“عداء النصل”2049/بليدرانر(2017)

 

“عداء النصل”2049/بليدرانر(2017):
ملحمة “خيال علمي” كلاسيكية ذات بعد فلسفي- سيريالي عميق/ مشوقة وحافلة بالجماليات البصرية الآخاذة:

تجسيد سينمائي مجازي لفكرة “الأرض اليباب”(تي.اس.اليوت)!
في العام 2022، وبعد عامين على اصدار شركة “تيريل” لنسخة متطورة من روبوطات “نيكسوس8″، فان النبضات “الكهرومغناطيسية ” تطلق العنان لدمار “واسع الانتشار”، وبعد سنوات يقع اللوم على المستنسخين عن هذا الهجوم العشوائي، ثم تقوم شركة “تيريل” بانتاج مجموعات روبوطية (بيولوجية) فرعية جديدة من نمط “نيكسوس9″، وذلك لجزء من وحدة “عدائي النصل” التي تم اصلاحها حديثا، والمفروض ان تحل محل النماذج القديمة…

ملخص الفيلم:
الضابط “كي” (دي6-3.7) ريان غوسلينغ هو “بليد رانر ” الجديد في هذا الشريط: انه تحري مقدام وقاتل متخصص بصيد البشر المستنسخين بيولوجيا من الطراز القديم (وخاصة نماذج النيكسوس 8 المتقادمة)، والتي لا تزال طليقة (ولا نعرف لماذا يستقصدها تحديدا؟). هكذا وبعد مواجهة قتالية ضارية مع احدهم (باوتستا) في مزرعة بروتين نائية، يكتشف “كي” بالصدفة صندوقا مدفونا من العظام، انه سر ربما سيهز هذا العالم، الأمر الذي سيدعوه للبحث عن محجر من نوع جديد…هناك في هذا الفيلم الغريب دموع وثلج ومطر وجرعات من الشمس في كاليفورنيا، ومقابر قديمة تحفل بالقشور المعدنية الصدئة، كما يوجد طعام الشوارع المعتاد على عربات شفافة في مدن آسيا، وفي المستعمرات الجديدة النائية والتي من الصعب الوصول اليها، وهناك الاعلانات الضخمة الملونة (ومنها اعلان ضخم لكوكوكولا) و”عاهرات ليل” المنتشرات في بعض شوارع المدن المتلألئة، وكذلك الاختبارات النفسية الغامضة المزعجة والأدوات التماثلية المسيطر عليها بصريا وكذلك الرفقة “الهولوغرافية” المثيرة والبديلة للرفقة الانسانية…ولكن هناك أيضا الذاكرة والهوية والبعد الانساني والتيه والشكوك والملاحقات التي لا هوادة فيها، فقد حدث الكثير خلال تلك العقود الثلاثة القادمة، حيث تكاثر البشر وانهار النظام البيئي العالمي لقلة الوعي والتكالب على استنزاف الطاقة الاحفورية وارتفاع غازات النيتروجين وثاني اكسيد الكربون

كما حدث ننتيجة لذلك شلل غير متوقع في انظمة العالم الغذائية التي استنفذت بالكامل مما اجبر البشر حينئذ على الاعتماد الكلي على مزارع الدود والبروتين المستنسخة)، علما بأن الفيلم لم يظهر هذه التداعيات المرعبة بشكل سافر وربما بقصد لكي لا يتوه المشاهد في خضم الأحداث …كل هذه التداعيات وضعت شركة “تيريل” المسؤولة امام تحديات صعبة. يقول هذا الفيلم الكثير عن نقاط قوة “غوسلينغ” التي تبعث منذ البدء على الدفء والتعاطف في فيلم “بارد جدا ولكنه آخاذ، كما أن صديقتة البطل الجميلة جوي “الهولوغرافية” الطريفة تدعوه تحببا بجو، وحتى سيارته الطائرة المحدثة من الفيلم الأصلي تأتي الآن مزودة بطائرة درون صغيرة قابلة للانفصال عند الضرورة لتقصي المعلومات والمواجهة، ولكن بالحق فلا يمكن الهروب من حقيقة قوة وتأثير نسخة “ريدلي سكوت 1982” الأصلية اللافتة، مثل مشاهد الضؤ الزرق في منتصف الليل الذي يتلألأ مع حبات المطر المتساقطة، او مثل مشاهد مدينة “لوس انجلوس” المضائة والمشرقة بالنيون والتي تتماثل لحد ما مع طوكيو، او كالديكورات الداخلية “الذهبية- الصفراء” التي كونت في اذهاننا هالة مؤرقة لعالم تائه ومسكون ومطارد بعبث غامض ولغز عميق…ولكن المصور المتمكن “روجر ديكنز” اقترض ذلك من الفيلم الأصلي وزاد عليه محدثا فاتحفنا بكم خلاب من اللوحات “الذهبية- الصفراء”، وتعاون مع مصمم الانتاج البارع “دينيس غاسنر” فخلق لنا عالم سينمائي ساحر وقاتم ورمادي وغامض في آن.

