الى أين يسير شعبنا

 

حضرت في ذهني عبارة تقول إننا الشعب الوحيد في العالم الذي ينظر الى أمسه باحترام أكثر من يومه ويعتبره أفضل من غده وهي تحمل معاني كثيرة لابد من الوقوف عند بعضها والتعرف اليها ولو بشكل سريع فهي تعطي انطباعا لدى من يقرأها إننا نمر الآن بظرف عصيب فالأمس المقصود هو امتداد من قبل اليوم الى آلاف السنوات في عمق التاريخ والغد يعني من بعد اليوم الى ما لا يعلمه إلا الله عز وجل في مكنون علم الغيب والأمس القديم بما يحتوي من مآثر وشخوص خلدها تاريخنا المجيد كانت منار للإنسانية وساهمت بحق في بناء أول حضارة يفتخر بها كل إنسان إبتداءا من صناعة أول حرف في التاريخ وأول شريعة تنظم العدالة في حقوق الأفراد والمجتمع ومرورا بتطور الحركة العلمية والأدبية قبل الإسلام الى الإسلام الذي قال بأننا خير امة أخرجت الى الناس ومن ثم ما بعده وبناء اكبر إمبراطورية يقف فيها الخليفة بشموخ يخاطب الغيمة بعنفوان وعظمة أنها أين ما تمطر فخراجها عائد إليه وهو إيحاء بعظمة واتساع رقعة حكمه وما يعني ذلك في التحكم والسيادة على سكان الكرة الأرضية الى زوال هذا الملك وتوالي الانتكاسات وصولا الى ما أطلقوا عليها الفترة المظلمة التي حقيقة يمكن أن نعتبرها ممتدة الى يومنا هذا بعد أن تجزأت أوصال الأمة الى كيانات هزيلة لا تقوى على حماية نفسها وبغداد التي كانت حاضرة الدنيا أصبحت من أسوء مدن العالم التي لا تصلح للعيش السعيد فماذا جرى وما هي الأسباب التي جعلتها في هذا المستوى من التدني ولا اسمح لنفسي أن أقول عنها غير هذا لعظمتها في عيني وعين الكثير ممن ارتوى من ماء دجلة الخير وفرات العطاء الذين يعتبران شريان الحب فيها والعطاء.

الحديث عن الشعب العراقي بكل أطيافه وقومياته وأعراقه وهو امتداد طبيعي لإخوانه العرب وجيرانه المسلمين ترابط معهم في الكثير من العادات والتقاليد ولكنه انفرد عنهم اليوم في ممارسات لم يكن يعرفها من قبل لا عرف اجتماعي ولا تقليد ولا قانون ولا شريعة تحت ذريعة الحرية الفردية التي ترعاها الديمقراطية الجديدة الحالية بمفهومها الخاطئ الذي يسود اليوم وأصبحنا نسيء حتى الى مفهوم حقوق الإنسان اجتماعيا وفي أجهزة الدولة فحدث ولا حرج فما أن تكون في زاوية معينة وتفتح بابها حتى تجد نفسك أمام أبواب كثيرة اشد ظلمة وأكثر سوءا من سابقتها تجعل قلبك ينزف قيحا وتتألم لواقع لا تعرف الدوافع التي أوصلتنا إليه لكنك ستجد حتما إن هناك أياد خبيثة غريبة تحركه الى مجهول وأنت متأكد إن المجتمع يرفض هذا السلوك لكنه يمارسه كأنه أمر طبيعي.

الشعب العراقي الذي اعتاد الالتزام بالأعراف الاجتماعية الجميلة كالصدق في الحديث والأمانة والنخوة والكرم والشجاعة واحترام الكبير ونبذ العنف والتحلي بصفات الفروسية والرجولة ماذا حصل له ليعتدي الطالب على أستاذه إذا منعه من الغش وما بال الرجل يعتدي على امرأة موظفة أدت واجبها بأمانة وما الذي حصل للشاب حتى صار يستعمل أدوات مكياج أمه أو أخته وما الذي جعل الشباب في أحلى فترات أعمارهم يتجهون الى تعاطي المخدرات بأنواعها وأصنافها التي لم نسمع بها من قبل وحتى رجل النظام يخالف النظام والى آخر قائمة المنبوذات التي تشمئز نفسك حين تتذكرها.

