سأجفف البحر حتى لا تسرقكِ مني سفن الرحيل

 
سأجفف البحر حتى لا تسرقكِ مني سفن الرحيل
لوحة للفنان جبر علوان

لا تلوموا أحداً إن رقص حافياً فوق الجمر، فهو وحده يعرف كم في الحب من حرارة.
منذ زمن وهي تترسخ في ذاكرتي مثل وطن ،تمر الليالي وعينيَ ساهرةٌ، تأبى الرقاد ولا ترعى غيرها،وأنا اختصرت فيها كل النساء لأنها مدهشة كليلة القدر، فهي لن تغيب عن ذاكرتي،لأنها أنا ولأنني هي.
الروح عطشى، تحن إلى بحار عينيها، والقلب جامح أكثر من جموح نسر، يبحث عن مرابع ليلها الشهي، كي يغدق عليها من لواعجه أشهى مذاقات الحنين.
البارحة، رأيتها من بعيد، فرأيت مدينة تتلألأ فوق جبينها،حينئذ لم أبق في مكاني، وإنما رفرفت فوق نداوة الهواء العليل، وحين أعادت لبلابلي عذوبة إنشاد التغاريد، اقتربتُ منها، فشممتُ الرياحين تفوح من تلال صدرها.
نظرتُ إلى ثمارها، فرسمتُ تفاصيلها بجملة واحدة، نظرتُ إلى عينيها، فصار الشوق عنيفاً بين قبلتي المتوحشة واخضرار عينيها، تمنيت في تلك اللحظة، لو أستطيع أن أجفف البحر، حتى لا تسرقها مني سفن الرحيل.
نظرتُ إليها مرة أخرى، فغمرني سرب من الضوء ،وتتفتحت المروج أمامي.
بغتة قلتُ وأنا أكتبها أجمل قصة وفاء في زمن تزدهر فيه الخيانة:
ـ رذاذات الشلالات أنتِ، واخضرار الداليات أنتِ، ولا غيركِ يا توأم الروح، تستطيع أن تكون حديقتي الوارفة بأبهى الأزاهير.
أرسـلت يدها الطرية ببطء إلى كفي الخصيب،وأنا رسمتُ الدفء المتولد منهما ، عندئذ، ابتسمت وهي تنظر إلى عينيّ، فلم أعرف هل هي ابتسامتها أم ابتسامة القمر.
نظرتُ إلى ثغرها بحذر شديد، كي لا أرتجف ارتجاف أوتار الكمان ، غير أنني قلتُ:
ـ قبل قليل كنتُ نائماً وأحلم بكِ، لكن وجهكِ أيقظني وهو يغزوني ويحتل الدم في شراييني، وكان صوتكِ، يملؤني ويحولني إلى نورس يحلق في فضاء بعيد.
همست لروحي همساً شهياً ،فتوهجت روحي من بهجة الهمس، ثم قالت وورود خديها تبتسم للنسيمِ، والنسيمُ من فرحته يطير:
ـ ما رأيكَ لو ندخل مدائن الروح، ونعيش لحظات أبهى من ليلة العيد، ومن ألوان العناق.
نظراتي كلها انزرعت في عينيها:
ـ في عينيكِ وفاء دافئ كأنه دفء الأمومة، وكلما ألق عينيكِ يطل على ضفافي، يدواي جرح مسافاتي وكل جراحي، ليتني كنتِ رساماً كي أرسم بسمة عينيكِ فوق بسمة القمر.
اكتست بالفرح والحنان فوشوشت:
ـ لو عرفنا أَنت وأنا كيف نعيش، فستكون أيامنا رحلة عشق فوق أزاهير الربيع.
رأيتُ فيها كل الطيبة:
ـ أنتِ الروح التي أتنفس بها ،أنتِ مثل أرض رحيمة، صاحبة عطاء وخير، وطيبة مثل أم وغالية مثل روح.
فجأة ارتمت في أحضاني، ومع دفء الأحضان ،حلقنا فوق غمائم الأفق، ورسمنا ضوءاً خافتاً ،ودفئاً حنوناً ، وعلى إيقاع دقات قلبينا، عزفنا مئات الوشوشات والآهات.
ثم ودعنا بعضنا البعض على أمل اللقاء، لكنها غابت وأشعلت في أعماقي كل المرايا، ولم تغسل وجهي بضوئها، وظلت الأقمار لا تومض بدمي.
من غيرها تنطق حناناً وعذوبة ،هي وحدها ينبوع فرح يركض في ضفاف العمر ويبشّر بفرح كبير، لكنها الآن مثل النهر المسافر دائماً، ولو شاهدتُ قطرات الندى فوق نافذتي فسأعرف أنها قد جاءت.

لا تعليقات

اترك رد