أسئلة الفشل


 

قد يحق لنا نحن اولئك المنكوبون بفشلنا ان نتسائل ان كان ثمة فسحة للتوقف وتغيير الاتجاه؟.. وهو سؤال مراجعة يساله كل ذكي تعرض لانكسار او خسارة او فشل، لتصبح تجربته درسا له وللاخرين، ومن هنا قيل عن اهمية التاريخ: انه يقدم عبرا ودروسا بالمجان لكل من يريد النجاح، ولعل التاريخ القريب هو الاكثر فائدة لاعتبارات تتعلق بتشابه الظروف وتقارب التحديات..

شعوب كثيرة عرفت كيف تراجع مسيرتها، وتكتشف نقاط ضعفها وقوتها فغيرت الاتجاه وحصدت نتائج مبهرة؟.. لنقل مثلا اليابان والمانيا وماليزيا وسنغافورا والصين وتركيا و كثر اخرون..

سنوات قليلة.. قد يكفي عقد او عقدان من الزمن كي تضع الشعوب اقدامها على الطريق وتبدا عجلة التغيير والتقدم بالحراك، وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت تجارب تلك الامم المنكوبة بالتغير من فشل وانكسار وتحطم الى نهوض وبناء وتقدم، بسبب مشاعر الانكسار والرغبة والعزم والتصميم على النهوض مجددا..

ولكن للاسف لم تصبنا الحرب الثانية بما اصابت الاخرين، فلم ننل من اسباب التحفيز شيء، فتحرك العالم وتسارع قطار التحضر والتقدم فيما بقينا مخدرين على سرير المرض، وحين انتفضنا من اجل التحرر حددنا طرق اتصالنا بالاخرين، وبدانا تجاربنا التي لم نتعلم منها الا : ان لاطريق لكي نكون الا بالثورة والعنف ومركزية الحكم وتوحيد الراي ومحاربة المختلفين معنا بل وتصفيتهم وقطع اثارهم، وهكذا تشيطن الجميع، بعضُنا كفر بعضَنا، وبعضنا خوًن بعضنا، فتآمر بعضنا على بعضنا، واستمر حال عدم الرضا والاتفاق وتوقف الحوار والاخذ والرد حتى بتنا اليوم نحصد نتائج التصارع، ماسي وكوارث شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، ولم يكن ذلك بغريب عنا فتاريخنا لايسمح الا بامير واحد، بعقل وراي واحد، ولم نتفهم، وربما لغاية اللحظة ان الحياة تسع الجميع، وان التجربة هي تاريخ الجميع، غير ان مؤرخينا لم يكتبوا دائما سوى تاريخ رجل واحد وبعده لياتي الطوفان..

فهل يحق لنا السؤال اذن؟…

ولكنا قبل ان نسال، هل نعرف فعلا على اي ارض وقفنا ونقف؟.. واي طريق سلكنا ونسلك؟.. واي مزاج تبعنا ونتبع، واي شيخ رجونا ونرجو، ولاي قبيلة انتسبنا وننتسب؟.. فبعضنا رومي الهوى وبعضنا فارسي واخر تركي، وقليل منا روسي، وبما انهم متصارعون فلا فرصة لنا الا الصراع..

لكننا جميعا درسنا في طفولتنا، ويقال هنا (ان العلم في الصغر كالنقش على الحجر) ان قوتنا في وحدتنا، ويضرب لنا مثل، انك ان مسكت عودا قد تستطيع ان تكسره ولكن ان مسكت حزمة اعواد فانك لامحال ستعجز عن كسرها، وللاسف لم نكن حجرا لينقش علينا ، وربما لم نكن اطفالا لينغرز العلم فينا، فابحنا للاخرين كسرنا وتحطيمنا وتدميرنا، ولعل في اهل العراق عبرة لمن اعتبر، فما من شعب يحب ان يحتل من اجنبي سواه، وما من شعب يحب جلاديه سواه..

وبسبب ذلك الفشل والجمود والمرض المريع، يتعامل معنا الاخرون باستهانة وتمييز واضحين، ربما ان صحت المقارنة بتمييز اشد من التمييز ضد السود سابقا، وربما في الخفاء حاليا.. فنحن في نظر الفرس عربان بادية لانصلح الا للتفريخ ورعاية الجِمال، وفي نظر الروم ارهابيين حمقى اغبياء متخلفين، وهناك من يرى اننا عبيد لانستحق ما حبانا الله من نعمة وثروة، وهكذا حتى اذا غضب غاضب منهم نفث سمه علينا دون حياء او خجل او حتى حساب للادمية، والحوادث والشواهد كثيرة، تبدا من طهران مرورا بانقرة واسرائيل واخرين، لتنتهي عند العم سام الذي انجب لنا ولله الحمد خليفة جديدا نصب نفسه في مكة اميرا للمؤمنين فأم بقادتنا جميعا ودعاهم الى شطب تاريخ الرعية والبدء بتاريخ جديد سمي على ما يُظَنُ: أحكام الشرق الاوسط الجديد..

ولو لم يكن هذا التمييز وهذه الاستهانة واضحة جلية لما اغتصبت حقوقنا وسلبت ثرواتنا امام مراى الجميع، فكلهم ابيضهم واسودهم ، اشقرهم واسمرهم يعلم علم اليقين ان لنا حق في الحياة وان لنا حق في ارضنا وموطننا وموطن اجدادنا الا انهم يتحايلون فيجعلون منا، مجرما مغتصبا ومعتديا على حقوق الاخرين ويجعلون من المجرمين ضحايا لنا، ولاننا لانملك من امرنا شيئا قبلنا ورضينا صاغرين ان نلعب الدور وان نصفق لمساوماتهم ونحتضن مبادراتهم ونقيم لها الورش والمؤتمرات، وندرب بعضنا على ان يتوسل بهم ويرجوهم كي يوافقوا على مقترحاتهم، ونتوسل بهم كي نكون عملاء ووكلاء لهم، فالخيانة اليوم ليست سوى وجهة نظر، وتهلوس بعضنا فراح يتهم نفسه بالكراهية والعنصرية، فاي امة نحن اذن؟.. اي امة تلك التي لم تتمكن عبر قرون من الزمان ان تنجب ولو مرة واحدة جيلا يعي ما هو فيه ويعي ما يريد؟..

لا تعليقات

اترك رد