سارقُ النار سارقٌ للمعرفة

 

ربما سمع معظما بالخطيئة الأولى وسقطة آدم وحواء وربما يعرف الكثيرون أن ثمن تذوق تفاح المعرفة كان باهظاً ولدى الإغريق ما يشبه تلك الخطيئة وتلك السقطة الكبرى وذلك الثمن الباهظ الثمن . يبدو أنه منذ الخليقة الأولى كانت المعرفة والإدراك من محرمات الكون والخلق الأول .
يحكى أن الآلهة الأولى وزعت تعمير الكون على أنفسها وكانت الأرض من نصيب بروميثيوس فأراد أن يجعلها بأجمل صورة وقرر أن يكون البشر على صورة الآلهة فاستعان ببعض الآلهة فجبلوا الحمأ المسنون وصاغوا منه الإنسان الأول والثاني والثالث والرابع وتفنن في تكوينهم وصناعة قاماتهم وجمال الوجوه والشعور والعضلات المفتولة والعيون الجميلة . وفرح الإله بما صنعت يداه وأغرته صلوات البشر الشكورة كل صباح فرأى أن يزيد من فرحتهم وشكرهم بأن يقدم لهم النار وكانت الناس مقدسة ومحرمة على غير الآلهة . لكن بروميثيوس كان مأخوذا بنشوة المبدعين حين أتى الموقد الأعظم فأخفى قبسا منه تحت ثيابه ومضى إلى خلقه فبهتهم بما أتاهم وعلمهم إيقاد النار في الحطب الهامد.
ثم أشعل الإنسان النار ووصل الدخان للسماء وشم زيوس الرائحة وعلم بالخيانة فاحمرت عيناه وزلزلت الأرض زلزالها واهتزت عروش الآلهة واستدعي الجميع إلى “مجلس تأديبي” إلهي . ثم أحضر برمومثيوس ملطخا بالأوحال مغلول اليدين ممزق الثياب . وخلصت الآلهة بحكم فحواه يقضي بأن يربط برومثيوس سارق النار إلى صخور جبال القوقاز العالية على أن يخصص زيوس نسرا قويا يمزق صدره كل صباح وينهش كبده وإذا حل الليل شفى جراحه وبدل كبده ليعود النسر إلى تمزيقه في الصباح التالي.
الويل ثم الويل لسارق النار .
من ذا يتجرأ على مغالبة الآلهة ؟
من ذا يتجرأ على تخليصه من العذاب ؟
ويستمر برمثيوس في عذاباته آلاف السنين إلى أن يأتي هرقل ابن زيوس فيقتل النسر ويفك أغلال وقيود الإله . يستشيط زيوس غضبا من فعلة هرقل لأن حقدة لا يذوب مع الأيام ويقسم أن يكيد للبشر ويذيقهم أشد العذاب . فيبعث لهم فتنة الأنثى .وتبارى الآلهة في إيداعها كل ما يمتلكون من فنون حيث الجمال الغاوي والثرثرة والحب والفضول ثم منحها الإله هرمز قلب كلب ونفس لص وروغة الثعلب واتفق الجميع على تسميتها ” بندورا” .
كانت غضب الآلهة من برومثيوس ليس منبعه سرقة النار وإنما سرقة المعرفة .
يتجرأ على سرقة المعرفة ؟
من يتجرأ على امتلاك التكنولوجيا ؟
ربما كان سبب غضب الغرب من إيران و هواوي الصين وغيرهم من طلاب المعرفة .
ممنوع أن يمتلك المعرفة غير الآلهة . والنار رمز للمعرفة يمكنك أن تفعل بها ما تريد .
حملت الآلهة هديتها الفاتنة لبرومثيوس فرفضها غير شاكر لها صنيعها . لكن أخاه أبيثمون أقنعه أن لا يرفض هدية الآلهة وأن يتوجها زوجة له .
وفي أحد الأيام أرسل الإله الحقود زيوس صندوقا كهدية للزوجين مصنوعا من الخشب الثمين وطلب أن لا يفتح إلا بإذنه .
سألت بندورا نفسها وماذا في الصندوق ؟
لكنها لم تجد جوابا . كانت تسمع في داخله أصواتا مبحوحة تهمس أنقذينا أنقذينا .
ألقت بندورا الصندوق على الأرض فانكسر وخرجت منه خفافيش سود تعربد في أرجاء الغرفة وتعض بندورا حيثما استطاعت إلى ذلك سبيلا . وبدأت الخفافيش تصيح :
أنا المرض ..
أنا الفقر ..
أنا الجوع ..
أنا القحط ..
أنا النفاق..
أنا الطمع ..
وأسرعت بندورا المليئة بالجراح تغلق الصندوق لكنها لم تستطع أن تغلقه إلا على فراشة صغيرة متعبة حزينة . وعندما سألتها بندورا من تكونين ؟ أجابتها : أنا الأمل. في حين انطلقت باقي الخفافيش سابحة في الفضاء الواسع توزع الشرور على البشر .
وحين عاد الزوج أبيثمون فتح الصندوق مرة أخرى فخرجت منه فراشة الأمل تشفي جراح بندورا وتأسوا جراح البشر إلى اليوم .
إنها نار المعرفة ويل لمن يقترب منها أكثر من اللازم وويل لمن يبتعد عنها أكثر من المسموح به.

المقال السابقلمصلحة من هذا الهجوم الظالم
المقال التالىرحيل
محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية / رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / حاليا رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط. كا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد