المستشرقين وكتابة التأريخ


 
المستشرقين وكتابة التأريخ

يزاد تعجبي سنة بعد أخرى من القصور الذهني والغباء التحليلي وتحجر الفكر وأحادية النظرة في كتابة التأريخ من قبل أكثر الأساتذة الذين يحملون شهادات عليا و المبنية في أغلب الأحيان على ماأورده الأقدمون وخاصة من الذين تنعموا بأعطيات الحكام وعاشوا على فتات موائدهم ليحسنوا صورتهم وهذا مايجري الآن في عصرنا بين رجال الأعلام من مسلمين وعرب الذين يخلقون من مجرم حرب وقاطع طريق وسفاك دم ليحولوه الى قائد قومي عظيم يحي مجد الأمة العربية أو يحرس البوابة الشرقية للأمة العربية والأخر الفاتح الأعظم للفكر الثوري في العالم والأخر لمجد الفراعنة والتالي ليعيد مجد هانيبال …والأخر محرر القدس وأخرهم خليفة المسلمين الذي سيعيد مجد هارون الرشيد وللأسف أن ما يتحلى به كتاب التأريخ من اساتذة الجامعة مسلمين وعرب هو جمود النظرة الأحادية واللجؤء للتبرير أوالكذب حتى لمجريات أمور وحوادث عشناها نحن أبناء القرن العشرين والحادي والعشرين فعملية التزوير بوقاحة ونذالة ستكون قائمة مادام هناك في الداخل والخارج من يدفع وماأحداث الثورات والأنقلابات التي جرت وتجري لهو دليل قاطع على أنهيار منظومة التحليل العلمي التأريخي في التنبأ بالحوادث مثلما تنبأ كتاب التأريخ الأوربي بذلك وقصور التحليل الشخصي المرتبط بحراك المجتمع وتقاليده , اتيح لي من خلال سفراتي أن التقي بالداخل والخارج العديد من كتاب التأريخ سواء أكانوا اساتذة في الجامعات أو متفرغين للكتابة , منهم من أحترم رأيه ومنهم من لايعرف كيف يفرق بين التراث والموروث و بين الفولكلور والتقليد ومنهم من يعتبر السيرة الذاتية للقادة والملوك هي التأريخ نفسه ومنهم من لايفهم اصلا في الحركات الفكرية العروبية والأسلامية التي غيرت خارطة المنطقة أنذاك وأشاعت فكرا حضاريا وأسلاميا وأقتصربحثه على سير فيها الكثير من المغالطات وهذه الحركات الفكرية يطعن بها من قبل كتاب التأريخ سنة وشيعة في حين مثلت في حينها حركة جدلية لثورات الفقراء والمستضعفين أنتهت بأنتصارهم على مستغليهم وحكامهم من القساة والجلادين لتبني مجتمع العدالة والمساواة وتقضي على الفقروالظلم , فلازال أخوان الصفا والمعتزلة والقرامطة والزنج والأسماعلية والمتصوفة وأخيرا البهائية خارج الدائرة أو المنظومة الفكرية الأسلامية رغم وجود بعضهم كفكر وبشر ليومنا هذا و ماقدموه من افكار ومعتقدات وحلول ناجعه لقضايا الأنسان والعدل والحرية …أن كتاب عصرنا وبالذات من السلفيين والحزبيين الذي يقدسون الحاكم والنص الجامد بأعتمادهم التفسير للأحداث على الأقدمين من كتاب التأريخ بدون تمحيص ومناقشة وكأن كتبهم وأخبارهم مقدسة لايجب المساس بها أو نقضها رغم علمهم بأن أولئك الكتبة كانوا قريبين من السلطان وأن عجزوا بمحاورة كاتب أو مستشرق فهم يلجأون للطريقة الملائية بالرد لنص قراني دون معرفة معناه ومنهم من يجعل القرآن الكريم كتاب للطب والعلوم والفلسفة في حين هو كتاب روحاني لبناء الأنسان أدبا وأخلاقا.

لقد أتهم كتاب التأريخ العرب والمسلمين بفعل ضيق الأفق المستشرقين الأجانب بتهم باطلة لاتسند على حقيقة علمية… تارة يصفوهم بالجواسيس وتارة بالمبشرين وتارة بالعملاء للمخابرات وأن صح ذلك فنحن طلاب العلم لايهمنا دينهم واصلهم ألم يقل الرسول محمد (ص ) أطلب العلم من الملحدين في الصين ولم يقل من المسلمين أو النصارى … أن مايهمنا هو ماخلفوه من أنجاز علمي للعرب والمسلمين وبالتالي هو كنز وأرث أنساني .فلازال كتابنا الفطاحل يبكون على الكتب التي أغرقها هولاكو بنهر دجلة واصبح النهر أزرقا لكثرة ما أتلف هذا الأحمق الشرس ونسوا أن هولاكو كانت تحف به جوقة من المستشارين الأذكياء….. ضمت المسلم والمسيحي والبوذي والهندوسي وأديان أخرى يمنحوه المشورة وسداد الرأي …. أن هولاكو لم يرم غير كتب المديح للسلطان والسحر والشعوذة وأحتفظ بكل كتب العلم والمنطق والفلك والهندسة والجبر والطب والأدب والا كيف بنت أوربا حضارتها على كتب مبدعينا التي استفاد منها هولاكو وباع منها بوزن يعادل الذهب الى أوربا التي نهضت من جديد على كتبنا وأرثنا العلمي… ولازالت تماثيل المبدعين العرب قائمة كشهادة لاتقبل النقاش بجامعات أوربا ليومنا هذا , ياترى … ألم يحرق حكامنا النشامى كتب المبدعين والنوابغ والعلماء في الساحات العامة ويدعوا الغوغاء من العامة بتهب دور العلماء…ألم تحرق كتب الهندسة على أنها طلاسم سحر وشعوذة ضد الدين …. ألم تحرق كتب الطب والمسرح والنحت والرسم التي ترجمت من اليونانية لأنها تعني الحرام و الألحاد .

أن الطريقة الملائية الساذجه في التحليل والطريقة الجبرية والقدرية التي تعلل كل شىء بفعل السماء وأن الأنسان مجبر لامخير وان الحوادث قدر لابد منه وهو نتيجة حساب لجريمة أو خطأ أقترف بالماضي… كل هذه الأفكار هي مايكتب به كتاب التأريخ من الذين أبتلينا بهم و الذين يحملون النظرة الآحادية الجانب مرتكزين على الجمود الطائفي والعنصري والتحجر المطلق والحساسية من كل مبدع أوربي , ياترى لولا المستشرق الفرنسي ( لويس ماسينون ) هل عرفنا الحلاج والمتصوفة واشعارهم الرائعة ولولا المستشرق المجري ( جولد تسهير ) هل عرفنا تأريخ كتابة وجمع القرآن الكريم وصحة الأحاديث النبوية التي لم يعرفها أي مسلم سواء أكان من الفقهاء أو العامة أو – المستشرق الألماني ( نولدكه ) الذي له الفضل في كتابة تأريخنا و(غوستوف لوبون )الفرنسي الذي أنصف حضارتنا الأسلامية كرد فعل للجاهلية في الجزيرة العربية أو( كارل بركلمان ) الذي كتب عن حركة الزنج والقرامطة وحركات فكرية أخرى أو المستشرق الفرنسي ( جاك بيرك ) الذي أنصف تأريخنا ولغتنا في القرن العشرين وكانت له مؤلفات رائعة تمجد الحضارة الأسلامية والفكر الأسلامي ومواقف أنسانية مشهوده له مع حق الجزائرين والفلسطينين وشعوب أخرى تتوق للحرية والأستقلال , لقد قدم هؤلاء المستشرقين خدمة كبرى للعرب والأسلام بسبب أبتعادهم عن السيطرة الكنسية وتأثيرات المسيحية معتمدين على المنهج العقلي والمنطقي في كتابة التأريخ عكس كتابنا الذين تؤثر فيهم العصبية القبلية والطائفية والمذهبية فيخسرون الحقيقة والناس ويندر أن نجد كاتب تأريخ عربي أكتشف لنا سرا حضاريا طيلة النصف قرن الماضي ماعدا المرحوم الدكتور طه باقر وأن وجد من يناقشهم ويفند مؤلفاتهم واقوالهم فيكفروه مثلما حدث مع الكاتب نصر حامد أبو زيد( رحمه الله ) وعبدالرحمن البدوي اللذان أتهما بالزندقة وتم أغتيال البدوي وكتاب أخرون من مصر , أو يلجأون للأزهر لأخذ صك التكفير دون أن يفهموا أن الأزهر وجد لتجديد الفكر الأسلامي وتنقيته من خزعبلات وعاظ السلاطين وليس محكمة تفتيش أسلامية لتحرق الكتب العلمية والفلسفية وترسل الكتاب للمحاكم لمقاضاتهم مثلما حاول البعض وكفروا الكاتب المصري نجيب محفوظ , أن عصرنا يشهد صراع كبير بين المحدثين من الكتاب والدعاة وبين السلفيين الذين بصمون اذانهم عن كل جديد في الحياة والعالم الذي نحن جزء منه بروزخونياتهم الطفولية الساذجة لحد تقديس المعلومات الخرافية بحجة أرتباطها بالسماء والا مايعني منع الكاتب المتنور نصر حامد أبو زيد من دخول الكويت بحجة كونه ملحد ويسمح لدخول الملحدين والجواسييس والصهاينة كأحرار وهو الذي حاز على التقدير والأحترام و ارفع الأوسمة والجوائز وكراسي التعليم في الجامعات العالمية ويهلهل لهذا المنع اصحاب اللحى المعطرة من مخانيث العصر السىء وكأنهم أفلحوا بعدم دخول الجنرال اليهودي( شارون) للكويت وهم أنفسهم الذين هللوا لدخول القوات الأمريكية الكافرة لكي تجتاح بغداد ويعيدوا تأرخ هولاكو من جديد لدولة مسلمة وعربية .

أين هم الكتاب العرب الذين أكتشفوا لنا حقبة منسية من تأريخنا وأرثنا الحضاري وماأكثرها …أين هم الذين يناقشون نصوص القرآن بروح علمية دون خوف من أئمة الفساد , أنهم يجترون مادرسوه منذ سنين دون التواصل مع الجديد في الثورات الفكرية بل ويرددون ما قرأوه قبل عشرون عاما لأنهم غنموا الشهادة وغرقوا في الأدارة أو التدريس الببغائي ولم نشاهد أحد منهم قدم دراسة علمية تستحق التقدير أو نال جوائز عالمية لبحث حضاري وأنساني بل وأن بعضهم يحيط به الجبن حين يكلف من قبل حاكم موتور بأن يغير كتابة التأريخ لأمور مذهبية أو طائفية أو حتى حزبية زائلة ولنا في أختلاق الأحاديث التي نسبت للنبي محمد (ص) عبرة ودرس ولنا عبرة في كتب المقبور خير الله طلفاح الذي جلب أساتذة الجامعة مع مجموعة صحفيين مرتزقة ليأمرهم بكتابة تأريخ العراق المعاصر والأسلامي من جديد وهو يعرف نفسه أنه الكاذب الأكبر لأمة ذاقت الهزائم في كل حرب وغير طلفاح الكثيرين من الكذابين الذين أبتلت بهم شعوبهم .

أن تنقية التأريخ هي مهمة صعبة تقع على أكتاف الشجعان من الكتاب والمؤرخين واساتذة الجامعة وفناني المسرح الذي بأمكانه أن يصحح ويرشد ويوقظ من الغفلة التي تسود السياسين والحكام , فكتابة التأريخ تقتضي الشجاعة بجانب الخزين الفكري الثري والثقافة العالية مع تفسير الحوادث وفق المنظور النفسي والأجتماعي والأقتصادي لكل عصر وهي محط أعجاب المفكرين والمثقفين والسياسين في العالم المتحضر.

أن للمستشرقين الأجانب فضل كبير في أكتشاف حضارتنا التي طمست بفعل أسباب كثيرة لايتسع الوقت لطرحها , فلولا علمية وشجاعة أولئك المستشرقين لماعرف العالم حضارة بابل وسومر وأكد وأشوروالحضر والفراعنة وأخوان الصفا والمعتزلة ولولا حياديتهم وصدقهم لما عرفنا الحقيقة الغامضة بفعل التعصب الأعمى الذي ساد وطننا العربي طيلى أربعة قرون ظالمة من الأحتلال العثماني الذي حاول بأسم الأسلام طمس هويتنا العربية الحضارية .فلازال الكثير من خريجي الجامعات العربية وفي العراق بالذات يدرسون وفق المنهج التلقيني والطريقة التقليدية في تفسير التأريخ وكتابة حوادثه وليس على المنهج العلمي الذي يضع الصراع الطبقي والأقتصادي والحروب والعولمة والطبيعة وفق أولويات التفسير والأستقراء دون أنكار لدور الشخصية السياسية القيادية فلولا لينين لما أفاقت روسيا من سبات طويل و ماوتسي تونغ لماعرف العالم الصين العظيمة التي تحولت من بلد فلاحين الى بلد صناعي جبار يمنح أمريكا القروض ولولا كاسترو وجيفارا لماعرف العالم كوبا ولولا عرفات لما عرف العالم بلد أسمه فلسطين ولولا ماندلا لما ظهرت للوجود دولة أفريقية تنافس أوربا في الأقتصاد والديمقراطية .

لا تعليقات

اترك رد