استراتيجيات المتشابهات في التعليم والتدريب

 

تعدُّ طريقة المتشابهات التعليمية من الطرائق الحديثة في التربية والعليم ومع أن المفهوم جديد إلا أن الاستخدام قديم فقد استخدمه كثير من المعلمين قديماً في شرح وتوضيح بعض الظواهر والأشياء والمفاهيم بهدف تقريب المعنى لتسهيل عملية التعلّم وبقاء أثره لمدة أطول .
ومع ازدياد المعارف العلمية وتنوع مفاهيمها وتعددها باتت الحاجة إلى تنويع الاستراتيجيات والطرائق التعليمية حاجة ملحة وذلك بهدف إكساب المفاهيم المتنوعة كمادة علمية من جهة وتوظيفها في الحياة اليومية للمتعلم وكيفية الاستفادة منها وتحريرها من جمودها وانحسارها في الإطار النظري من أجل نقلها إلى الإطار الواقعي التطبيقي . وإستراتيجية المتشابهات كطريقة تعليمية ترمي إلى تحقيق هذا الهدف وسنستعرض فيما يلي هذه الإستراتيجية بالشرح والتوضيح:
تعريف إستراتيجية المتشابهات :
يُطلق على إستراتيجية المتشابهات التعليمية أسماء أخرى مثل توليف الأشتات أو التعليم المجازي أو التعليم بالنماذج و يرى غوردون مؤسس هذه الطريقة أنّ جوهر المتشابهات هو استخدام صور الاستعارات والكنايات والتمثيل للوصول إلى حلول مبتكرة للمشكلات والمواقف المختلفة فأيّة مشكلة تبدو غريبة وغير مألوفة يمكن فهمها وحلّها حلاً مبتكراً إذا جرى مقاربتها من خلال الاستعارات والتمثيل.
يرد تعريفها في معجم المصطلحات التربوية المعرفية بأنّها : أسلوب من أساليب التدريس أو التدريب يلجأ إليه المعلم ( المدرب) بهدف تبسيط التعليم إذ يقوم المعلم بربط الأفكار الجديدة التي يدرسها المتعلمون بالأفكار المألوفة لديهم كي يدركوها ويكونوا أكثر فهماً لها . ونظر بعض المفكرين إليها نظرةً أكثر شموليةً ورأوا فيها: منظومة للربط بين الأشياء والمعلّومات الجديدة بالمعلّومات الكائنة في البنية المعرفية للمتعلم وأنّها تساعد في رؤية التشابه والاختلاف بين ما يعرفه الفرد وما يوّد أن يعرفه .
ويمكننا أن نستنتج أنن مكونات أيّة عملية تشابه هي: المشبه و المشبه به و أوجه الشبه و أوجه الاختلاف حيث :
1 – موضوع التشبيه : الذي يراد تقريب المعنى فيه .
2 – المشبّه به : ويجب أن يراعي الدقة والصحة العلمية في اختياره .
3 – جدول يحدد السمات المشتركة بين المشبّه والمشبّه به .
4 – السمات غير المشتركة بينهما .
أنواع المتشابهات :
يمكن تصنيف المتشابهات بأكثر من طريقة فيمكن تصنيفها إلى :
1 – المتشابهات الحركية : ويستخدمها المعلم لتوضيح أفكار عديدة للمفهوم المستكشف كما تحوي أيضاً أفكاراً عديدة مألوفة لدى المتعلمين مثل تشبيه المعلم حرف الراء لقطعة الموز والكلية بحبة الفاصولياء والقلب بمضخة والنخاع الشوكي بكبل الهاتف .
2 – المتشابهات السردية : حيث يقدم المعلم المتشابهات في قصة أو رواية كأن يتحدث المعلم أثناء تقديمه لدرس الجاذبية عن قصة إسحق نيوتن مع شجرة التفاح .
3 – المتشابهات الإجرائية : وهنا تتضمن المتشابهات الخطوات الإجرائية التي يتم القيام بها .
4 – المتشابهات الخارجية : وهي متشابهة طارئة ثانوية يمكن الحديث عنها أثناء شرح متشابهة، رئيسية مركزية تتضمن مجموعة من الأفكار المتشابهة والتي قد تكون إجرائية أو بسيطة أو روائية مثل: تشبيه جهاز الدوران للإنسان بأنابيب المياه وتشبيه الأوعية الدموية بطرق المواصلات .
