بَلَاغَةُ الْقَيْظِ

 

هذا القيظ الّذي يلفّ بلدتي الجنوبيّة أسابيعَ من شهري حزيران وتمّوز حملني على التّفكير في هذا الزّوج الفريد نار وماء. النّار سرّ الشّهوة ووقود الحياة ورسول الدّفء وطقس الطّهر، والنّار لذعة الفقد وسَوْرة الحقد وسوط العذاب ونذير الموت… هناك أتت النّار على الصّنوبر والإكليل والزّعتر والعرعار والشّيح بجبل الشّعانبي، وهناك كانت النّار تمثيلا استعاريّا لقلوب سوّدها عقوق الأوطان.

والماء قسيم النّار في الوجود تستحيل فيه فهو لذّة الصّادي ونشوة الحرّان وإكسير الحياة وضَوْعُ الجَهْد ورحِم الخَلْق.

يردّنا القيظ إلى الماء ضديد النّار، ماءٍ يعيدنا إلى عرينا الطّبيعيّ وبراءتنا الأولى، يحرّرنا من أقنعتنا ويوقظنا على سوءاتنا فلا ادّعاء ولا غرور ولا صلف ولكنّه الضّعف والوضوح.

ها أنت في غيب الماء أو على ظهره تحرّك يديك وجسمك السّابحَ فلا صورة لك تنعكس على صفحته، ها أنت تنساب كرغبة إلى مطلوبها، وكشهوة تسري في الحواسّ الجائعة.

ها أنت في طقس الماء تُذيع الأجسادُ كلَّ أسرارها، تتكلّم بألسنتها الفصيحة، وها أنت في طقس الماء تَشيع فيه كلونٍ وتذهب فيه كطعمٍ وتندسّ فيه كرائحةٍ وتغيب فيه كَذَوْبٍ.

ها أنت في موقفك من الشّاطئ ترسل النّظر فإذا مِنْ حولك بَجَعَاتٌ و”ماء يقطر فوق ماء”. وها أنت في طقس الماء تشبّ فيك من شبابك لواعجُ لا يطفئها “مغتسلٌ باردٌ وشراب” بل يُذكيها. وتَعْجَبُ كيف لا يطفئ الماءُ النّارَ وتظلّ تعجبُ ذاهلا عن حقيقة اجتماع الماء بالنّار حتّى تقرأ في مستقبل درسك ” حديث المزح والجدّ” وتقرأ “كَأَنَّ فِي عَيْنَيْهَا نَارًا وَبِفِيهَا مَاءً حَمِيمًا”. وإذا أنت تردّد هذا التّشبيه مستحسنا ثمّ إذا لهذا التّشبيه في قلبك وعقلك نُكتةٌ لم تزل.

ينقل التّشبيه صورة ريحانةَ أغربت في حسنها في عين رجل من الأنمار وقد نشأت فيهم؛ وهذا التّشبيه وإن جاء توسّعا للصّفة السّابقة “غريبةَ الحسنِ” فإنّه لا يفسّرها بل يكثّفها من خلال الكناية في المشبّه “في عينيها” و” بفيها” التي تنفتح على مستويات من القراءة: الجمالُ والصّبا، التّحرّقُ والشّوقُ، الإثارة…، بتعدّد ما يمكن أن يسدّ مسدّ المحذوف: الحوَر، الطرْف، المرض…/ الرضاب، المقبّل، الكلام… وذلك لاشتمال الكناية على التّعريض، والتّلويح، والرّمز، والإشارة، والإيماء، والإرداف، والتّمثيل (1) ، ويتأتّى التّكثيف أيضا من كون الصّورة قائمة على جدل بين البثّ والتّلقّى، بين التأثير والتأثّر ما يكون من حسنها قادحا وما يكون من أثره استجابة يفصح عنها القائم بعمل التّشبيه “ثمّ أقبلتُ على شبّان الحيّ وكنتُ منهم”، وبعض التّكثيف من نظم العبارة جمعت الماء والنّار فكانا حميما، وجمعت هسيسَ الكلام في العين وصريحَه في الفم” دلّت ولاعبته ثمّ امتنعت وقالت”مثل هذا التّكثيف في التّشبيه مكّن من أن يكون عنصرا بنائيّا في الخطاب السّرديّ الذي يحوّل القراءات الممكنة لنصّ التّشبيه إلى وقائع.

جاءت الوقائع لتصوّر ريحانة متحرّقة للرّجال متّقدة العين والفم” أقبلت على شبّان الحيّ”، تفتن من رآها ومن معاني الفتنة الإحراق أحرقت فتيان حيّ الأنمار حتّى “تهيّجوا” يطلبون الماء ارتواء فيسقَون الحميم وهو “شديد الحرارة المُحرق” “نبسط الأيدي فتمسك عنّا وتولّي”. كذا توغل في شحذ الرّغبة فإذا ما ألحّت مَنعتها “ظمأ على ماء مرقوب خير من ارتواء”. وانفضخ لبيد فذهب ماء الحياة فيه.

هكذا ينقل التّشبيه معنى المكابدة عاشها الرّاوية “والوهج يأكله أكل الحسناء للعفّة” وما يزال تحت وطأتها إذ يروي أطوارها. وبهذا يخرق الفنّ – والتّشبيه منه – الحاجزَ بين الظّاهر والباطن ويُسكن الإنسانَ أحاسيسَ وانفعالاتٍ في لغته.

والنّار في ريحانة أمارة الفتنة والجرأة، باعتبارها رمزا للفعل الجنسيّ وهي في التّجربة الوجوديّة سبيل إلى التّطهّر الدّاخليّ، تَطَهّر يطلق العنان للقوى الغريزيّة والانفعاليّة فيستعيد الجسد لغته الأولى المحفورة في ذاكرة ريحانة؛ خبر أساف ونائلة “مكنون في صدرها إلى يوم تموت”. استعاضت عن الكعبة يُحجّ إليها بحانوت اجتمعت فيه اللذائذ ناظرها مكانا وقيما. وهي أيضا بعض تاريخ الشخصيّة فقد أبقت عليها النّار بفضل لبيد ولم تبق على قومها فهي آخرتُهم، وبهذا تكون للمكوّن البلاغيّ في الجملة وظيفة بنائيّة في النّصّ استدعت قصّة أسرها ترويها بنفسها.

وسترى للماء وجوها وستنبجس منه في خاطرك عيون وأنت تقرأ انصباب ريحانة على زقّ الخمر، وانصباب أبي هريرة عليها، و” أمواج السّراب الّتي يركبها البصر فتنساب”، وأبا هريرة يفيض عن الدّنيا، وأبا هريرة “كالماء يجري” …

وإنّك لمستمتع ببلاغة القيظ في بلدتك الجنوبيّة.

(1) انظر مفتاح العلوم للسكّاكي.

لا تعليقات

اترك رد