الأشقر يقلب طاولة التوقعات

 

منذ الوهلة الأولى، ومنذ أن حطّت قدم الأشقر ترامب على أرض الانتخابات الأمريكية، وهو يعبث بمزاجيته المصطنعة وشخصيته المركّبة وما يملكه من دهاء يُظهره بالطابع المجنون الدراماتيكي؛ وكعادته حيث يترك أبواب التوقعات مواربة ويتلاعب بهوس المحللين والمتقاعدين عن فهم العمق السياسي، وللمنظرين رواد المقاهي الشعبية هواة الثرثرة، وينصب شركاً منسوجاً من خيط العنكبوت ليوقع الجميع على وجوههم على حين غفلة؛ ومن ثم يقف بطلته الكوميدية ليسخر ويهزأ من سذاجتهم وقلة خبرتهم في فلسفة الاستنتاجات وأبعاد السياسة الأمريكية التي لن تطالها عقولهم قصيرة المدى؛ ثم يدير لهم مؤخرته الضخمة رافعاً يده ملوحاً لهم بالإصبع الوسطى الطويلة علامة نصره وشاهد عيان على سذاجتهم في التحليل والتوقعات.
يومَ أجمع العالم وراهن بكل ما يدعيه من حدس وبنسبة 99,9% على فوز هيلين كلنتون الأكيد والحاسم. فجأة طلع لهم المارد الأشقر في آخر لحظة من المشهد الأخير ليقلب على كل الرؤوس طاولة التوقعات ويعلن عن فوزه بالرئاسة الأمريكية.
فاز ترامب لأن فوزه كان مقرراً ومكتوباً في ألواح محفورة ولأنه الأنسب لتكملة المهام وتنفيذ الأجندة الأمريكية الأسرائلية الإيرانية. فاز حين كان العرب في سكرتهم وغفلتهم يحسبون أن ما يحدث في أمريكا يشبه ما يحدث في بلادهم من انتخابات هي أشبه بالفيلم الهندي القديم حيث تعرف ما يحدث من أول الفيلم ولا يدرون بأن من ماهية السياسة الأمريكية هو قلب طاولة التوقعات فوق رؤوس الأغبياء.
لكن، من لديه الخبرة والدراية عن صفات الشخصية المركّبة، ومن يفهم في الأستراتيجيات الأمريكية المتقلبة، عَرفَ بأن هذا الأشقر المجنون قد تلقى تدريبات عالية المستوى في فن الغواية السياسية وبأنه يملك من الذكاء العاطفي والاجتماعي والاصطناعي ما يؤهله أن يكون الوجه الآخر للسياسة الأمريكية الجديدة وبهذه الكاريزما؛ بينما البسطاء ورواد المقاهي والعاطلين عن التفكير والمصابين بهوس التحليل والتنظير اتهموه ووصفوه بالمعتوه.
تعالوا أيها العرب ومدوا أصابعكم لأعد لكم عليها الإنجازات العظيمة التي حققها المعتوه منذ الليلة الأولى التي انتقل بها إلى غرفة نومه في البيت البيضوي:
ما أن تسلّم الملف من الرئيس السابق أوباما على الفور بدأ بتنفيذ ما هو موكل إليه بهذه الفترة. ومن مهامه وعلى حسب الكاريزما المجنونة هو أن يترك أبواب الوعود مواربة كما فعل مع المعارضة السورية حيث أعطاها الوعود المطاطية ليورطها في حرب غير متكافئة مع النظام، وظل يجعجع ويهدد وينعق؛ فقط ليشغل الأطراف المتصارعة ويتفرغ هو لعقد الأتفاقات الدسمة من المواد الخام والسطو على منطقة الجزيرة في سورية حيث كان هو من يدير دفة الأمور عن بُعد بينما الأكراد هم في الواجهة؛ وما أن انتهت المهمة ونال ما ناله تخلى عن المعارضة السورية مخيباً أمالهم وفاضحاً سذاجتهم في تصديق من لم يصدق أبداً.
انفرد لوحده دون العالمين بالمملكة العربية السعودية مسمياً إياها علناً دون أدنى إحساس بالخجل بالبقرة الحلوب وبالفعل فقد صدق الأشقر حيث درت له البقرة في أول وجبة لها 460 مليار لكنه لم يكتفي بهذا لأن الأجندة فيها ما هو أهم وهو التدخل في الشؤون السعودية من الداخل: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحتى عقائدياً؛ فاستطاع أن يغيّر الخطاب الديني السابق المتحامل على الولايات المتحدة الأمريكية والتي كان يسميها الدعاة وأئمة الجوامع بالشيطان الأكبر؛ ليتحول المسمى إلى الولايات الأمريكية راعية السلام والمحبة وبهذا أصبح مشايخ المملكة يغيّرون من نبرة خطابهم وكذلك معتقدهم ومعتقدات الأولين، الأولين. وبهذا تمكن من أن يبعثر الأيدولوجية السعودية ويجعل شعبها الذي عاش قروناً في الكبت والممنوع ينشغل في ما صار في حياته من أهوال رهيبة. يرقصون ويطبلون ويفتتحون “الديسكو الحلال” ويكتبون الشروط الشرعية لهذا الديسكو ويوظفون نخبة من كبار الخبراء لقياس زاوية الميل الشرعية للراقص في الديسكو والتي لا تتجاوز 14 سم عن محيط الخصر في الميل والألتفاف.
وبما أن الأشقر هو بهلوان بارع بالرقص على الحبال المتدلية والقفز على العمدان كالقرد والسعدان؛ بدأ بالرقص على حبال محاربة إيران وفرض العقوبات عليها والتدخل في مسمار جحا وهو السلاح النووي. تارة يرخي الحبل ويوقع معهم اتفاقية صلح كإشارة ورسالة موجهة إلى المعاديين لإيران والخائفين من التوغل الفارسي أو كقرصة أذن لهم ليشمروا عن جلابياتهم ويمدوا أيديهم إلى جيوبهم ليدفعوا له جزية الحماية من الوحش الإيراني المتربص والممتدة أنيابه من كل حدب وصوب ليقلب طاولة الحوار والتوقعات ويهاجم إيران.
وما بين المد والجزر مع إيران. وخطابه المعادي لها في الظاهر وأمام الرأي العالمي؛ استطاع أن يتوّه المحلليين ويشغلهم بالتوقعات؛ بيما في باطن الأمر هما في قمة الحب والإنسجام والحميمية؛ لأن وجود إيران في المنطقة العربية هو ما يعزز الوجود الأمريكي الدائم ويجعله مبرراً قوياً؛ لاستثمار العداء الخليجي- الإيراني ليتقاسما المصالح والغنائم ترامب يقول لإيران ” أنت خرمشي على جلد العرب وأنا أدّعي الحماية لهم”
وأخر الإنجازات للأشقر المعتوه لحظة قلب توقعات العالم بأسره بعدم مواجهة إيران وعدم خوض حرباً معها مع العلم بأن ما فعلته إيران من استفزاز بتفجيرها للطائرة الأمريكية كان كفيلاً بأن يشعل حرباً كبيرة مع إيران.
إن قرار تراجعه وعدوله عن الحرب مع إيران لم يكن من أجل سواد العيون وليس لوجه الله العلي القدير بل هو من القرارات المخطط لها مسبقاً والمحفور على الألواح العشرة ومن ضمن المهام التي عليه أن ينفذها ليدخل العالم في نوبة حيرة ويعود ليقف على طرف الحفرة التي وقع فيها المحللون والمتشدقون ويرفع للعالم كله الإصبع الوسطى الطويلة ويقول لهم” خذوا هذه الاصبع وضعوها في مكان أنتم تعرفون أين…!!!!
الأشقر حين يقلب طاولة التوقعات حتماً ثمة أمر آخر يدبر ويحاك للعرب؛ طبعاً وبعلم العرب لكن ليس كل العرب إنما ثلة قليلة من العرب…!!
ترامب المجنون كما يقول عنه الساذجون؛ لو أراد أن يحتل المنطقة العربية كلها بعشر دقائق لن يعجزه الأمر فلديه في كل بلد عربي من القواعد العسكرية ما يجعله يحتلها برمشة عين.
لو كانت الثروات العربية الخام هي غاية أمريكا وإيران؛ كان من السهل عليهما أن يتعاونا ويعقدان حلفاً قوياً يجعلهما يحتلان المنطقة العربية بلمح البصر فهي أصلا تحت وصايتهما؛ لكن مثل هذا الاحتلال المباشر والصريح سوف ينهي اللعبة ويقتل فيهما المتعة.. متعة السادية واللذة العدوانية للعرب؛ فالمتعة ليست بالاحتلال المباشر بل هي بالإذلال البطيء وممارسة السادية على أمة العرب وجعلها أضحكوكة أمام الأمم وأمام نفسها وأمام التاريخ.
من يترصد مؤشر السياسة الأمريكية من بعد حربها على العراق سوف ينتبه إلى التغيير الملحوظ في سياستها؛ فهي لم تعد تواجه بشكل مباشر ولا تخوض حرباً حقيقية بل حرباً كلامية دبلوماسية مواربة مفتوحة التفسير والتأويل أو تعمل كسمسار من الباطن وهذه السياسة قد وفرت عليها مليارات الدولارات وبالمقابل نهبت من العرب والعالم الثالث مليارات المليارات ولم تعد تضحي بجندي أمريكي واحد بعد الحماقة التي ارتكبها جورج بوش الابن، وحتى الطائرات الحربية أصبحت بتحكم عن بُعد دون طيار بشري.
مالم يفهمه العرب حتى الآن؛ بأن لكل رئيس أمريكي أجندة مكتوبة مسبقاً ويتم اختياره قبل سنين طويلة ولا تسخر لو قلت لك بأنهم يختارونه وهو ما زال في المهد رضيع.
متى يستوعب العقل العربي المشدوه؛ بأن الخلاف المزعوم ما بين أمريكا وإيران بأنه مفتعل وممنتج ومفبرك ما بينهما ومصالح مشتركة ولعبة تُدار وأوراق اللعبة هم العرب؟
مالم يصدقه العرب؛ بأن إسرائيل وإيران على علاقة جميلة منذ عهد طويل فلا إيران تعادي إسرائيل ولا إسرائيل تخاف من إيران كما يدعون.
وفي نهاية المطاف أختم الكلام “كل الأطراف رابحة إلا الطرف العربي هو الخاسر وهو الأضحوكة والدمية التي تتقاذفها الأصابع الاستعمارية والحاقدة على الأمة العربية بشكل عام والإسلامية بوجه خاص ولن يرحلوا مالم يشفي كل حاقد منهم غليله ويشرب حد الثمالة من دم العرب.

المقال السابقتحولات
المقال التالىالثلاثون من يونيو حزيران بمصر السلام من أجل البناء التنمية
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد