المفترق و الاختيار

 

امتدت علاقتي مع الرسامة ( سيلفيا ) بضع لوحات جعلتني نموذجها الحي كشخوص في لوحاتها التعبيرية او الايحائية او اي تسمية كانت لأنني بكل بساطة لست رساماً لذلك لا اعرف ما هي التسمية المناسبة التي يتداولها الرسامين في فنهم و وسطهم المغمور بالوان عديدة و طالما كنت مبهوراً ببراعتها في خلق الالوان و مزجها و كيف لخطوط متشابكة و طرقات الفرشاة على قطعة القماش تلك تنتج عنها صورتي و انا في حركة تختارها لي كانت كثيراً ما تنظر الي نظرة تفوق نظرة المرأة للرجل او ما يقودني الاعتقاد بأن المرأة لا تنظر لجسد الرجل الا و لها غاية جنسية و انجذاب بحكم التكوين الغريزي غير ان اعتقادي كان لا يمت لواقع (سيلفيا ) بصلة او ربما لواقع النساء ككل او على الارجح انه امر بين بين و هذا ما اكدته ( سيلفيا ) حين البستني قميص ممزق بلا ازرار تبرز من خلاله عضلات بطني و عضلات ذراعي لم تكترث لها حتى شعر صدري او تسريحة شعري و لم تغريها ايضا نظرات عيناي الطافحة برغبة لالتهامها رغم ادراكها تماماً بما يجول في خاطري و كان اهتمامها ينصب في اتمام لوحتها ليس الا لكن ما جعلني اؤمن ان ( سيلفيا ) انقادت الى غريزتها هي تلك اللحظة التي لامست جسدي بأناملها عندما غيرت من وضع جسدي احسست بأطراف اصابعها امتلكت جسدي لبضع ثوان كما سمعت تنهدها الخفي سرعان ما تغير وضعها الى سابق عهدة و عادت الى لوحتها و اكملت لمساتها الاخيرة ادركت فيما بعد انها قامت بتلك الحركة من اصابعا لتفجر وحش الغريزة في داخلي و ان اقع اسيرها مدى الحياة , كان لقائي الاول معها عند مقهى على جانب الطريق في مدينة تتمتع بطابع حظاري و متمدن الى ابعد حد في مخيلة رجل عاش على اطلال مدينة خربة غادرها ليلا على متن احد القوارب قطع مسافة قارة كان الحلم بعيد عنها و اقرب له منها و مما لا شك فيه انه لم يخطر بباله ان يصل اليها مطلقاً كيف لبائس مثله يحظى بفرصة الخلاص من ثقب مدينته الاسود و ان يقتلع جذوره الميتة منذ امتدادها لعمق العادات و التقاليد و اين تلك القدرة على اجتثاث تلك الجذور انها معجزة حصلت و هو استثمرها فرصة مثالية للتحرر من الاندماج الروحي و التطبع الحجري كالنقوش التي حفرها ازميل العهد القديم بين الارض و الجسد , لم يكن ذلك حكماً نافذاً من غير ان تكون قناعة تامة بما يفعل و ارض صلبة عند وضع قدمه ان لا تميد به و ينزلق الى هاوية الفناء , كان جلوسه في المقهى عادة اكتسبها منذ فترة يقضي بها القادم من الايام حتى يؤهلونه للانخراط في المجتمع الغربي و كانت ( سيلفيا ) هناك امرأة ذات قوام رشيق و بشرة بيضاء يبرز منها ذلك النمش الاوربي الذي يتناغم مع شعرها الاصفر و ضفيرتها الذهبية تبعث عيونها شفق شفاف من الزرقة الرابضة في مخيلة العقل العربي المتغلغلة الى غور رغبته المتمردة على ذاتها و هذا امر غريب يحتل اعماق الشخصية العربية و لا اعلم من اين جاءت و كيف تشبثت عقله الباطن كيف له ان يتمرد و يرفض قضية ما و في نفس الوقت لا يريد ان يغير تلك القضية كيف له ان يبني كيانه و في نفس الوقت يريد هيكلته كيف له ان يتمسك بقاعدة ما و في نفس اللحظة يشذ عنها تلك احجية لا يمكنني ان اجد لها تفسير مقنع و طلاسم لا يمكن لأي كاهن او متبصر ان يفك رموزها لكني اعلم في هذه الساعة تقدمت ( سيلفيا ) وجلست امامي و رمقتني بنظرة اطاحت بجميع قيمي المتراصة و بددتها طرائق قددا يصعب تجميعها بعد الان .

بادرتني الحديث كعادة الشقراوات الواثقات بسحرهن و قالت لي ( يبدوا انك وافد جديد الى ارض الجمال و اللطافة , انا اعرف الوافدين الجدد عيونهم تتكلم بنهم عن جمال مدينتنا اشعر بخوفهم ليس من المجهول وحسب فهذه صفة البشر ككل و لكنه خوف من ان تنبذكم مدينتنا في عرائكم المخجل و تعود الى قارورة لها عنق طويل يصعب ان تخرج منها مجدداً ) قالت لها بعد ان استجمعت شيء من وعيي ( لم نتعرى بمحض ارادتنا و لم نكن في قارورة حتى جاءنا المستعمرين ) ( انها العزة الفارغة و انها الشماعة الازلية التي تعزون انفسكم بها , غدركم نفاقكم وحشيتكم هي سبب تعاستكم ) ( ماذا تريدين مني , تحاولين اذلالي او تريدين استفزازي ) ( لا هذا و لا ذاك , اني على علم بما سوف تقوم به عندما استفزك سوف يتفجر غضب الصحراء من اعماقك و تتحول الى اعمى تخسر كل ملذات الحياة فاقداً هذه المدينة و الى الابد هدئ من انفعالاتك التي تستنزف حياتك , و تعال الي كي تكون نموذج حي تسكن لوحاتي و لك اجرك )

منذ تلك المقابلة فتحت ( سيلفيا ) مرسمها و بيتها تتحكم في جسدي من خلال اوضاع تختارها لي تارة وضع الجاثي على ركبتيه و وضع العبد المسلسل الرجلين و تارة البائس المتشرد و اخرى العربي المهووس بالنساء و اذكر مرة رسمتني على شكل راقص اسباني يتحرر برقصته من ثوبه الاندلسي , لم تكن تلك الاوضاع تعنيني و لم اعبه بها حتى عندما سألتني من اي البلدان انا قلت لها عربي عراقي قالت ( ارض بابل هي ارض السبي هي اول ارض اذلت شعب الله ) لم اعرف ماذا قصدت و لم ابحث عن خفايا كلماتها ايضاً هذا لا يعنيني ما يحتل جمجمتي هو ذلك الجسد و تلك النقود عن كل لوحة حفنة من الدولارات و كأس من النبيذ و متعة الفراش انها الحياة الجديدة التي كنت ارغبها اليوم اشهد امنياتي واقع حقيقي تختلف جذرياً عن ما كانت في بلدي حيث ابسط الامنيات التي نعتبرها امنيات هي حق من حقوق المواطنة في هذا البلد مثلاً منزل مستقل و عمل كريم و حياة بسيطة تتيح لك ان تمارس حريتك الشخصية و تلتفت الى امنياتك الخاصة و تحققها مثل ما تحققت لي الان كنت معدم في بلدي تحوطني السدود من جميع الجهات ابتداءً من الاعراف و النظام العشائري و الفساد الحكومي و التفكك الاخلاقي و العوز المادي و في الآونة الاخيرة سلطة الاحزاب و منها المتدينة التي تبحث عن الذين يمارسون الدعارة و يحتسون الخمر و يحاكمونهم بينما هم في قمة الفساد يسرقون و يستولون على الاراضي و يقتلون من يعارضهم ما يحرمونه على الناس يحللونه لهم و يمارسونه تحت غطاء شرعي يختلقونه , اخبرت ( سيفيا ) عن كل ذلك و تفاعلت معي و اخذت تمسد على رأسي كحيوان لطيف و قالت ( انها معاناة قاسية فعلاً لكن لا بد منها لكون الاقدار يجب ان تتغير حسب رغباتنا نحن انه عهد قديم قطعه اجدادنا ليكون الناس تابعين و ليس شركاء و نكون المتكبرين و البقية هم المستضعفين ) قلت ( اعلم من هذا التصريح ان خراب اوطاننا هي من افعالكم ) ( ليس بالضبط نحن نعمل لمصلحتنا و لا نبيع او نساوم على قضيتنا لكنكم ايها الاعراب اشد كفراً و نفاقا و منكم من ساندنا لتحقيق مآربنا بكل بساطة انتم وجدتم لخدمتنا نحن سادات البشر انظر بأم عينك ارضنا خلابة فيها الخضرة الدائمة فيها الجو الجميل فيه الجمال يعم دواخلنا نحترم ارضنا و نقدسها نعمل لخدمتها و لخدمة من يعيش عليها نحمل الانسانية و التراحم فيما بيننا نعم يوجد هناك شواذ فالقاعدة لا تخلوا و هذا ناتج من خطأ الى اليوم نمارسه و هو اننا نستقطب امثالكم من شتى البقاع و ندمجهم معنا كما انت اليوم تريد الدولارات و تريد المتعة و تطلب الجنسية انا اعلم ما تضمر انك تريد الزواج بي لكي تحصل على الجنسية و بعدها تتركني او تطلقني لكن اريد ان اقول لك سر نحن نعلم النوايا و نحن خبراء بما في غور انفسكم و نحن من نمنح الجنسية بحسب الولاءات التي تقدمونها اذا كنتم تستخدمون عقولكم لتطوير بلدنا و تكرسون جهودكم لخدمته نمنحكم الجنسية و تنسون ان لكم بلد ام ايضا نمنح الجنسية لمن يريد ان يكون عميل لنا نؤهله و نصنعه لأنفسنا و يعمل لأهدافنا نرسله حاكم على بلده يضرب مصالحه اذا ما تعارضت مع مصالحنا و يحول بلده الى فوضى و معمل ينتج الفاسدين و السراق المارقين نحن اذا اردنا ان نهتك بأعدائنا ننشر الجهل و ننشر الاشاعات لأنها علك الجهلاء يلوكونه حتى تكل افواههم , و انت ماذا تريد هل تريد الجنسية ام تريد العودة الى بلدك او تريد الضياع الابدي ) الدهشة و الاستغراب جعل مني في دوامه الضياع الرغبة في ان اعيش غرائزي غيبت عقلي تماماً و اصبحت بليد لا يتعدى تفكيري حدود اللذة , ماذا اريد ؟ بعد سماعي كل تلك التفاصيل على ماذا يقع اختياري اعود متقهقراً الى بلدي الغارق في ازمات التفكك و الانحلال و ضياع ابنائنا او امارس غرائزي في هذا البلد احتضن ( سيلفيا) ام اقدم ولائي و اخدم البلد الذي يمارس الانسانية و يحترم القانون انه خيار اتركه لكم يا من تتحكمون بمصير الملايين من البشر في بلدي اتركه لكم ايها المتدينون اتركه لكم ايها السياسيون اتركه لكم انتم يا ابناء بلدي .

لا تعليقات

اترك رد