5 – المتشابهات البسيطة : وهي متشابهة مختصرة توضح المفهوم المستهدف مباشرة مثل : التين كغذاء يُعطي طاقة للجسم يشبه البطارية التي تولّد الطاقة .
تصنيف المتشابهات :
هناك تصنيف آخر للمتشابهات وفقا لما يلي :
1 – المتشابهة المباشرة : تُعدُّ المتشابهة المباشرة أكثر وأبسط أنواع المتشابهات استخداماً، حيث تقوم على المقارنة بين شيئين أو فكرتين بهدف تحويل الفكرة أو المشكلة إلى موقف مشابه بدافع الوصول إلى تصور جديد لها . وتختلف المتشابهة المباشرة عن النموذج المستخدم كوسيلة تعليمية حيث أن النموذج التعليمي أقرب ما يكون إلى موضوع الدرس من حيث التركيب أما المتشابهة المباشرة عكس ذلك حيث يشترط الشبه به في الوظيفة أو طريقة العمل فقط دون تشابه في التركيب حيث يساعد التباعد بين المشبّه والمشبّه به في رؤية التلميذ للموقف من جوانب متعددة مثل الأرض تشبه الكرة ، جسم الإنسان يشبه جهاز النقل العام ، قطرات المطر تشبه دموع الإنسان .
2 – المتشابهة الخيالية الافتراضية : وهذا الأسلوب يعتمد على إزالة الخوف والقلق الاجتماعي في الفعل وتنمية التآلف بين المعلم والمتعلم حيث يعرض المدرّس المتشابهات خيالية وافتراضية ويطلب من الطلاب عمل تصورات خيالية أيضاً مثل: كيف تكون الأرض بدون مياه ؟
3- المتشابهة الشخصية : نوع آخر من المتشابهات يقوم على انفصال أو انعزال الذات والتوحيد العاطفي مع شيء آخر قد يكون نباتاً أو إنساناً أو أي كائن حي أو غير حي مثل تخيّل اينشتاين نفسه يسير بسرعة الضوء .
4– المختصر المعارض : يعني اجتماع لفظين في التشبيه متناقضين تماماً ، ويُعد المختصر المتعارض في مطابقة كلمتين يبدو أنهما معاً مثل : الصلب والليّن ، الثابت النشط ، انطلاقاً من أن القدرة على رؤية الأشياء من هذه الزوايا المتناقضة في المعنى وفي وِجهة النظر تتطلب جهداً عقلياً كبيراً ومدى إدراكي واسع .
الأهداف العلمية للمتشابهات :
هناك أهداف علمية لاستخدام المتشابهات في التعليم والتدريب يمكن أن نلخصها بما يلي:
1– تنشيط الجانب الأيمن من الدماغ من خلال ملاحظة التشابهات بين الأشياء وإيجاد العلاقات الرابطة بينها .
2 – تعديل المفاهيم الخاطئة في البنية المعرفية للمتعلمين مما يجعل قدراتهم التخيّلية والإبداعية على مستوى أفضل وبالتالي يتحسن الجانب الأيمن من الدماغ في القدرات العقلية.
3– تنمية قدرة المتعلم على التأمل والتمعن في كل ما يعرض عليه من تشبيهات بحيث يستطيع من خلاله أن يُميّز بين موضوع المشبه والمشبه به من خلال تحديد أوجه الشبه والاختلاف بينهما .
4– تهدف إلى جعل المعلومات المجردة أكثر حسية ويمكن تخيلها وهذا ما يسمى بالوظيفة المحسوسة لها .
نماذج علمية للمتشابهات:
هناك عدد من النماذج في استخدام المتشابهات في التعليم والتدريب يمكن أن نوجزها بما يلي :
– نموذج كلمونت (1993):
يقوم هذا النموذج على ثلاث خطوات أساسية، وهي :
تقديم المتشابهة للمتعلمين: وأطلق عليها اسم المثبت Anchor.
تقديم الروابط للمتعلمين: وهي حلقة للربط بين المثبت والمفهوم الغريب.
تطبيق ما تم التوصل إليه من المثبت (A) على المفهوم المستهدف (T).

– نموذج هاريسون وَ تريغاست (1993):
اقترح هاريسون وَ تريغاست هذا النموذج الذي يتكون من الخطوات التالية:
تقديم المفهوم المراد تدريسه في الحصة بأية أسلوب من الأساليب.
التلميح للمتعلمين بأن عملية التشبيه ستجري ضمن الحصة.
تحديد خصائص المشبه به.
تحديد الأشياء المتشابهة بين المفهوم المراد تعلّمه( المشبه)، والمشبه به.
تحديد الأشياء المختلفة بين المفهوم المراد تعلّمه( المشبه)، والمشبه به.
نموذج غلين وَ دوت وَ ثيل (1995):
يرتكز هذا النموذج على ست خطوات أساسية هي:
طرح المفهوم الشائع على المتعلمين.
مراجعة ما يعرفه المتعلمون عما يشبه المفهوم الشائع.
تحديد أوجه الشبه بين المشبه والمشبه به.

رسم خريطة توضح التماثل أوجه الشبه بين المفهوم الشائع والمفهوم المشابه له (المألوف).
إظهار مواطن الضعف في التشبيه بين المفهومين.
كتابة الاستنتاجات عن وظائف المفهوم الجديد.
نموذج غلين (2007) :
يتكون هذا النموذج من خمس خطوات أساسية، وهي كالآتي:
تقديم المفهوم المستهدف.
مراجعة ما يعرفه المتعلمون عن المفهوم الغريب.
تحديد السمات المتشابهة بين المفهومين.
ربط السمات المتشابهة.
كتابة الاستنتاجات عن المفهوم الجديد

دور المعلم / المدرب في التعليم بالمتشابهات :
يتمثل الدور الفعّال للمعلم في إستراتيجية المتشابهات التعليمية بما يلي :
توضيح الهدف من المتشابهة على أنَّه تحقيق فهم أفضل للموضوع وليس مجرد حل صحيح للمشكلة المطروحة.
تقديم مشابهة مألوفة لمعظم المتعلمين مع مراعاة الخلفية المعرفية للمتعلمين.
إشراك المتعلمين في الأنشطة المرتبطة بالموضوع المستهدف دراسته.
التركيز على النقاط المشتركة بين المشبه والمشبه به بشكل مباشر.
تحديد المواضيع التي قد تؤدي لفهم خطأ لدى المتعلمين.
توفير المناخ الديمقراطي الكفيل بنجاح أسلوب المتشابهات

خصائص التعليم/ التدريب بالمتشابهات :
يتميز التعليم / التدريب بالمتشابهات بالخصائص التالية :
التآلف مع التشبيه : فعندما تكون المتشابهات مألوفة للمتعلمين تيسر لهم عملية التعلّم و إذا كانت غير مألوفة فإنَّها تشكل عبئاً جديداً للتعلم .
المعرفة المسبقة بالموضوع : إنّ امتلاك المتعلم لخلفية معرفية عن الموضوع المستهدف لا يفيد عملية التعلّم أو يثريها، بل يكون حملاً جديداً غير ضروري، فأغلب المتعلمين قادرين على تعرّف معنى المفهوم فقط دون انتماء للمفهوم المستهدف.
مستويات النمو المعرفي : إنّ معظم المتشابهات لها وظيفة محسوسة يمكن من خلالها توضيح الخصائص غير الملحوظة للموضوع المجرّد، وذلك بمقارنتها بأشياء محسوسة يمكن للمتعلم تخيلّها و يستفيد المتعلمون في مرحلتي العمليات المحسوسة والتفكير الشكلي من استخدام المتشابهات في دراسة المفاهيم المجرّدة.
القدرة على التفكير التشابهي : يشمل التفكير التشابهي ملخص العلاقة بين عناصر الموقف التعليمي وعناصر الموقف المتشابه، وتحليل كل منها بعناية لإحداث الاتصال بينهما، أي إحداث عملية ربط بين صفات المتشابهة وصفات الموضوع المستهدف.
القدرة على التفكير بالقياس: ويقصد بالتفكير بالقياس القدرة على تلخيص الموقف المستهدف وتحليله لمعرفة ما به من عناصر وبناء موقف مشابه لعناصر الموقف المستهدف مثل الجمل في الصحراء كالسفينة في البحر، والدم في الإنسان مثل البنزين للسيارة؛ فالتفكير التشابهي يتطلب استخدام عملية الربط بين صفات المتشابهة والموضوع المستهدف.
التعقد المعرفي: : إذ يختلف الأفراد في تعقد بنيتهم المعرفية والتعقد المعرفي مدخل البناء المعرفي للاختلافات الفردية بين الأفراد وهناك نوعان من البناء المعرفي:
البناء التمييزي: وهنا يميز المتعلم بين الصّفات المختلفة للمفهوم و المُشابه.
البناء التكاملي: وهنا يربط المتعلم بين الصّفات المتماثلة للمفهوم و المُشابه.
التخيل البصري : تلعب القدرة التخيلية دوراً مهماً في التعلّم بالمتشابهات، إذ تحتاج عملية نقل الصّفات المشتركة من المتشابهة إلى المفهوم المستهدف للتخيل.
مزايا التعليم/ التدريب بالمتشابهات :
للتعليم بالمتشابهات مزايا كثيرة يمكن أن نوجزها بما يلي:
أداةً فعالةً في التغيّر .
يسهّل فهم المفاهيم المجرّدة من خلال تركيزها على التماثل مع العالم الحقيقي.
تقدّم إدراكاً بصرياً لما هو مجرّد .
يساعد في التغلب على عيوب الطريقة التقليدية في التعليم والتدريب.
يعمل كأداة في استعادة المتعلمين للمعلّومات صعبة الاسترجاع.
يثير اهتمام المتعلمين و يزيد دوافعهم نحو التعلّم .
يساعد على بقاء أثر التعلّم لفترة أطول.
يجعل المفاهيم جسوراً بين ما يعرفه المتعلمون وما يريدون معرفته .
تنمي قدرة المتعلمين في التفكير فيما وراء المعرفة .

رزايا التعليم / التدريب بالمتشابهات :
للتعليم / التدريب بالمتشابهات عيوب كثيرة منها :
التفاوت الكبير بين سمات المشبه والمشبه به قد يؤدي إلى تضليل المتعلمين وإرباكهم مما يعيق عملية التعلم الفعّال.
عدم توافق التشبيهات التي تُقدّم للمتعلمين مع خلفياتهم المعرفية قد يشكّل عقبة في الغرس الصحيح للمفاهيم في بنية المتعلمين المعرفية.
قد تكون كمية التفصيلات مملة لدرجة قد تُحدِث ارتباكاً في فهم المتعلمين لموضوع التشبيه .
إن طريقة المتشابهات لا تتيح دائماً الوصول إلى النتائج المرغوب في الوصول إليها خاصةً عندما يذهب المتعلمون بعيداً ولا يستطيعون تمييزها من المحتوى.

على المعلم / المدرب أن يتعمد إلى التنويع بين التشبيهات اللفظية والمصورة . وعليه إعطاء الفرصة للمتعلمين لاقتراح تشبيهات من عندهم للمفهوم المُراد تعلمه لأن ذلك يساعدهم في فهم أفضل للمفهوم مقارنة بما يقدمه المعلم من اقتراحات وتشبيهات .

المراجع

The Teaching-with-Analogies Model
publications/news/story.aspx
teaching with analogies -books/sourcebook/…/10-analogies/teaching-analogies
A Guide For Teaching With Analogies – – TeachThought Critical Thinking
Using analogies : The University of Akron
best-teaching-practices/using-analogies

لا تعليقات

اترك رد