترك رد