معمعة العقل و الدين ..《تشتت الأكسيولوجيا》

 

ما بين الدين والسلام قروناً تمضي و أمم تتقدم إلى الأمام و أمم تتأخر وترجع إلى الوراء متشبثة بذلك الماضي وتحلم بعودته مرة أخرى
فلا ضمير يتحدث بصوت عالي ولا عقل يتمرد على ذلك الواقع المزري المتخم بالجهل والتخلف فمن سوف يتحمل مسؤولية إخفاقات العقول؟ وسقوط الثقافة و إقصاء الوعي في المجتمعات العربية الإسلامية التي باتت تحتضر ثقافياً و اجتماعياً و اقتصادياً.
وفي الواقع أن هذا الوقت الذي يشوبه الاحتدام والتسلط و التوتر بين الثقافات و الأديان وما بين العقل والدين في أجزاء كثيرة وبلدان عديدة من الشرق الأوسط.
فمتى نرى السلام والحوار في تلك البقع الحوار المبني على الفكر الحر وأن يكون أساس التقارب بين الإنسان و المتدين و المختلف الأخر بكل أشكاله وأن يكون الرابط بينهما هي الإنسانية وليست الدين! فكل أنسان لديه حق في ممارسة ما يعتقد به ولا ضرر أبداً في أن المتدين يمارس تدينه وطقوسه الدينية وفي ذات الوقت المفكر يمارس التفكير والكاتب يمارس الكتابة والملحد يمارس حريته و المثلي يمارس مثليته من دون أن تتدخل قوة معينة تعتمد على قوانين(مقدسة!) عمرها أكثر من ١٤٠٠ سنة خالية من الدليل و مشبعة بالغيبيات تفرض على جميع هؤلاء بالقوة. فهل سوف يدخل التنوير إلى تلك البلدان؟

يقول المفكر والكاتب الأمريكي (هنري لويس منكن) الإنسانية هي أن تفعل ما هو صحيح بغض النظر عن ما قيل لك الدين هو أن تفعل ما قيل لك، بغض النظر عن ما هو صحيح.

وهنا علينا أن ننظر إلى الدول العربية التي أصبحت تصدر التدين إلى الدول الأخرى هل يوجد بها إنسانية؟

تلك الدول التي شهدت ولا زالت تشهد أعمال عنف دينية ذات أبعاد إبادة جماعية وقعت في عدة أماكن حتى باتت الإنسانية تصرخ كل يوم و تنزف دماً لعدم أكتراث الأنسان العربي لها و أنني أؤكد أن مسؤولية ذبح الإنسانية و تفشي الجهل المقدس في تلك المجتمعات تقع على عاتق الجميع وبالدرجة الأولى هم رجالات الدين والسياسة.

أشير إلى هذه الفئتين الدينية والسياسية لأنها المسؤول الأول عن تعليب الجهل و تغليف التخلف و تصديره إلى الشعب ومن ثم يصل إلى البسطاء السذج و قليلي الوعي.
١. الفئة الدينية: الدين بالإمكان أن يتحول إلى سلاح فتاك كمثل أن تخطب في ثلة من الناس العوام قائلاً لهم “الناس فقراء في الدنيا لا يهمّ!! لكن عندما يكون الإنسان فقيراً في الآخرة هذه الخسارة التي ليست بعدها خسارة!”
هذا ما قاله (أحمد الصافي) وكيل المرجعية بالعراق في إحدى خطب الجمعة هنا تتم عملية غسل الأدمغة بمساحيق الجهل المقدس حيث يصنع رجل الدين لنفسه شرعية كاملة في سرقة الأموال و محاكمة الناس بالوقت ذاته بل يستطيع أن يقول أن الإله! على سبيل المثال أوحى له بذلك… رجل الدين ماكر يستطيع أن يبرر جميع جرائمه و سرقاته بواسطة أدوات الدين ثم يقوم بعملية غسل أدمغة الناس وتلقينهم وفي كلام وكيل المرجعية المجرد من المنطق والعقل والدليل وتشجيع الناس بأن يتقبلوا الفقر و يرضوا به لينالوا المكافأة في الآخرة!!! أي يصبحوا من الأغنياء فيما بعد وهنا يصبح الدين سلاح فتاك الخطر ليس بما يقوله هذا الشخص أو غيره من رجال الدين الخطر الحقيقي هو في العقول و الأدمغة التي تسمع و تنصت له الخطر الحقيقي في الناس البسطاء الذين يسيرون وراءه سوف يصدقون هذا الكلام و يؤمنون به والكارثة هنا من صدق هذا الكلام وأمن به وهنا تقبع المصيبة!