مغزى الظهور المتأخر لشخصية ديكارد:
ولكن الفيلم بالرغم من تفوقه يقع في عدد قليل من الأخطاء الواضحة، فهو لا يضعنا حقيقة بأجواء العالم المضطرب حينئذ حيث بدا هذا العالم فارغا الا بالحد الأدنى من الأشخاص والبشر، وكذلك بدا “جيرد ليتو” غير مقنع كعبقري اعمى يرتدي وسائل الاتصال، او برغبته الحقيقية كقطب شركة احتكارية لحل مشاكل الغذاء العالمية المستفحلة حينئذ، وبدت هذه المشاهد ككليشات منمقة بلا عمق سينمائي وان كان الممثل “كاريزميا”، وحتى الموسيقى التصويرية للمبدعين “بنجامين وولفيش وهانز زيمر” فقد كان يمكن ان تكون أكثر تطفلا وانغماسا وتفاعلا وخاصة مع حالة وقوع “كي” على اكتشاف هام في المزرعة النائية.
وكدنا بالحق نفتقد لوجود الممثل القدير المخضرم “هاريسون فورد” في اول ساعتين، ولكن كثرة المشاهد القوية المعبرة التي تكشف لنا تدريجيا عن نضارة هذا الفيلم وفرادته، أنستنا ربما ذلك، ومنها فضول “كي” الذي يدعوه بقوة لزيارة مستودع قديم الطراز وداكن ومنسي، يعمل فيه أطفال ايتام على صناعة حاسبات الكمبيوتر، وبدت هذه المشاهد كمزيج عصري لأجواء الروائي البريطاني القدير “ديكنز”، حيث يتكدس الأطفال في ظروف قاسية لصناعة الهواتف ولتحقيق الأرباح الكبيرة لأرباب العمل الراسماليين القساة، ونرى “كي” يعود محتارالمزرعة “مورتون”، ليجد تاريخا منحوتا مخفيا يتطابق مع ذاكرة طفولته المتعلقة بدمية لحصان خشبي صغير…والتي يجدها بعد البحث في نفس ميتم الأطفال الكبير (حليقي الرؤوس)، مما يشير لحقيقة ذكرياته الذي كان يعتقد بأنها مركبة ومزروعة، وأثناء بحثه عن سجلات الولادة في الميتم المذكور لتلك السنة، يكتشف شيئا غريبا يرتبط بوجود توأمين (ذكر وانثى) ولدا بنفس العام، مع وجود تطابق في الحامض النووي (الجيني الكروسومي)، ويكتشف بأن الولد هو من بقي فقط على قيد الحياة!

كما يتبع ذلك اكتشاف “كي” لامراة شابة لطيفة معزولة في خيمة بلاستيكية زراعية كبيرة بسبب نقص مناعتها، تتركز وظيفتها العجيبة في صنع الذكريات ليتم زراعتها لاحقا في ادمغة المستنسخين، حيث تنشأ تلقائيا علاقة عاطفية جميلة وقتية مع التائه “كي”…ثم يظهر لنا كمشاهدين “مشدوهين” أن هناك شعورا مزعجا خلال الساعتين الأوليتين يكمن في افتقاد شيء ما، وأخيرا فبحث “كي” يقوده لايجاد “ريتشارد ديكارد” (البليد رانر الأصلي)، هكذا ينضم “هاريسون فورد” ليدمر (بالتشويق) ال 45 دقيقة الأخيرة لهذا الشريط الفريد، مما يعطينا بعدا استثنائيا لافتا: فقد انتهت القصة الاولى (1982) وهو يركض هاربا مع صديقته المستنسخة “راشيل”، وبدا التجسد هنا غامضا، فقد كانت التكهنات تدور حول فكرة فيما اذا كان “ديكارد” نفسه مستنسخا، لكن فورد لا يشارك في هذا الفيلم لأسباب الحنين (نوستالجيا) فقط، وانما يجلب في الساعة الأخيرة عناصر القوة والطاقة والتشويق للدور المحوري، وذلك لاحتواء شكوك “كي” بشأنه، وكذلك لحماية ماضيه الحافل ورغبته الجامحة بالبقاء على قيد الحياة، ولكن ابداع فورد التمثيلي يقوم بأكثر من ذلك، فهو ينشط دورا “ايقونيا” خالدا ويفعل اداء “غوسلينغ” الذي استنفذ خلال الساعتين الأوليتين