ما بال الموظف يسمح لنفسه بتعاطي الرشوة وهو يقول بالحديث النبوي الشريف لعن الله الراشي والمرتشي وما بال ابن البلد يبيع أخيه الى عصابات الخطف والجريمة وما بال رجل الأمن يساعد المجرم على الهرب من السجن وما بال العامل يسرق وقت العمل وما بال المنتج يغش في إنتاجه وما بال التاجر يأكل لحم أخيه في تجارته وما بالنا لا نهتم للضعيف فينا وما بالنا نأكل بعضنا البعض بلا رحمة وتخلينا عن ابسط قيم الإنسانية وتعاليم كل الأديان الحنيفة.

طبعا الحديث عن البعض بلا شك وليس الجميع ولكنها صارت ممارسات يومية تجدها في كل مكان على إننا نلاحظ علماء الفقه والشريعة يركزون عليها والقوانين توجب مطاردة من يمارسها والحرية قد دخلناها من أوسع أبوابها فلك أن تقول ما تشاء وتمارس ما تشاء من الطقوس والشعائر التي تعتنقها وفي مناسباتنا الدينية نجدد العهد على إننا على خطى العظماء من رموزنا فأي نوع من المسلمين أو الموحدين نحن وأي صفات للإنسانية نحمل؟

بلا تردد انك ستوجه اللوم الى مؤسسات التربية في المجتمع فتتوجه إلى رب العائلة الذي انشغل عن عائلته والى رب العمل الذي أجاز لعامله أن يغش في إنتاجه والى شيخ القبيلة الذي انكفأ يبحث عن مصلحته واستلام الهدايا من المرشحين في موسم الانتخابات وتجاهل قبيلته والى رجل الدين الذي اكتفى بالوعظ في المناسبات الدينية دون أن يكون هو القدوة والمثل الأعلى والى رجل القانون الذي سمح بتجاوز قانونه وهو لا يحرك ساكن والى المثقف الذي تردد في إيصال فكره الى شعبه وقومه خشية مخالفة المجموع والى المعلم الذي كف أن مزج العلم والمعرفة بالتربية والى المسئول في الحكومة الذي أهمل شعبه وانشغل في البحث عن مصلحته ومصلحة الحزب الذي يتبادل ادوار الحماية معه وأي منصب سيحصل عليه والسعي جاهدا الى تسقيط خصمه السياسي والى ذات الشاب من الجنسين الذي أهمل نفسه وراح يبحث عن ملذاته التافهة وإذا حاولت أن تلتمس لهؤلاء جميعا العذر إذن فأنت تشارك في انهيار المنظومة الاجتماعية الأخلاقية ولا عذر لك في هذا.

كل ذلك يحدث في بلد يعتبر من أغنى بلدان العالم ولكن اغلب شعبه يعيش تحت مستوى خط الفقر وفق المقياس العالمي لان هناك من يحاول في السر والعلن إيقاف دورة الحياة فيه بعد أن أخضعه لظروف في منتهى القسوة فسعى جاهدا الى شل حركة الشباب ودفع بالكهول الى الانزواء وطرح متبنياته في المجتمع ساعيا الى تنفيذ ما هو أعمق من هذا كله بكثير ويمهد الطريق واهما الى تذويب دولة اسمها العراق الى كيانات لا تعترف بولاء ولا تتمسك بقيمة أي بمعنى العودة الى عصور ما قبل التاريخ وهمجية الإنسان وشريعة الغاب.

إذا كانت اغلب الأمم والشعوب تتوحد عند الكوارث والمصائب لتتجاوز محنتها فما يحصل في عراق اليوم يخالف هذه القاعدة بدلالة هجرة الخبرات العلمية بكل المستويات نزولا الى ابسط يد عاملة الى خارج البلاد بمقابل دعوات نشاز تطالب أما بإقليم أو تتنازع محافظة مع جارتها على حدود أو على حصة مائية أو حتى تطلب كفيل ممن يدخلها من سكان محافظة أخرى غيرها أو حتى تحدد فترة إقامته لكن عزائنا ومبعث الأمل في الخير القادم وإصلاح الحال إن في وسط كل هذه الفوضى تظهر الأصوات الخيرة وان كانت محدودة الأثر لكنها قد تكون بوصلة تحدد للمجتمع اتجاه مساره الصحيح وتعمل وفق مبدأ اضعف الإيمان.

حمى الله بلادنا من كل سوء ومكروه ولعل القادم يحمل بين ثناياه الأفضل.

لا تعليقات

اترك رد