٢. الفئة السياسية: في الحقيقة يجب أن تكون الدولة أو الحكومة هي المسؤولة عن منع الشر والجهل والتخلف وهي شرور كبيرة وأن تسعى الحكومة في نشر الخير والثقافة والوعي بين المواطنين ولكن الأمر مختلف تماماً في تلك البلدان لأن القانون هناك استمد شرعيته من الدين و استبدل القانون المدني بالديني حتى أصبح مستقراً في كل شبراً من قوانينها وتغلغل في جميع مؤسساتها الحكومية لدرجة أن الإنسان العربي اليوم مشوه إنسانياً ومتشوه عقلياً وشوه فكرياً.

اكتساح الجهل إلى تلك البقع الجغرافية أمرا يدعوا الى خطر محدق حيث بدأت أعراضه بالظهور على السلوك الإنساني و الأخلاقي في تلك المجتمعات و خطورته العميقة تقبع في تحول الجهل ديناً والتخلف من المعتقدات ومن هنا سوف ينشب صراع العقل و الغيبيات الدينية فلا طاقة للعقل الديني المشوه بالأفكار الخالية من الدليل والحس والرؤية في مقارعة العقل المفكر الذي يؤمن بالعلم والحس والمنطق العقلي والدليل ويرفض الماورائيات بشكلاً قاطع من خلال هذا الصراع سوف يتبين للعامة والبسطاء أن رجل الدين صاحب العمامة و الجلباب ليس ملاك كما يعتقد البعض وليس بالضرورة أن تكون لديه أخلاق وأن يكن ذو خلق بالعكس فإن أكثر من مارس مهنة تجارة الدين هم أكثرهم فساداً و انحطاط أخلاقياً.

وسنشاهد جميعنا في الأيام القادمة أن حلبة الحوار سوف تشتد بين العقل الديني والعقل المفكر فما بين المؤمن والعقل مسافة كبيرة جداً وسوف يسقط و يهوي العقل الديني على حلبة الحوار من الجولة الأولى لأنه لن يحتمل ضربات العقل الفكرية سترى الفكر واثباً منتصراً وهذا ما يحدث بين الفينة والأخرى.

عندما تنهض ثورة العقل لن تستطيع أعتى دكتاتورية دينية أو سياسية على إيقافها لأنها تعتمد على الفكر والأفكار الحرة التي لا يمتلكها رجل الدين ولا السياسي لذلك يجب أن يرجع الدين الى إدراجه التي جاء منها وأن يكون الدين علاقة فردية مع الفرد من دون أن يفرض وصايته على العامة ويفرض على الإنسان تعاليم وقواعد بدائية وعلى الحكومات أن تحكم الشعب بالقانون المدني وأن تأخذ الإنسانية على محمل الجد وأن تحترم حق كل فرد في الحقوق والواجبات والتعبير والحرية والإنسانية.

مثال الدولة الناجحة هي الدولة التي تفصل الدين عنها نهائياً و تمنعه من التدخل في قوانينها وشؤون و تصرفات المجتمع فمثلاً الجريمة والأخلاق في البلدان العلمانية و الأوروبية لا تقاس بالدين إطلاقاً على عكس تماماً الدول العربية الإسلامية فهي تضع معيار الجرائم والأخلاق من ضمن الدين و ترتبط معه ارتباطاً مباشر ولنأخذ مثال بسيط《مملكة النرويج》ونقلاً عن كبار الصحف النرويجية كصحيفة “داغبلادت” و “افتنبوستن” النرويجيتان خبر الوزير النرويجي السابق “سفين لودفيغسين” البالغ 72 عاماً حيث أصدرت محكمة نرويجية حكماً بالسجن لمدة خمس سنوات!!! على (الوزير السابق) لإدانته بارتكاب اعتداءات جنسية بحق ثلاثة من طالبي اللجوء خلال السنوات الماضية بين عامي 2011 و2017 هنا يحاكم الوزير على جريمته ضمن قانون البلاد وليس قانون الدين. ففي النرويج لن يتوسط لهذا الوزير حزب نرويجي حتى لا يسجن ولن ينتفض له زعيم سياسي أو ديني يدافع عنه فهل توجد هذه العدالة الحقيقية النزيهة في الدول العربية؟

وأنا أعتقد أن الثقافة والفكر الذي يولد وعياً وتفكير منطقياً هو من سوف يوجه تصرفات المجتمع وعلاقته بالمجتمعات المختلفة الأخرى بل سوف يقوم باضفاء سمة التفكير على كل إنسان في ذلك المجتمع وهذا بحد ذاته شيء أشبه بالحصانة من الخرافات والجهل. الغالبية العوام التي اجتاحها الجهل سوف تراقب وتراقب سليموا العقل فمن السهل اعتناق الجهل، ولكن من الصعب جداً أن ترتد عنه! مالم توقظ عقلك وتبدأ بالشك والتفكير.

الأمر الأخر المهم هو 《الديمقراطية المزيفة》 في تلك البلدان وحرية التعبير الوهمية والعدالة الغير نزيهة وهذه الحقوق ليس لهما وجود في تلك البلدان العربية والإسلامية وجودها فقط على الورق يتشدقون بها تلك الحكومات لكنهم لا يطبقون شيء منها والمضحك المؤلم أن تلك الدول قامت ببناء هيكل الدولة على هذه الديمقراطية المزيفة و أوهام المواطن العربي أن الديمقراطية هي ممارسة الحرية والمساواة وأنها نظام إجتماعي مميز وأن المجتمع في ظلها يكون ذو ثقافة سياسية و أخلاقية نعم هي كذلك … ولكن ليست مثل ماهي هناك فالديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط تختلف تماماً عن البلدان الغربية والعلمانية فكلمة الديمقراطية في البلد العربي هي شكل من أشكال العنصرية الغير تعددية! لأنها لا تؤمن بالتعدد وإنما تؤمن بالأغلبية الحاكمة.

عندما لن تتحقق هذه الحقوق ويستخدمها المواطن على أرض الواقع سوف تكون هذه الأمة غير قادرة بتاتاً على التطور و اللحاق بركب الحداثة لأنها سوف تصاب بالجمود الفكري لأنها تمسكت ولا زالت تتمسك بماضي قديم متهرئ تحلم بعودته مرة أخرى. بل أثبت العقل العربي أنه شبه متوقف ولن يستطع الارتقاء ومنافسة العقول الأوروبية بالعلم والتعليم والصحة والثقافة والحرية والإنسانية.

ولأن الزعيم الديني في تلك البقع مصدر شر كبير و مفسد للعقول فرجال الدين مسؤولون عن توقف تلك الشعوب عن التطور وعن السؤال والتفكير! تلك القواعد و الموروثات الدينية الأدوات السماوية الجاهزة ذات الاستعمال غير المستهلك بل من يستخدمها ويؤمن بها هو من سوف يكون مستهلك هذه الأدوات كممت صرخة تلك الشعوب لعقود من الزمن وجعلت الإنسانية معدومة تماماً شعوباً تعيش ظروف إجتماعية سلطوية مفروضة عليها عنوة من قبل ١٤٠٠ سنة وهذه الشعوب تطبق وحسب من دون تفكير وهي محرومة من حقوق الإنسان الأساسية والتي هي حق لكل إنسان.

فلتكن هذه المقالة رسالة و دعوة لجميع المثقفين والعلمانيين والتنويريين والمفكرين أدعوكم حتى تشاركوني في تعرية الظلم الديني التي تعاني منه تلك الشعوب والسعي في التغيير و إيجاد الحلول لها لبناء مجتمعات شاملة و عادلة تقوم على قيم الحرية و المساواة للجميع.
و لتحقيق مجتمع عادل يجب على الإنسان العربي أن يقوم بإزالة جميع العوائق الدينية التي قيدت عقله و سلوكه و تصرفاته لست متشائم ولكنني أرى تلك المجتمعات تفشل في الخروج من الصندوق الأسود و تفشل في تحقيق ذاتها بل الفشل الأكبر على الإطلاق هو أن تحكم المراجع و رجال الدين تلك المجتمعات وكأننا نعيش أيام محاكم التفتيش!

يجب أن يكون هنالك حل للإنسان العربي لأنه لن يستطيع تحمل هذا الألم بعد الأن و أنا أعتقد أن العقل العربي لن يستطيع البقاء غير مكترث لما يفعله رجال الدين و مهاتراتهم و استخفافهم بعقول الناس لأن المجتمع الذي يسيطر على سلوكياته و تصرفاته الدين هو مجتمع فاقد الأكسيولوجيا الحقيقية له لأن القيم الأصلية تم التعتيم عليها و تشتيتها و أندثارها وأن القيم المتشبعة في هذا المجتمع هي نتاج الدين و ترسباته وليست الأكسيولوجيا الحقيقية له فالسعادة والعدالة والإنسانية والحرية والتعددية والأمن والأمان هي عوامل رئيسية مهمة في بناء المجتمعات وثقافاتها وتكلفة نجاحها باهظة جداً في مجتمعات من هذا النوع ضامرة فكرياً و نشطة دينياً قد يكون الثمن فيها حياتك. قد يكون ما أفكر به بعيد المنال أو أشبه بحلم لكنني اتشوق لرؤيته يتحقق.

المقال السابقالغيرة بين الحب والأنانيّة
المقال التالىتجــــــاعيد سيـــاسيـــة
مهند صباح عراقي الجنسية مقيم في فنلندا ولدت في بغداد التحصيل العلمي : حاصل على شهادة دبلوم كهرباء ، درست في مجال الكومبيوتر لمدة ثلاثة سنوات أتحدث عدة لغات هواياتي متعددة أهمها القراءة و المطالعة شغوف في مشاهدة الأفلام و قراءة الروايات، ولعي بالكتابة في السياسة و نقد الأديان مؤمن بمنطق العقل و ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد