الشعر العربي بين الحداثة المعاصرة – ج12

 

ومن المهم أن نعرف ان مصطلح ( قصيدة النثر ) قد اكتسب شكلا ادبيا معروفا ورسوخا ثابتا ، وتنظيرا واضحا، استقرت معه الكثير من الأطر الجمالية وهي الأساس لقصيدة النثر المعاصرة والتي تظهر ابرز ملامحها في التخلي عن الوزن والقافية ، والإبقاء على روح الشعر المتمثلة في الإحساس المتقد ، والصورة الخلابة ، واللفظ المنغّم لتستقي جماليتها منها . والتي كانت كمحاولات تعود إلى أشكالية مصاحبة للمدرسة الرومانسية للشعر في مطلع القرن العشرين وقد امتازت باعتماد ها على وحدة السطر الشعري بدل البيت العمودي القديم التقليدي ( التقييدي) وكذلك على نغم الألفاظ ، وجمال الصورة ، وتألق العاطفة فنجد في قصيدة النثر نفس مفاهيم الشعر الرومانسي وآلياته وقد يعتبره البعض في الاغلب الأب الشرعي لقصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر ، ومن المهم كيفية قراءة قصيدة النثر في ضوء تجربة هذا النوع من الشعر .

ويجدر بالذكر أن الشعر المنثور ، يخالف بكل شكل من الأشكال ما يدونه البعض من الخواطر المكتوبة فهو ليست بخاطرة لكنه ربما يكون قريبا منها من حيث التعبير وانتقاء الكلمة الاوضح وهذا واضح ومفهوم فالشعر المنثور نص عالي الشاعرية وقد يدور حول رؤية جديدة أساسها الوجدان المتقد والنفس الحار والخاطر المشحون وبما يحقق جمالية عالية مستفيضة كالزهرة في الحديقة العامة فهي ملك للجميع وتنثر شذاها اليهم بالتساوي .

فقصيدة النثر انتشرت انتشارا واسعا في السنوات الاخير ة بين الشعراء الشباب واخذ يكتب فيها كل من هب ودب الا ان بعضها تميزت برمزيتها الخانقة وغلوائيتها الممجوجة لدى البعض وعدم مفهوميتها الا ما ندر وما دعوت اليه في كتاباتي – مع اني اميل الى القصيدة العمودية وافضلها واعتبرها الاساس في الشعرالعربي ثم كتاباتي الشعرية في دواويني الشعرية كلها من القصيدة العمودية – هو سهولتها وقربها من المتلقي ليفهم ما تسمو اليه في قصدها والغرض الذي قيلت فيه لاحظ قولي في احد تجاربي لكتابة القصيدة النثرية :

افيقي .. افيقي ..
              ذات المكحل الاخضر

في بلدتي عرس
              اوحى به النجم

اهتزت له الدنيا
              وليل الحب مسروج

وغنت اغنية الشوق
              نخيل في البساتين

وغنت سدرة الشارع
              بصوت شبه محزون —-

مع العلم اني شاعر من شعراء قصيدة العمود الشعري ولدي العديد من الدواوين المنشورة فيها لكني ارى في بعض قصائد النثر روعة وبيانا وجمالية الا ان هذه القصيدة لازالت تكتنفها الغلوائية والابهام الذي يعبره شعراؤها سمة خاصة بها وخاصة بعد ظهور الانترنيت والفيسبك من وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الاعلام ووسائل النشر المختلفة التي انارت دروبا وسبلا كثيرة وفسحت المجال للنشر لكل الاخرين وحطمت بعض الابراج المتعالية والتي كان بعضها اجوفا . ومن سلبيات هذه القصيدة ايضا ان اختلط فيها الحابل بالنابل والغث بالسمين وكلٌ يقول انا اكتب شعرا او اكتب نثرا اذن انا شاعر .

ومن اهم خصائص جمالية قصيدة النثر هو الإيجاز ونعني به الكثافة في استخدام اللفظ سياقيا وتركيبيا . – والتوهج ونعني به الإشراق حيث يكون اللفظ متقدا متألقا في سياقه ، كأنه مصباح يطفح نورا حتى إذا استبدلناه بغيره ينطفئ بعض بريقه او يتلاشى وتكون في هذه القصيدة – واعني قصيدة النثر- متوحدة في صياغتها بحيث يكون السطر الشعري الذي يماثل ( البيت الشعري في القصيدة التقييدية ) وحدة متكاملة مع بقية سطور القصيدة فلا سطر يقرأ بمفرده اي ان القصيدة تكون مترابطة متوحدة شمولية لا تحدد بزمن بحيث تكون تنسيقية متفاعلة مفتوحة اطرها تخلت في بنائها عن النغمية والايقاع العمودي لحساب جماليات جديدة ، وأساس هذه الجماليات :

تجنب الاستطرادات والإيضاحات والشروح ، وهذا ما نجده في الأشكال النثرية الأخرى على ان تكون قوة اللفظ وإشراقه قوة جديدة وفاعلة فيها .

فقصيدة النثر : تؤلف عناصرها من الواقع المنظور وفق الرؤية الفكرية للشاعر بعلاقات جديدة بين ألفاظ النص وتراكيبه ، هذه العلاقات مبنية على وحدة النص وحدة واحدة ، ذات جماليات مبتكرة تعتمد على رؤية الشاعر للواقع المادي الخارجي بمنظور جديد ،وامكاناته الشعرية في سياقاتها نحو نمط الجمالية والافضلية بحيث تنعكس هذه الرؤية على العلاقة اللفظية ، وبنية التراكيب ، وقوة التخييل ،و وحدة الرمز الا ان هذه الرمزية اتخذها بعض شعراء هذه القصيدة – قصيدة النثر -ذريعة في الايغال في الابهام والغموض بحيث انعكست سلبا على المتلقي وادت الى عزوفه عن قراءتها في بعض الاحيان حيث يفضل عليها قصيدة العمود الشعري لما فيها من موسيقى في الوزن والقافية القريبان الى اذن المتلقي العربي الموسيقية والتي تعودتها اذنه واحبتها نفسيته بحيث يبقى يفضلها على سواها في كل الاحوال ويردد مع نفسه ما يحفظ من ابيات فيها في بعض الاحيان او ينشدها .

وهذه الحالة يكتنفها في بعض الاحيان او في الاغلب تيار رمزي جارف يقوم على اعتبار الشعر كتابة إبداعية مادتها اللغة، وهذه الكتابة هي عمل ابداعي نابع من اللغة حيث يخلق منها كيانا ذاتيا يختلف عن لغة التعامل اليومي اوعن لغة المنطق الظاهري، يتفاعل معه الفكر الشعوري بالتداعي الحر مشتركا بتيار الأحلام النفسية المنبثقة من نفسية الشاعر ذاته ويهدف إلى ايجاد معان جمالية مبتكرة لها قابلية تغيير الاحوال نحو الافضل في التعامل مع الموروث التاريخي واللغة المقال فيها هذا الشعر، و تحرير الطاقات الكامنة لدى الشاعر تحريرا شاملا يدخل من خلالها الى الطاقات الشعرية الذاتية اوالنفسية والبواعث الانسانية الاجتماعية.
تقول الشاعرة التونسية رحيمة بلقاس في احدى قصائدها النثرية من ديوانها الموسوم (للزوابع اصابع تنحتني :

(هوس التفرد)
امسك قلمي المتعثر بالحزن
اصلبه على حجر الصبر
اتنفس
اناملي متعبة
عبق السحب المنتشية
زخات الندى تبللني
فيح زهر
افتقد طعم الحلم
ياظل الموج
هذا ندى الضوء الساري
قلبي العاري هو نغمة صبح
قرص عباد الشمس يبتهل
النجم يتكئ على شجرة الحب
هبوب النسائم خصلات
سبائكها ذهبية
على لوحة ايام
بلا خريف
تتعاقب فصول تخبئ
حظنا دافئا
لمطر صيفي
يتعاقب الاخضر والازرق في عيد الامنيات
لعائدة من الافق القريب
تلعن الدمع في صفرة خريف يقضي
ليقين
تستوي جمرات لوني
تلتمس عبر جسرها دربي
جتفي احمله جثة الورد
صمتا ثلجيا يعمد الصوت
مطل في صرح عاصفة هوجاء

لا تعليقات

اترك رد