أقلام على طريق النور

 

في كل زمان يمر على المجتمعات العربية و غير العربية فسحة من النور في عصر مظلم و سنوات عجاف ، لا يكاد يتنفس فيها الإنسان البسيط الصعداء حتى يتم كبت أنفاسه خوفاً من نسمات الحرية و الأفكار التي تبني لديه حس البطولة أو رفض الطريقة التي يُعامل بها أو التي يتم فرضها عليه بصورة أو بأخرى . هذه النسمات لها الفضل في تغيير الواقع الذي يعيشه المظلوم في كل مكان و زمان ، فالحرية لا تأتي بجهل المجتمع بل بانفتاحه و قرآءته و ثقافته و نضوجه الفكري و نضاله ، بغض النظر عن التوجه الديني الذي ينتمي إليه . و للمثقفين و المفكرين الأحرار الدور الأبرز في توعية الناس و إرشادهم إلى السُبل التي تغير من حال البلد إلى الأفضل و بناء لديهم فكرة الحرية المُثلى التي يجب أن يعيشها المواطن في ظل السلطة التي تدير شؤون المجتمع بتفاصيله .

كان و ما يزال العالِم و المثقف و المفكر هم رموز البلد و صورته التي يفتخر بها بين جيرانه ، إلا أن في مجتمعاتنا المتعصبة دينياً و حزبياً ، و التي تحاول فرض عقائدها أو أفكارها على الطرف الآخر ، فإنها ترى من الإنسان الحر عدواً لدوداً و خصماً تريد النيل منه و إقصائه بأية صورة ، لأنه يمثل تهديداً لأفكارهم الإقصائية و سياستهم الهمجية ، و لأنهم لم يفهموا الاستقلالية التي يحملها والفكر المحايد الذي لا شك بانه بذل مجهوداً جباراً حتى تمكن هذا الإنسان البسيط من حمله والاقتناع به و الدفاع عنه دونما ظهير يسانده ، أو حزب أو جهة يتكئ عليها و تشد له أزره و تمنحه فسحة من الحرية لبث شعاع فكره بين جموع الناس المتخاصمة و المتصارعة ، فحَمَل روحه على راحته لوحده و بشجاعة ، في سبيل تغيير حال مجتمعه نحو الأفضل ..

معظم أصحاب الحكم و السياسة و الأحزاب الدينية و كثير من المعممين و من يتبعهم ، يرون كل من ليس بصفهم و يصفق لطرطراتهم بأنه ضدهم و يريد معاداتهم ، لهذا نراهم يحاربون كل حر ذو فكر مستقل و محايد فضلا عن الذي يدعو الآخرين للتحرر من عبودية فلان من الناس ، أو التخلص من ظلم السلطان و جلاوزته ..

فيرى صاحب الفكر النيّر أنه أمام ثلاثة خيارات أحلاها مر : إما أن يستسلم للضغوطات و التهديدات التي يتلقاها بصور متعددة ، وإن لم تكن مباشرة إلا أنها تفقده شعور الأمان الذي يحتاج إليه كل إنسان مهما كان توجهه حتى يبدع و يستمر .

أو يهاجر هرباً من بطش الأوغاد و جبروتهم ، تاركاً خلفه تراب وطنه الغالي و أهله و أصدقائه ، بعدما كان مستضعفاً وخائفاً ، و قد ذكر الله تعالى هذا المعنى بقوله ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ (97) . سورة النساء ) ..

و إن لم يفعل الخيارين السابقين فلا شك أنه لن يطول عمره و سيلاقي حتفه بدم بارد ، كما حصل لكثير من علماء و مفكرين عراقيين أحرار .

لكن و بذات الوقت يبقى فكره يهز أركان كهنوتهم و سلطتهم التي يتباهون بها و يتبخترون بالقوة التي يملكونها ، سواء كانت جيوش الحاكم أو مليشيات أحزاب أو مليشيات عميلة لدول أجنبية . إلا أنهم بكل ما يملكون من قوة يخشون ” كلماته ” التي يعجزون عن إيقاف سيلها حتى تجرف أفكارهم و تطيح بجبروتهم المزيف و قوتهم الواهنة و عروشهم الملطخة بالدماء …

و حتى لو قُتِل المفكرون كما تفعل الآن بعض المليشيات الراديكالية من أصحاب الرؤية الإقصائية و ليس أولهم ولن يكون آخرهم الروائي الشهيد علاء مشذوب رحمه الله ، وقبله الكثير والكثير ، فإن حروف كل فكر حر و نضالي تبقى تلاحقهم حتى في منامهم و تنخر في جدران سلطتهم و عقولهم المليئة بالكراهية حتى تتهاوى ، و سيبقى صداها في عقول الناس لن يتوقف و لن يضعف حتى النهاية ..

المقال السابق” عبء ” الديمقراطية !!
المقال التالىمصممون كرافيكيون ، رودولف كوخ
ولد الكاتب العراقي أحمد كامل الجبوري في مدينة القادسية جنوب بغداد في الخامس من كانون الأول_ديسمبر من عام 1991 م - يعيش في بغداد على شواطيء دجلة الخير .. مهندس - حاصل على شهادة البكلوريوس في هندسة الحاسوب/ قسم الشبكات .. نُشرت له مقالات متنوعة ، علمية ، فلسفية و سياسية أيضاً ، في مجلّات و مواقع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد