حكايات السطوح


 

بيوتنا ملتصقةٌ ببعضها، في حيٍّ قديم يجمع عوائل مختلفة المستويات والأجناس، مع بعضها تشكّل نسيجاً متجانساً، وعائلةً واحدة. السطوحُ متلاصقة لا يفصلها عن بعض سوى حائطٌ واطيء بالكاد يحجب الجار وجاره، حتى لنكاد نسمع شخير بعضِنا، وهمسات أزواجٍ مسروقة.

أحداثٌ لم أكن أستوعبها آنذاك، كريمة تضرب زوجها ليلاً، نسمع صراخه، وتعلو قهقهاتٌ مكتومة يطلقها الجيران نصف النيام. يتبوّل في الفراش ليلاً، هكذا قالت جارتنا وهي تضحك. وكريمة، جميلةُ كانت، ممشوقة القوام، بيضاء كالحليب، وخلف زوجها لا يكاد يصل كتفها، داكن اللون، قميء، يعاقر الخمر ليل نهار، يثرثر فتسدّ فمه بضربةٍ على رأسه حين يولول نادباً حظّه، متمنّياً طفلاً يملأ عليه بيته الخاوي.

ابن فخريّة ذو العشر سنوات، يمشي ليلاً أثناء نومه، قالوا أنّ جنّيةً تلبّسته وتستدعيه ليلاً. تملّكنا رعبٌ منه، حتى إنّنا تجنّبنا اللعب معه. كاد يسقط يوماً الى الشارع حين تسلّق الحائط ليلاً، أنقذته يدُ أمّه الملتاعة وسارعت في احتضانه.

وردة، تلك الفتاة الرقيقة، ممتلئةٌ نشاطاً وفوضى، حبسها والدها في غرفتها، ولم نعد نراها على السطح.
لاحقاً سمعنا جارتنا البدينة تهمس بصخب.. ضبطها والدها تتحدّث مع وليد، ابن جارهم عبر (الجدار العازل). أصابنا الحزن لما حدث لوردة، نكنّ لها ودّاً وإعجاباً كبيرين. حكاياتٌ مضحكة تسردها علينا، وأحياناً مخيفة عن الجنّ والعفاريت، فنلتصق ببعضنا ونضحك خوفاً وهي تمثّل
المشاهد مع حركاتٍ وغمزات تتقنها. توجّسنا منها بعد موقعة الجدار العازل، ونفورٌ لا تفسير له أصابنا اتجاهها.

حادثة وردة والجدار العازل، حدثت معي وأنا في الصف الأول متوسّط.
استرسلت سميرة، وقد شاب صوتها نزقُ طفوليّ..

لعبتنا المفضّلة في أيام العطلة الصيفيّة، الطائرات الورقيّة، كبيرةٌ، زاهية الألوان يصنعها لنا أخي الكبير. شعورٌ لا يوصف ينتابني وأنا أرى طائرتي محلّقةً، ترتفع وتتمايل بدلال، ثمّ تستقرّ بثباتٍ في نقطةٍ بعيدة، في عمق السماء. أحسّ بأنني أطير معها إلى المجهول، فأضحك جذِلة. طائرةٌ غريبة فاجأتني تحلّق وتعلو، حتى تكاد تلامس طائرتي، وكأنها تطاردها. فضولٌ كبير دفعني لأرى خصمي، ورأيته، فتىً نحيفا ًيقاربني عمراً، تعبث الريح بخصلات شعره المسترسل على جبهته. تنحنحتُ كي أجذب انتباهه، رفع رأسه ونظر إليّ مبتسماً، ملامحه رقيقةٌ شاحبة، ودفءٌ وخبثّ تنطق بهما عينان واسعتان. ابتسم، فانجذبت إليه، ثمّ أشاح، فحزنت.

لعدّة أيّامٍ، وبقلبٍ يهفو إلى رؤية ذلك الوجه الشاحب، واظبتُ على ممارسة لعبتي ظهراً، وفِي ذروة اشتعال الشمس، مستغلّةً فترة الظهيرة التي تخلدُ فيها العائلة إلى قيلولةٍ طويلة في سرداب بيتنا.

الخوف يلازمني أن يفتقدني أخي الذي أخشاه بمقدار حبّي واحترامي الكبيرين له. في كلّ مرّة أَجِد خصمي الحبيب، قد سبقني الى السطح، وطائرته مستقرّةٌ في كبد السماء، وخصلات شعره متناثرةٌ فوق جبهته. مزيجٌ من الإعجاب والتحدّي، ينتابني، ووخزةٌ لذيذة تدغدغ مشاعري، لا أعرف لها تفسيراً، أخذت تشدّني إليه. نظراته المتحدّية، جعلتني أشحذ همّتي، فأشدّ خيط طائرتي، وقد
تمرّستُ في السيطرةِ عليها، فتحلّق، وعالياً تحلّق، حتى تجتاز طائرته، ومنتصرةً أضحك ..

لم أرهُ في اليوم التالي، تسلّقتُ الجدار الواطيء، لم يكن هناك على السطح، رميتُ حجراً صغيراً على سطحهم، دون جدوى، حزنت . ربما غضب منّي، وها هو يعاقبني، ورغم ذلك حلّقتُ بطائرتي، وتمنّيتُ أن أستقرّ وإيّاها فوق غيمةٍ بيضاء، ويكون هو معي، نتراشقُ ندف الغيوم المتناثرة، نبعثها رسائل حبٍّ ومرح الى كريمة، الى والد وردة، وإلى اليدِ الرحيمة التي أنقذت سائر الليل..

كبيرةٌ وزاهيةٌ بذيولها الطويلة الملوّنة، طائرتي هذه المرّة . تمنّيتُ أن يراها، وأتلذّذُ حين أرى الغيظ والاندحار على وجهه، ولكنه لم يظهر، وربما هرب من المواجهة، هكذا صوّر لي غروري!

طائرةٌ كبيرة فجأةً ظهرت، تحلّق بجنون، مختصرةً المسافات، حتى لامست طائرتي وعانقتها. لا، لم يكن عناقاً، هجوماً شرساً كان، باغت طائرتي المسالمة. عبثاً حاولتُ تغيير مسارها كي أنقذها، هي الأخرى قاومت بيأس، ثمّ بدأت هبوطاً سريعاً، كمذنّبٍ تائه، منكّسةً رأسها وقد تناثرت ذيولها، وفوق سطحٍ بعيدٍ تهاوت حزينةً منكسرة.

قهقهةٌ عالية فجّرت الدماء في رأسي، وصوته ساخراً يعوي.. ماتت طائرتكِ.. قتلتها. بكيت، ولعنته، وفِي الحقيقة شتمته ورميت عليه أقذع النعوت وسط شهقاتي الملتاعة. انكفأتُ على الأرض أنتحب، واضعةً رأسي بين ركبتيّ، وكماردٍ انشقّت عنه الأرض فجأةً، انتصب أخي الكبير أمامي، ونظراتٌ من جحيمٍ يلقيها على سطح جارنا. جفلتُ، وتكوّرتُ على نفسي مرتعبة، أخفيتُ خيط طائرتي
المنكوبة، وأنا أحسّه يمزِّق جسدي المرتجف بنظراته الملتهبة. غاص صوتي في أعماقي حدَّ القدم، ارتجفت كلماتٌ مبعثرة فوق فمي.. لماذا تبكين، وأين الطائرة؟ وبصوتٍ كالرعد.. هيّا انهضي، لن تصعدي اإلى السطح ثانيةً، ولا طائرات بعد اليوم..

وهرب العدوّ الحبيب. حلمت به ليلاً، وجهه ازداد شحوباً، تعلو فمه ابتسامةٌ خبيثة، وقد استطالت أسنانه، حتى أصبحت أنياب ذئبٍ مفترس وهو يقضم أشلاء طائرتي.

هجمت عليه كي انتزع بقاياها من بين أنيابه، حزينةّ، باكية نظرتُ إليه.. لماذا فعلتَ ذلك..؟

المقال السابقحوار مع الشاعر الكبير حميد سعيد
المقال التالى“عداء النصل”2049/بليدرانر(2017)
ليلى المرّاني .. قاصة عراقية مغتربة خريجة قسم اللغة والأدب الإنكليزي / كلية التربية / جامعة بغداد عملت في سلك التدريس، درست في مدارس العمارة الثانوية وفِي دار المعلمات الابتدائية، ثم انتقلت إلى بغداد، وواصلت التدريس لحين مغادرتي العراق كتبت القصة القصيرة في المجلة الادبية الصادرة في كلية التربية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد