أزمة الجزائر أو حين غابت الدولة – الأمة وحضرت ” الدولة – السلطة ” !

 

طرح وعي الشعب المنفصل ببزوغه ومسار توهجه الحَراكي الثوري، عن مسارات التنشئة السلطوية والقاطع مع الممارسات الحزبية لتعددية ما بعد أكتوبر 1988 المنتكسة، إشكالا على صعيد الطبوغرافية السياسية للبلد، في ظل احتكار السلطة للوعي والعمل السياسيين منذ الاستقلال، وذلك حين استقل بمطلبيته عن كل موازين العمل السياسي التي حاولت بعض النخب السياسة اختلاقها حتى تجعل منها مرجعية “موضوعية” يُحتكم إليها ي الحوار كمخرج للازمة، يقتضي التنازل من كل الأطراف، علما أن كل تجارب الأمم عبر التاريخ، تشهد بأن الشعوب وحدها من لا يلعب سياسة ولا يتلبس خطاب الوطنية، عند الأزمات الوجودية الكبرى التي يعلم الجميع يقينا أن أصل مأتاها ومسلكها تظل عادة مواخير القمار السياسي والنفاق الوطني المظلمة لجماعات ترتهن كل عناصر المسألة الوطنية من أجل أغراض ومصالح ضيقة لأفراد ولوبيات في الداخل والخارج معا، وحين تضعف إرادة الشعوب لسبب أو لآخر، وتغدو معزولة عن رحى الصراع أو عزلاء لا تمتلك سلاح الحسم إلى حين، يطغى الفساد السياسي ليتحول إلى فساد كامل وشامل يهدد مصير الأمة بكاملها ويغدو مؤشرا، إما على انهيار الكيان الوطني برمته، أو نهاية طغوى ذلك الفساد بدحر أهله عبر ثورة شعبية عارمة، أو الاثنين معا، مثلما هو واقع حال الجزائر في حَراكها الثوري الذي بلغ شهره الخامس، في ظل حالة العجز التاريخي عن الخلاص من الدولة – السلطة التي برزت مع الاستقلال، والانتقال إلى الدولة – تلك الأمة التي استشكل على الجزائريين رسم ظلها ماضيا وحاضرا !

وقفزا على شرارة الأولى والرئيسة لهذا الحراك الثوري، وسببية اندلاعه التي يتفق الجميع على أن ثلاثي الأبعاد، تغييب الشعب، طغوى العصب وتخلف النخب يظل مرجعها الرئيس، فإن السؤال الأكثر إلحاحا وانطراحا هو ما يختص بطبيعة هذا الاختلاف في سلم أولويات الحل

الذي يزخر به الخطاب السياسي الوطني في استثنائية لحظته الحَراكية هاته، فيما بين مطالب بإنقاذ الدولة (بعد اختزالها في السلطة) بحسبانها صمام أمان الوطن، في حين يطالب البعض بإنقاذ الأمة من خلال تحرير الدولة من نظام تهالك وتهاوى بفعل سنين تقلب في تداولها الوعي دون أن ينقلب النظام؟

أولوية إنقاذ “الدولة- السلطة” أم إنقاذ الوطن؟
القائلون بأولية إنقاذ الدولة – السلطة من خلال التعجيل بانتخاب رئيس جديد، ينطلقون من قناعة مترسخة لديهم بأن الوعي الوطني إنما نما وتطور على أساس السلطة المركزية التي تتأسس أو تتجسد في شخص الرئيس مذ تم تكريس الكاريزما الزعامتية الكاذبة لشخص بن بلة ومن تقفى أثره، في ظل غياب أو تغييب ثقافة المؤسسات، وعليه فإن أي استطالة للفراغ الحاصل في أعلى هرم السلطة، سيجعل الدولة مهددة بالانكسار وبالتالي قد تمتد شروخ ذلك الانكسار لتصل إلى مفاصل الأمة بكاملها.

في حين وإن تفهم المعارضون نسبيا لمنطق هذا الطرح، إلا أنهم يؤكدون بأن الدولة التي يسعى هؤلاء لإنقاذها هي في الحقيقة ليست سوى سلطة ظاهرة لنظام متخف يتجدد مع كل أزمة تضربه في صميم تداعيا لتطور الوعي وتغيير حال السياسة في الداخل والخارج، وبالتالي تقتضي الحاجة إلى الإجهاز عليه عدم تمكينه من إعادة بناء هرمه المقلوب، بالدعوة إلى جمعية تأسيسية يكون من أوكد مهامها إعادة صياغة دستور جديد وقوانين تنظيمية تمنع الرئيس الجديد من أن يرث الصلاحيات الإمبراطورية التي منحها بوتفليقة لنفسه عبر التعديلات الدستورية المتتالية سمحت له في الأخير بوضع خيرات ومقدرات ومصير الأمة في يد الفاسدين والمفسدين في الداخل والخارج معا.

حالة انفصال بين الدولة والوطن منذ 1962
هي إذا حالة من الانشقاق في الرؤى كرستها الخطيئة الأولى للعسكر مذ اختطفوا الشرعية سنة 1962 باستراقهم للسلطة وجعلها فوق الدولة، واستبقاء الشعب بعيدا عن حقه في تقرير مصيره ورسم مشروعه الوطني.

إن أزمة الجزائر لتفتأ تتجلى من هزة إلى أخرى بكونها تتلخص في أولا حالة الانفصال العضوي بين الدولة (المخطوفة) والشعب، وحالة الانفصام داخل منظومة السلطة بظاهرها وباطنها المشكلة لهاته الدولة، وهكذا نشاز في التشكل لمنظومة الحكم وعلاقته المستريبة بالشعب، ظل مصدر قلق متواصل ومستمر للمجتمع يحول دون بناء نسق وطني موحد منبثق من إرادة جماعية مكتملة.

من هنا تتبدى شرعية استرابة كلا النظرتين لحل الأزمة بين قائل من فوق هرم مقلوب وقائل بالبدء من قاعدة الهرم الطبيعي، فبادرة العسكر الخطيرة سنة 1962 وما تبعها من إرادة لاستبقاء الأمة في لحظة استقلالها القلقة الأولى من خلال التسويق المستديم لخطورة تفعيل الاختلاف والتنوع بوصف المجتمع غير واع بأبجديات ممارسة هذين البعدين، أدى إلى حالة الاحتباس الحَراكي فيما بين سلطة متعنتة وشعب مصر.

النخب منقسمة بين الدولة والشعب وإيديولوجية اللا انتماء !
عدا قلة من المثقفين الملتزمين الذين تنازل بعضهم حتى عن وظيفته الجامعية احتجاجا على الحجر الممنهج على المثقف في عملية البناء الوطني، فإن الكثير منهم رضي بأن يكونوا مع خوالف الصفوف، ما أسقط المعرفة كمحرك موضوعي للدينامكية الحضارية للمجتمع. والحقيقة ليس سقوط النخب المثقفة في ملحمة البناء الوطني في الجزائر، وليد أزمة الحراك الثوري اليوم، وإنما تضرب بجذورها في عمق تجربة الحركة الوطنية وكرستها فترة الاستقلال أو الاستقلاب الوطني، فإذا كان التاريخ في جدلية موضوعاته قد تركز نقده على البنية

الهوشاء في صراع ثنائيات الأوليات التي نص عليها مؤتمر الصومام سنة 1956 وأبرزها أولية السياسي على العسكري والداخل على الخارج، فقد جسد غياب المعرفي أو المثقف عن سلم الأوليات تلك، حالة الإقصاء الضمني للعقل في مشروع إنجاح الثورة في مزدوجها الوظيفي، الهدم (الاستعماري) ثم البناء (الوطني) ما أعاق نمو السياسة والاقتصاد والمعرفة نفسها في فترة ما بعد الاستقلال، لكن ما يظل حري بالتساؤل والتأمل هو استدامة هذا التخلف غير المنطقية وغير المبررة للمعرفي وقبول النخب المثقفة السير خلف السياسي الكلاسيكي حتى في ظل عجز هذا الأخير من خلال مشروعه عن إنتاج نخب سياسية عارفة تستطيع أن تنتج معنى موضوعي للوطنية خارج السياجات المقيتة للخطاب الوطني المتهالك.

لقد كان الولاء ولو بالسكوت والتوجس لنظام بوتفليقة من قبل نخب عجزت عن قراءة التاريخ الوطني وخطيئة تخلف مثقف السلف عن صدارة قيادة المجتمع أو كسر سلم الثنائيات أو على الأقل الانخراط فيه وتحويليه لأولوية الثلاثيات، بمثابة الهزيمة الرابعة لهاته الشريحة، بعد هزيمة الثورة 1954، ثم الشرعية 1962 والتعددية سنة 1989 حيث ظل الفاعل الحقيقي ينتقل من السياسي القديم إلى العسكري الكلاسيكي.

وليست تقف نكسة النخب في مجرد القبول بالاحتواء السلطوي لها، بل يمتد إلى أزمتها الذاتية في ارتكاسها الخطابي والمنُتج المعرفي المفسر أو بالأحرى المفسد للتاريخ، للحالة الإيديولوجية وتكريس خطاب اللا انتماء بحجة فشل مشروع السلطة، لكن في حقيقة الأمر هذا ما أسهم في ديمومة مشروع السلطة الذي يملأ فراغات المعنى الحاصلة بفعل التنافر الإيديولوجي، ويجعلها تطرح نفسها بمشروعها التلفيقي الماتح من كل حدائق النخب، بديلا توحيديا وموحدا للأمة، ولأدل على ذلك من عديد الصراعات حول الرمزيات، كالعلم، اللغة، الدين، وقانون الأحوال الشخصية التي تتطرف فيها النخب المؤدلجة، وتقف فيها السلطة موقف الجامع المانع من التشتت والاختلاف على مستوى الشعب.

الشعب والاستقلال في الوعي !
الحقيقة الموضوعية الأخرى هو أن وعي الشعب قد نما وتطور بمعزل عن خطاب السلطة ومشروع مجتمعها البائد بما في ذلك مشروع تعدديتها الحزبية المنتكسة، وفق نسق متسارع ساهمت فيه المتغيرات الجيوسياسية والدولية وانفجار التكنولوجيا المعلومات، دون التغاضي عن ذكر محصلة تراكم التجربة التي خاضها في صراعه على حقوقه مع السلطة، وهاته الأخيرة التي لم تجد الأدوات الموضوعية لتحقيق الانتقال لا من حيث المشروعية ولا المصداقية ولا حتى على صعيد المشروعاتية أي منتج الخيال السياسي الناضب مع توالي العقود، وبالتالي تكلس الوضع وانكمشت السياسة في الجزائر موضوعا ومعرفة وممارسة.

المقال السابقرحيل
المقال التالى” مَنُو يِقْرَه مَنُو يُكْتُبْ “!!
بشير عمري كاتب صحافي جزائري.. يشتغل على نقد الخطاب السياسي، بالإضافة لاشتغاله في حقول الأدب والفن نقدا وإبداعا يكتب في القصة القصيرة والرواية... عمل بالعديد من الصحف الجزائرية، ويساهم في عدة دوريات عربية وأجنبية. حامل لدبلوم في الاقتصاد التربوي، من المعهد التقني للتسيير. صدر له: 1) حول ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد