نحن وهويّاتنا والدولة

 

نواجه تحديات مستمرة تتمثل بالتعارض بين هوياتنا وموروثاتنا الاجتماعية والثقافية والدينية من جهة وبين الدولة التي نريدها ونتطلع إليها، والتي لم تتحقق منذ إعلانها في حزيران عام 1921.

أحد أسباب فشل مشروع الدولة أو تعثره بصورة مستمرة هو التضاد بين هويات فرعية وعادات وتقاليد وقيّم مجتمعية راسخة عميقاً في الحياة العراقية وبين متطلبات الدولة واستحقاقاتها الدستورية والقانونية والسيادية والرمزية.

نحن بحاجة للدولة التي تحفظ كرامتنا وتمنحنا الاستقرار وتوفر لنا الرفاه والنظام، لكنّنا عملياً لا نملك الإستعداد الكافي للتنازل عن موروثات تعيق نشأة وتطور هذه الدولة.

هل فعلاً ينبغي علينا التنازل عن إنتمائنا الديني والقومي والعشائري ونتخلى عن عاداتنا وتقاليدنا من أجل الحصول على دولة حقيقية مبنية على أسس ومؤسسات سليمة؟

أعتقد أن سبب طرح هذا التساؤل نابع من طبيعة القوى والتيارات الفكرية التي شكّلت الذاكرة السياسية العراقية وهي بمجموعها قوى يسارية اشتراكية مثل حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي العراقي والأحزاب الإسلامية مثل الإخوان المسلمين وحزب الدعوة، لأن تلك الأحزاب أممية وتتجاهل في فلسفتها الروح العراقية، ولم تكن معنية بدراسة وتحليل دهاليز الهويات العراقية أو الاستثمار في “العراقيات” وأقصد هنا جماليات تنوع المجتمع العراقي وجذورها التاريخية وآثارها في ثقافات شعوب المنطقة والعالم.

حرّص القوميون على “عراق عربي” على حساب عشرات الهويات العريقة في التكوين الاجتماعي العراقي، مثل السريان الآراميين والمندائيين والآشوريين والكلدان والأرمن والكورد والتركمان والشبك واليارسانيين واليهود، الذين يتجاوز تاريخ وجودهم ثلاثة آلاف عام.

عرب العراق مكوّن حقيقي أصيل في العراق وهم محل احترام ومحبة باقي المكونات، لكن حين يكون العراق “عربياً” فهذا يضع باقي المكونات القومية والعرقية والاثنية في حرج مواجهة غير مطلوبة ولا متكافئة وغير عادلة ولا تخدم أي هدف حضاري أو تنموي.

أما الإسلاميون فيجاهدون في خندق آخر من أجل “عراق إسلامي” على حساب حضور عميق ومتجذر لعدد من الديانات العراقية العريقة، سواء كانت الديانات الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية والإسلام) أو ديانات يارسانية مثل الايزيدية والكاكائية، بل وحتى الديانات الحديثة مثل البهائية، إلى جانب أكثر من 14 طائفة مسيحية وما لا يقل عن 6 مذاهب إسلامية، فضلاً عن الطرق الدينية والتيارات الفكرية والعقائدية.

ليس من المعقول أن يفرط العراق بكل هذا التنوع من أجل لون ديني محدد، مهما كان ذلك الدين عقلانياً، هذا فضلاً عن عدم وجود نظرية تعايش حقيقية يقدمها الإسلاميون للشركاء تبرر إعلان العراق دولة إسلامية!

الشيوعيون من جانبهم ناضلوا من أجل مفاهيم يسارية وماركسية لا تخفي نزعة الإنتقام من الموروث الديني والثقافي المتنوع للمجتمعات العراقية. كما راهنوا على ضعف البنّية المؤسسية والفكرية للدولة للانقضاض عليها في ذروة صعود المد الشيوعي.

جاهد الثالوث الشيوعي البعثي الإسلامي في توسيع مساحة الخنادق وتعميقها لهدم التنوع العراقي الثري. وقد زاد المشهد تعقيداً بسبب عجز الدولة الناشئة عن استيعاب ذلك الصراع.

تمترس الشيوعيون في الوسط الثقافي ووظفوه ليكون أداة لتسويق وتبرير أيديولوجيتهم، بينما تمترس البعثيون في دواوين العشائر واستنهضوا “عروبيتهم” ليصبح مضيف العشيرة منبراً لترويج الفكر القومي والأفكار البعثية وفي المقابل سيطر الإسلاميون (السنة والشيعة) على المساجد ودور العبادة والمؤسسات الإفتائية والدينية والأوقاف والطقوس واستغلوها أبشع استغلال في هذا الصراع المحموم.

لم يعد الدين العراقي ديناً ولا الثقافة جمالية وإبداعية ولا العشائر منظومة قيمية إجتماعية، أفقد الثالوث “الشيوعبعثاسلامي” مراكز الحياة العراقية نقائها وبرآئتها، وعاثوا فيها فساداً، حتى أصبح البحث عن ملامح الهوية العراقية المفقودة شبه مستحيل.

كيف ينبغي أن نتعامل مع هذه المعادلة المعقدة؟
الخطوة الأولى في طريق استعادة “عراقية” العراق تبدأ من التفاعل الإيجابي وبصورة مؤسسية وشعبية مع حقيقة “العراق المتنوع”.

لا يوجد لدينا ضيوف في العراق، جميع العراقيين عراقيون أصليون. لم يأت السنة من الجزيرة ولا الشيعة من الهند ولا المسيحيون من أوروبا ولا اليهود من إسرائيل ولا الكورد ولا الشبك ولا التركمان ولا بقية مكونات المجتمع العراقي من أي مكان آخر، جميعنا عراقيون والعراق كلٌّ لا يتجزأ ولا تكتمل هويته إلا بكل مكوناته.

العراق لن يكون عراقاً دون حضور هذه الفسيفساء والاعتراف بها وتمكينها، العراق عراق بكل ما يضمه من سهول وجبال وصحراء ومدن وريف وبادية وأهوار وهكذا.

ينبغي أن يتضمن تعريفنا للهوية العراقية جميع مكوناته، أن نحتفل بمناسبات عاشوراء الشيعية وبالمولد النبوي السنّي وبأعياد الميلاد المسيحية وأعياد النوروز الكوردية وجميع الممارسات والطقوس المجتمعية الأخرى.

نحتاج لثقافة شراكة مسؤولة عادلة ومخلصة تمتد الى صياغة السياسات الإقتصادية والأمنية والتنمية المستدامة، لا يكفي أن يكون لدينا عدد من النواب أو المسؤولين الحكوميين الشيعة أو السنة أو الكورد أو المسيحيين أو التركمان أو الشبك، بل يجب أن يكون لدينا سياسات تعمل على تأهيل وتطوير المواطنين الشيعة والسنة واليهود والمسيحيين والكورد والعرب والشبك والسريان والتركمان والمندائيين. ينبغي أن تحتفل الدولة بوجودهم وتصطبغ بألوانهم الجميلة وتعكس ذلك في إعلامها وخطابها السياسي والاجتماعي وسياساتها الاقتصادية والتجارية والثقافية وسائر مراكز القرار والتنمية.

كيف يمكن أن يتحقق ذلك كله دون خوض حروب والدخول في صراعات ومماحكات طائفية وعنصرية؟
كيف يمكن إقناع هذا الطيف المتنوع بالقبول بهذه الشراكة والانخراط الفاعل والمؤثر فيها؟

هذه الأسئلة الجوهرية، التي ينبغي أن نبحث لها عن أجوبة واضحة موضوعية وقابلة للقياس والاختبار. علينا البدء بتكريس مفهوم المواطنة ومقررات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ العدالة الإنتقالية وروح الديمقراطية، لكي نضع أقدامنا بثبات على طريق واضحة للانتقال إلى دولة المواطنة العادلة المستقرة المزدهرة.

المواطنة هي البداية والمواطنة هي الحلّ والمواطنة هي الطريق الواضح والمعبّد نحو عراق تعددي مزدهر آمن مستقر.

2 تعليقات

  1. Avatar سردار خاني علي

    انا اسمي سردار أقيم في مدنية كارديف حيث أني من متابعك وأحب ان اسمع دائما ليقائتك في قنوات الفضايئةاحب أفكرك أحيك ……..اريد ان اعرفك على نفسي حيث أني كنت ضابط في الجيش العراقي السابق.

  2. Avatar آسيا عبد الهادي

    لا خروج من هذا كله إلا بالديمقراطية الحقيقية التي تعطي كل ذي حق حقه ولا تفرق بين الطوائف ولا الأجناس ولا بين مواطن وآخر.. ولنا في الدول الديمقراطية المثال على ذلك.. لن تفيدنا لا العشائرية ولا الطائفية ولا الاتكاء على العرقية مطلقا على كل الدول العربية أن تنتهج النهج الديمقراطي الذي يصهر الجميع في بوتقة الوطن.. لقد تأخرنا كثيرا وسبقتنا شعوبا ودول لا حصر لها..تحياتي

اترك رد