وتبدا المواجهة بينهما بحدة النقاش الكلامي اولا لتنتهي كالعادة بمواجهة غير متكافئة بالقبضات، مما يضعنا امام حبكة جديدة شيقة ، تتمثل بالتنافس الحاد على سرقة الكاريزما السينمائية، وليس بطريقة سطحية مبتذلة، وانما بعمق تمثيلي نادر، ويساعد على ذلك الأجواء “الديكورية” المتمثلة بوجود ديكارد في موقع جذاب يتمثل في الكازينو القديم الذي يقيم فيه، والمزود ببار ومسرح كبير مهجور، والذي يظهر على خلفية عراكهما “صورا حية تعبيرية وجميلة لرقصات الفيس برسلي واغاني فرانك سيناترا الخالدة” وبشكل متقطع مقصود، وذلك قبل ان يتعرضا لهجوم كاسح من قبل طائرة فضائية. أما اللغز هنا فيتمثل بشخصية فورد المحيرة فيما اذا كان “ديكارد” المطارد نفسه “مستنسخا” ام حقيقيا، وعليك كمشاهد ان تستنتج ذلك بنفسك وتخمن من خلال رؤيتك لهذا الفيلم وللفيلم الأصلي(1982)، وتبدو المفارقة الطريفة جلية عندما يبادر غوسلينغ بالاستفسار من ديكارد بعد جلوسهما على البار فيما اذا كان كلبه “الغريب الشكل” حقيقيا ام مستنسخا، حيث يجيب فورد بسخرية “عليك ان تسأله بنفسك”!

هدؤ وغموض وذكريات:
وبدلا من التركيز على التكنولوجيا التي ادت الى تلك الفوضى، وبدلا من تصوير جموع الملايين “الهائجة-المائجة” كما نشاهد عادة في نمط أفلام الكوارث المستقبلية، وخاصة ان تعداد سكان الأرض سيزيد عن العشرة مليارات انسان في منتصف هذا القرن، فان الفيلم ينحى اسلوبا تشويقيا غامضا وشخصيا وربما بوليسيا بطريقة نبشه التدريجي للذكريات والبحث عن طفولته وهويته مثيرا التساؤلات والفضول والسعي الحميم لملاحق هواجسه، فالمحقق الجرىء الذكي “كي” يلاحق كل نماذج “الأندرويدات” المتماثلة القديمة، ويسعى جاهدا للتخلص منها.

روعة السرد “البطيء كالقطرات”والتناول الكلاسيكي المفعم بالرومانسية والسخرية والتراجيديا:
انه فيلم يبعث على التأمل العميق والاستبصار، متوسعا في الثيمة الأصلية، ممثلا نموذجا متكاملا للانتاج السينمائي المتوافق في هارموني متماسك، كما يمثل “كلاسيكية” آخاذة في سينما الخيال العلمي، مع مشاهد بصرية آخاذة وابداع فريد في التصميم الانتاجي والموسيقى التصويرية (في اروع استخدام ممكن لنظام “الآي ماكس” المبتكر)، كما لا ينسى الكثافة التشويقية والغرابة والدهشة والاتساع الفني وطوال فترة العرض، محافظا على الزخم، ونجح باللعب على ثيمات وحبكة الفيلم الأصلي الذي اخرجه ريدلي سكوت في العام 1982 (وقد تولى هنا مهمة الانتاج)، كما انه توسع بهذه الثيمات لينطلق لآفاق سردية- بصرية جديدة، انه معمول بنفس نمط فيلم الوصول لنفس المخرج (2016).

Stars:
Harrison Ford, Ryan Gosling, Ana de Armas
A young blade runner’s discovery of a long-buried secret leads him to track down former blade runner Rick Deckard, who’s been missing for thirty years.
Director:
Denis Villeneuve
Writers:
Hampton Fancher (screenplay by), Michael Green

لا تعليقات

اترك رد