حوار مع الشاعر الكبير حميد سعيد

 

الشاعر العراقي حميد سعيد
لم أكن منشغلاً بموضوع الانتساب إلى جيل الستينات الشعري،

لا يحتمل الحوار مع شاعر مثل حميد سعيد أكثر من وجه ثقافي فهو( الشاعر والإنسان ) وخارج هذا التوصيف لا يمكن أن يسميه كل من عرفه عن كثب . شاعر يعطي للقصيدة أهميتها ويأخذ منها سحرها ليفيض على القارئ بوجدان مشترك ..في هذا الحوار مساحة بقراءة الجيل الستيني الذي ينتمي إليه شاعرنا حميد سعيد والتوقف بالرؤية والتحليل أمام أقطاب ذلك الجيل فقد اصدر منذ نهايات الستينيات حتى يومنا هذا العشرات من المجاميع كانت اولاها مجموعته (شواطئ لم تعرف الدفء)عام 1968 عن دار الكلمة في بغداد ولم يزل ملتهبا في الشعر ومنتميا إليه ..في هذا اللقاء محاور متعددة يبين لنا فيها كيف ينظر للشعر وكيف ينتمي لبغداد وكيف يفصل الشاعر عن الأيدلوجي ليحقق في مسعاه الأخير انتماءه لروح القصيدة
* اسمح لي، أن أبدأ الحوار معك، حيث الجيل الستيني وموجته الصاخبة، ألا ترى أن أهمية هذا الجيل الشعري، عراقياً وعربياً، جاءت نتيجة لاختلاف التصورات الشعرية ، فمنهم من اهتم بالتراث وآخرون تأثروا بحداثة الغرب وشعرائها ؟
إن ما أشار إليه السؤال بشأن أهمية جيل الستينات الشعري بسبب اختلاف التصورات الشعرية، من حيث اهتم بعض شعرائه بالتراث وآخرون تأثروا بحداثة الغرب وشعرائها، وما حاول السؤال استنتاجه هو واحد من المآلات التي تمثلتها قصيدة الستينيين، وبالتالي فهو نتيجة وليس سبباً.إذ تعددت مكونات هذه القصيدة وتعددت خيارات شعرائها، ولم يتحول هذا الانتماء إلى زمنها ومن ثم إلى الوصف أو المصطلح الذي حاول أن يفرد له مكاناً خاصاً في تجربة الشعر العربي الجديد إلى –غيتو- يكون المتشابه فيه أكثر من المختلف، بل أن نظرة نقدية فاحصة، لابد أن تكتشف خصوصية التجربة لدى الشاعر الستيني، وأقصد هنا طبعاً، التجارب الأكثر حضوراً، والأصوات الأكثر شعرية.إن الشعر الستيني ليس مدرسة لها مقومات جمالية وفكرية محددة، من لا يلتزم بها يكون خارج هذا الوصف أو المصطلح، بل كان فضاء يتيح للتجارب المهمة التي تصدر عن مواهب مهمة، أن تحقق خصوصيتها وتفردها ليس عما كان قبلها ، وعلينا أن نعترف بموضوعية إن حركة التجديد التي سبقت جيل الستينات كانت مهمة وفاعلة ومؤثرة وحققت إنجازاً تاريخياً يؤكد جدارتها، وإنما كانت – الأصوات الستينية – تجتهد في تحقيق خصوصيتها الفردية داخل الفضاء الذي نشأت فيه ونسبت إليه، لذا يمكنني القول، إن اختلاف التصورات الشعرية أدى إلى اختلاف التجارب الشعرية وإن ما يجمع بينها، المصلح والمرحلة، يفرق بينها وبالتالي بين شاعر وآخر، الاستعدادات والتوجهات والطموح في الخصوصية والتفرد.

* أنت من أقطاب الجيل الستيني في العراق، بتصورك، ماذا ميز جيلكم في العراق لو قورنت إنجازاته بما أنجزه جيل الستين في لبنان وسورية مثلاً؟
قبل أن أدخل في جوهر السؤال، أود أن أقول، إنني لم أكن منشغلاً بموضوع الانتساب إلى جيل الستينات الشعري، وإن كنت أحسب عليه، أو أن أكون خارجه، بل كنت أعمل كما يعمل غيري من الشعراء على كتابة قصيدة أتميز بها وتتميز هي الأخرى عن قصائد الآخرين، ممن سبقني وتمثلت تجربته أو ممن رافقته وقرأته بحساسية ذاتية ووعي إبداعي، وهنا أود أن أؤكد واقعاً بعيداً عن التنظير أو الاستسلام للمقولات الشائعة، إن ما يميز القصيدة في العراق مثلاً عن مثيلاتها في العراق وسورية، كما ذهب إليه السؤال، أو إلى سواها من القصائد التي تكتب في هذا القطر العربي أو ذاك، هو تميز فيه الكثير من الوهم والافتعال، لأن الشعراء هنا أو هناك يكتبون باللغة العربية وإن مصادرهم المعرفية بعامة والشعرية على وجه خاص، واحدة هي الأخرى، وإن القضايا الكبرى التي يتفاعلون معها هي قضايا واحدة، حتى المتغيرات الجمالية تكاد تكون واحدة، ولنتوقف قليلاً عند عصرنا هذا، فالقصيدة الرومانسية في أنموذجها الأسمى التي كتبها الشاعر علي محمود طه في مصر، تأثر بها الشعراء الذين سيكتبون قصيدة التفعيلة في العراق، وبخاصة السياب والملائكة، وحين كتب هؤلاء الشعراء قصيدتهم الجديدة كان تأثيرها في الشعراء العرب في معظم أقطارهم.
* لكن يا سيدي ثمة خصوصيات علينا أن نشير إليها ؟
نعم، هناك خصوصيات محلية، اجتماعية وبيئية يكون لها تأثيرها ، ومن هنا كان تميز قصيدة الشعراء العراقيين، وفي بداياتنا كنا نلتقي مع الشعراء العرب على صفحات مجلة من المجلات أو على منبر من منابر المهرجانات ، فيستمع كل منا للآخر ويتفاعل معه وقد يفيد منه، لذا فإن كان ثمة تميز فهو تميز بين التجارب الإبداعية والأصوات الشعرية.

* طيب هل ثمة قطيعة وتصور شعري مختلف بين شعراء قصيدة النثر وروادها في لبنان، وبين شعراء موجة الشعر العراقي وتحديدا ما أسماه الشاعر القدير سامي مهدي شعراء الموجة الصاخبة ؟
ما أراه إن موقف عدد من الشعراء في العراق من قصيدة النثر لم يكن يتجاوز أن يكون موقفاً شخصياً، أي حين نجعل منه موقفاً عاماً، نتجاوز الواقع الذي كان ونتجاوز الحقيقة أيضاً.وهذا الموقف الشخصي ، مصدره طبيعة الوعي الجمالي وليس سواه، حيث حاول بعض الأدباء أن يجعل منه موقفاً فكرياً، وهذا تشدد في غير محله، إذ كتب أكثر من شاعر مهم في العراق، وكانوا من رموز الموجة الصاخبة ، قصيدة النثر وأذكر منهم سركون بولص، كما أن فاضل العزاوي كان يكتب قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر في آن واحد، ولم نكن على قطيعة مع منابر قصيدة النثر في القراءة والحوار، وعلى الصعيد الشخصي كنت أحرص على اقتناء وقراءة مجلة شعر اللبنانية، وأذكر أنني حين سافرت إلى إسبانيا أهديت مكتبة اتحاد الأدباء مجموعة شبه كاملة منها، لا أدري إن مكثت طويلاً على رفوف المكتبة، أو امتدت إليها أيدي الخيرين لتحرر المكتبة منها، وما ينبغي الإشارة إليه إن العوامل التي أنتجت قصيدة النثر تركت أثراً على قصيدة التفعيلة، سواء في شيوع تفعيلتي المتقارب والمتدارك وهما على الصعيد الإيقاعي أقرب إلى النثر، أم التساهل في استعمال الجوازات العروضية وتغليب الإيقاع على التفعيلة ، وهذا ما اتسمت به قصيدتي منذ مجموعتي الثانية” لغة الأبراج الطينية” واستمر هذا الخيار في كثير من قصائدي حتى الآن، حتى أن بعض المتسرعين عدَّ ذلك من الخروقات العروضية، مع أنني على معرفة دقيقة جداً بالعروض في أدق تفاصيله، بينما كنت أفيد مما ذهبت إليه بشأن الإيقاع إلى ثراء موسيقى القصيدة وخلخلة بعض ما كان يعد من ثوابتها، ليس بهدف الخلخلة وإنما كان الهدف هو المزيد من الحيوية والإضافة والتجديد.
* ما تقوله الآن يجعلني أتطرق إلى أمر مهم فقد اختلف الشعراء العراقيون حال غيرهم وأقصد هنا الستينيين، فنفر دعا إلى الالتزام بالتراث وآخرون حاولوا ركوب موجة الحداثة، باعتقادك هل ثمة تصورات ورؤى تقف وراءها دوافع سياسية يومذاك؟
ما ميّز الشعراء الحقيقيون في هذه المرحلة تحديداً، إن المقوم الجمالي بات أكثر تأثيراً من المقوم السياسي، ونحن نعلم إن السنين التي سبقت حيوية الموجة الصاخبة كانت سنين صراع سياسي حاد، لكن ما كان يمكن ملاحظته إن تجمعات المقاهي الأدبية في بغداد وفي غيرها من المدن أيضاً، كانت تضم اتجاهات فكرية مختلفة أكثر مما هي سياسية لأن الكثيرين إلا باستثناءات محدودة جداً، كانوا قد غادروا عملهم الحركي في الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها، لكن الحوارات التي كانت تدور في تلك اللقاءات لم تبتعد تماما عن الخلافات ذات الدوافع السياسية، وقد تحدث عن هذا الأمر صديقي الشاعر الكبير سامي مهدي في كتابه” الموجة الصاخبة” بشيء من التوثيق ، وكانت النزعة التراثية تتداخل مع ما وصفها السؤال بموجة الحداثة ، بل بلغت حد التكامل وبخاصة بعد هزيمة الخامس من حزيران في العام 1967 .لكن ما ذهبت إليه لا يعني إن المؤثر الفكري قد غاب تماماً، بل استمر حضوره في النص الإبداعي ، غير أن تعدد هذا المؤثر كان من عوامل تعدد مكونات القصيدة، وتعدديتها كذلك.

* أود أن تحدثني عن أهمية مجلة شعر 69 وما أحدثته من ضجة ، كيف رأيتها يومذاك ؟
ربما كانت مجلة شعر 69 محاولة لأن تكون المجال التطبيقي لما يمكن تطبيقه من أفكار وتطلعات وردت في البيان الشعري، وبالمناسبة أقول، لم يكن لي أي دور مهما كان هامشياً في مشروع إصدارها، لأنني لم أكن على أية معرفة بالبيان الشعري، وعلى أية مرحلة من مراحل مناقشة أفكاره ومن ثم كتابتها، ولم أطلع عليه إلا بعد نشره، ولم أكن متعاطفاً مع ما ورد فيه من أفكار وتوجهات، غير أنني لم أقف موقفاً سلبياً من الحملة التي استهدفته ومعه مجلة شعر 69 ، لأنني أدركت أنها تستهدف كل ما هو جديد ومختلف وللتاريخ إن من قاد تلك الحملة أدباء وسياسيون بعثيون وشيوعيون وقوميون وآخرون ممن يستهويهم الضجيج، جمعتهم النزعة المحافظة، وقد كتبت ضد تلك الحملة عددا من المقالات التي نشرت في جريدة الثورة، ويمكن الاطلاع على بعض منها في كتاب ” الموجة الصاخبة” ونشرت قصيدة في العدد الأول أو العدد الثاني من مجلة شعر 69 ، وحين تصاعدت حملة الدعوة إلى إيقافها وكانت تصدر عن المؤسسة العامة للصحافة، اتصل بي رئيس المؤسسة أيامذاك الأستاذ منذر عريم، وعرض علي أن أكون رئيساً لتحريرها عسى أن يدفع عنها هذا الإجراء نية إيقافها، وظهر اسمي كرئيس للتحرير في العدد الرابع وهو الأخير، وكانت مواده معدة للنشر، فلم أراجعها وظهرت كما كانت معدة ومجازة من قبل، لذا من غير الموضوعية أن نتحدث عن أهميتها إلا في حدود توجهها الحداثي.أما الضجة فقد كانت مفتعلة ويتحمل وزرها أشخاص من الوسط الأدبي ، فيهم من كان يعد نفسه ونصه تقدميين، وفيهم من كان يحسب وما زال على جديد الشعر ، لكن أمثال هؤلاء يفهم الجديد ويريده على مقاس تجربته، مهما كانت ضعيفة وهامشية.

المقال السابقماذا تخبئ ماريا في القفص الصدري
المقال التالىحكايات السطوح
خضير الزيدي عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين عضو نقابة الصحفيين العراقيين عمل في الإعداد التلفزيوني معدا لبرامج ثقافية واجتماعية عمل في حقل الصحافة ( مجلة ألان الثقافية ..مجلة مسارات .. جريدة الاتحاد الكردستانية ) له إصدارات في الشعر والنقد الفني مجموعة شعرية أقفاص خارج الكلم....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد