لا …لإرهاب الدولة

 
لا …لإرهاب الدولة .. للكاتب د. خليل الجنابي #العراق

الأحداث المتسارعة ودخول المتظاهرين إلى المنطقة الخضراء للمرة الثانية له تداعيات خطيرة وكبيرة على الوضع السياسي العام خاصة بعد لجوء القوات الأمنية إلى المواجهة الشرسة مع أبناء الشعب الغاضبين ، وهي بهذا العمل الشنيع والمرفوض قد وضعت العصي في مدار العملية السياسية المتهاوية والتي يُراد إنقاذها من قِبل كل المخلصين لتراب هذا الوطن .

حين يتساقط الشهداء الواحد بعد الآخر هو دلالة واضحة على أن الدماء الزكية البريئة لم يعد لها ثمن في حسابات الماسكين بمقدرات الدولة والمتخندقين في المنطقة ( الخضراء ) تحرسهم الأسوار العالية والأسلاك الشائكة والكلاب البوليسية وقوات أمنية من مختلف التشكيلات من سوات وأخواتها المجهزة بأرقى أنواع الأسلحة الهجومية والدفاعية وكأنها تقاتل عدواً خارجياً جاء من خلف الحدود ، وتصورت أن كل شهيد يسقط ما هو إلا رقم ناقص من مرجل الغليان الذي بدأ ولن ينتهي .

هكذا تصور السادة المسؤولين بأن القسوة المفرطة وضرب المتظاهرين السلميين هو السبيل الوحيد لإنقاذ عروشهم المتهاوية ، وهذه السياسة إتبعها النظام الدكتاتوري البائد في التعامل مع أية إحتجاجات تنال من هيبته وسطوته . وهناك الكثير من الشواهد الحية عبر التأريخ لحكومات سارت على نفس النهج لكنها في الأخير سقطت تحت أقدام شعوبها غير مأسوف عليها .

لقد توهم من أمر بإطلاق النار على صدور المتظاهرين السلميين العزل ويخضب ساحة التحرير في بغداد والمدن الأخرى بالدم النقي الشريف ، بأن هذا العمل المشين سيوقف هذه الجموع من السير في طريقها السلمي الذي إختطته لنفسها لتصحيح مسار العملية السياسية ومحاربة الفساد والسرقة ومحاكمة اللصوص وإعادة المليارات المنهوبة إلى خزائن الدولة الفاضية . إن ما جاء في خطب المسؤولين من أن هذه المظاهرات تقف عائقاً أمام قواتنا المسلحة في تحرير مدينة الفلوجة وأن هناك إندساس من قِبل البعثيين فيها لإسقاط العملية السياسية ما هو إلا محض إفتراء للتغطية على كل موبقات النظام الطائفي والأثني المقيت الذي إبتلينا به منذ عام ٢٠٠٣ . فما دخل المطالبة بالخدمات كالماء الصالح للشرب والكهرباء والصحة والتعليم والأمن والقضاء على البطالة وتوفير فرص عمل للشباب ، ما دخل هذا في إعاقة تحرير أراضينا من داعش !؟ ، والعكس صحيح من أن أي خطوة لمعالجة الأمور المشار إليها أعلاه سيعزز من مكانة الدولة لدى المواطنين لأنها تلبي طموحاتهم في الحياة الحرة الكريمة .

الحكومة وأجهزتها الأمنية مسؤولة عن إهدار أي قطرة دم تراق في ساحات الوطن ، وأن ما إقترفته الآن من إعطاء الأوامر

للقوات الامنية ( لتوجيه القنابل المسيلة للدموع والطلق الناري والمطاطي صوب الجماهير والكوادر الاعلامية لحجب التغطيات، وعرقلة استمرار نقل مجريات الاحداث ، إن هذا يُعد خرقا فاضحاً للدستور والقوانين النافذة ، وإجراء واضح لمنع حرية العمل الصحفي ) . وهو ما جاء في بيان لجمعية الدفاع عن حرية الصحافة الذي أشار أيضاً إلى إصابة ١٣ مراسلاً ومصوراً صحفياً أثناء تغطيتهم التظاهرات قرب المنطقة الخضراء يوم الجمعة الماضية .

السبيل الوحيد أيها السادة هو الإنصياع لرغبات الجماهير الثائرة قبل فوات الأوان ، لأن التأخير في تلبية الإصلاحات التي ينادون بها له عواقب وخيمة ستؤدي إلى ( خراب البصرة ) ، وسيضيع البلد ويضيع معه مستقبل الأجيال القادمة .

في الوقت الذي نؤكد فيه على سلمية المظاهرات والتمسك بالانضباط الضروري وعدم التجاوز على المؤسسات والممتلكات العامة والخاصة ، وتجنب كل ما يمس صورة وسمعة الحراك الجماهيري النبيل ، في نفس الوقت ندين الإعتداءات على المتظاهرين مهما كانت الأسباب لأنه تصرف مرفوض وسيترك تداعيات خطيرة ويوسع الفجوة بين الجماهير والحكومة ويدق إسفين بينهما والذي سوف يستغله الإرهابيون لتوسيع هجماتهم ضد أبناء شعبنا المكتوي أصلاً بالأزمات المعيشية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والأمنية .

عليكم أيها السادة بالإنصياع إلى صوت الحكمة والعقل حيث ( لم يعُد في القوس منزع ) والإسراع بعقد إجتماع لمجلس النواب ليأخذ دوره الذي تشكل من أجله في التشريع والمراقبة ، وأول الخطوات هو العمل على وأد الفتنة القائمة بين الأطراف السياسية والتخلي عن الإسلوب القديم في معالجة الأمور من منظور ( المحاصصة الطائفية الأثنية ) التي أوصلت البلاد إلى حافة الإنهيار ، وتلتفتوا بعدها نحو تعديل الدستور وتشريع القوانين الخاصة ببناء الدولة وتعديل قانون الإنتخابات وقانون الأحزاب وتشكيل مفوضية الإنتخابات وتخليصها من المحاصصة الطائفية وأن تكون بمعونة الأمم المتحدة ، كما لا تنسوا القضاء وتسليمه إلى العناصر المشهود لها بالإخلاص والنزاهة والكفاءة ، وبعد هذا كله إجراء الإنتخابات البرلمانية . وبدون هذه الخطوات ستبقى الأوضاع على ما هو عليه
من تردي ، ونبقى ندور بحلقة مفرغة لا نصل فيها إلى بر الأمان .

لا تعليقات

اترك رد