هل أنقذت قمة العشرين في أوساكا الاقتصاد العالمي من الحتمية الاقتصادية ؟

 

ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت بريطانيا ساحة مراجعات حول تجربة ثرية كان لها ألأثر البالغ في تطوير العلوم الإنسانية عبر فروع العلوم الاجتماعية وإنقاذ الفكر الفلسفي المادي الذي أطلقته الماركسية قبل قرنين تم وسمها بمدرسة الماركسية الثقافية البريطانية وتضم أسماء ساطعة مثل ستيورات هول وريتشارد هوغارت وريموند ويليامز وغيرهم مقابل مدرسة فرنكفورت الألمانية والتي سبقت اليساريين البريطانيين إلى بناء منهجية نقدية صارمة بعقدين على الأقل وتضم أسماء ساطعة مثل ثيودور أدورنو وماكس هوركيمر وهيربرت ماركوزة انتقل هؤلاء إلى الولايات المتحدة في الأربعينات التي أعطتهم مساحة معرفية وقدرة انتشار هائلتين استفادوا من الماكينة الثقافية الأميركية الجبارة مقارنة برفاقهم البريطانيين الذين عاشوا تجربتهم بين دمارين الحرب العالمية الثانية والتاتشرية النيوليبرالية في وقت كانت فيه الإمبراطورية البريطانية قد فقدت أسنانها وتحولت إلى جزيرة باهتة من البر الأوربي.
كلا التجربتين تحطمتا طاقتهما بعد سقوط جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي، خصوصا وأن التجربتين كان انطلاقهما من الفكر الفلسفي المادي رغم ذلك تمثل ثورة مفاهيم كسرت فيه الحدود بين التخصصات المعرفية الضيقة كالفلسفة والتاريخ والاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة والفنون واللغة، ولأول مرة أصبح الحديث عن ممارسة معرفية عريضة عابرة لأبواب العلم في رؤية الأشياء والأحداث والعالم، وفوق هذا أطاحت المدرستان التفريق الملفق بين ثقافة عليا رفيعة وأخرى شعبية وضيعة، وجعلت الصعيد الثقافي واحدا وإن ضم تمثلات متفاوتة.
المدرسة الماركسية الثقافية البريطانية تمحورت حول العوامل الاقتصادية والسياسية من أنها غير كافية لفهم التحولات في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فيما قدمت مدرسة فرنكفورت الألمانية إسهامات لافتة حول دور العوامل الثقافية والأيديولوجية في الحياة الاجتماعية المعاصرة، وهناك مدرسة إيطالية تسبق المدرستين قادها المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي حول تثوير الفكر الماركسي وتوظيفه أداة معرفية شاملة الطابع لتحليل المنهجيات العملية التي تلجأ إليها الطبقات الحاكمة في فرض هيمنها على المجتمع، إلا أن الهزيمة القاسية التي لحقت باليسار الإيطالي ما بعد الحرب العالمية الأولى أدخلت غارمشي السجن وقتله ووقف نشر أعماله حتى السبعينات من القرن الماضي تسبب ذلك كله في تأخر إطلاع المدرستين على التجربة الإيطالية المثيرة للاهتمام.
ما جمع بين المدارس الفكرية الثلاث رفضها الحتمية الاقتصادية، فتوجه مدرسة فرنكفورت نحو تحويل الكتل الشعبية إلى مستهلكين سلبيين للأفكار، فيما ترى الماركسية الثقافية البريطانية رغم اعترافها بسيطرة الطبقات الحاكمة على معظم الإنتاج الثقافي، لكنها ترى الأمور من وجهة نظر متلقي ذلك الإنتاج وأن يستجيب المتلقي بصفة نقدية بطرق مبدعة لتتحول إلى الثقافة في عرفها ساحة مواجهة بين الجانبين لا يمكن حسمها بالمطلق لصالح أحدهما.
استعانت أمريكا بتلك الأفكار في بناء برامجها لاستهداف مجتمعات تسعى امبراطوريتها لمد مظلتها فوقها لا سيما خلال الحرب الباردة وما تلاها من ثورات ملونة.
كما حاولت أمريكا الاستعانة بتلك الأفكار خصوصا مع اليابان عندما كان اقتصاد اليابان يساوي 5/7 من اقتصاد الولايات المتحدة عام 1994 واتجهت لمواجهة الصعود الياباني بتنمية الاقتصاد الصيني ولم تكن الصين ضمن الاقتصادات العشرة الكبار حتى تبنت إصلاحات اقتصادية عام 1979 وفي عام 1988 احتلت المركز الثامن ثم صعدت إلى المركز السادس عام 2000 ثم إلى المركز الرابع عام 2007 فالثاني عام 2010 ولكن كان ثلث الاقتصاد الأمريكي، فيما استمر في المركز الثاني ولكن تقلصت الفجوة وأصبحت الصين تمثل ثلثي الاقتصاد الأمريكي في 2018، مما جعل الولايات المتحدة تخشى من الصعود الصيني.
مجموعة العشرين تأسست في 25 سبتمبر 1999 لرسم مستقبل الاقتصاد العالمي بهدف تعزيز الاقتصاد العالمي وتطويره وإصلاح المؤسسات المالية والدولية وتحسين النظام المالي وتركز على دعم النمو في العالم وتطوير آليات فرص العمل وتفعيل مبادرات التجارة المنفتحة، والجمع بين الأنظمة الاقتصادية للدول النامية والصناعية.
عقدت قمة العشرين في أوساكا في 28/6/2019 التي تتألف من 19 دولة إضافة إلى الاتحاد الأوربي تستحوذ على 75 في المائة من التجارة العالمية و 80 في المائة من الاستثمار العالمي، وتستحوذ على 85 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، تضم 66 في المائة من سكان العالم.
عقدت قمة العشرين في ظل توترات تجارية، ومدى الالتزام بالمعاهدات الدولية وبشكل خاص مؤتمر المناخ الذي عقد في باريس عام 2015 لحماية البيئة وإصلاح منظمة التجارة العالمية وحماية التجارة الحرة.
استبق تشي رئيس وزراء الصين لزيارة كوريا الشمالية لترتيب اللقاء الذي عقد بعد القمة بين الزعيمين الكوري الشمالي وترمب، نتج عن ترتيب اللقاء بين الزعيم الكوري وترمب هدنة بين ترمب وتشي في وقف زيادة الرسوم بما فيها رفع الحظر عن هواوي في المقابل بكين تشتري مزيدا من المنتجات الزراعية الأمريكية وفتح السوق الصيني بعدما خففت قيود الاستثمار الأجنبي في قطاعات أبرزها التنقيب والغاز والتعدين.
الفائض التجاري بين الولايات المتحدة والصين في تصاعد لصالح الصين رغم القيود الجمركية، والرسوم الجمركية بدأت تهدد الاقتصاد الأمريكي بفقدان مليوني وظيفة وتراجع النمو خصوصا وأن ترمب مقبل على انتخابات في 2020.
فالعالم مترابط المصالح وكان هناك ترحيب واسع في قمة العشرين باتفاق تجاري تاريخي بعد مفاوضات استمرت 20 سنة بين الاتحاد الأوربي وميركوسور لدول أمريكا اللاتينية، وكذلك الآسيان سيحقق اتفاق التجارة الحرة في نهاية 2019.
قمة العشرين دافعت عن التعددية والتجارة الحرة دون انتقاد الحمائية التي اتبعتها أمريكا، والاستعداد للاقتصاد الرقمي، وكان هناك مسار أوساكا حول الاقتصاد الرقمي وأهمية الضوابط الدولية لترتيب الاقتصاد الرقمي ووضع القواعد المناسبة لإعداد المجتمعات لما يعرف بالمجتمع الخامس.
يتعلق بالتدفق الحر للمعلومات، ومناقشة حقوق الملكية الفكرية، وخصوصية حياة الأفراد، وحماية البيانات المتعلقة بالكيانات الاقتصادية والتجارية والمالية، والنمو الكاسح للمعلومات والبيانات لما يعرف بالذكاء الاصطناعي والأتمتة، وتكنولوجيا الأشياء المسيرة ذاتيا والقادرة على التفكير الذاتي المتعلق بدورة الإنتاج، فقمة العشرين ثارت على الحتمية الاقتصادية ورفضتها بالإجماع.

السعودية و

لا تعليقات

اترك رد