تَلَامِيذُ مُبدِعُونَ

 

مساءَ يومِ السّبت لأربع بقين من شهر أفريل / نيسان سنة أربع عشرة وألفين كان مشهودا. غصّ مسرح المركّب الثّقافيّ بتطاوينَ بجمهور فريد كما لم يكن له بذلك عهد، ليشهد عرضا هو بِدْع من العروض، لكونه لحظة التّأسيس لفعل تربويّ يعيد ما انفصم من عرى تشدّ المتعلّم إلى الدّرسِ، والدّرسَ إلى آفاقِ تقبّل رحبة تضيق عنها جُدُر الفصل وفضاءُ المدرسة وكرّاساتُ التّلاميذ، وإكراهاتُ الواجب، وهاجسُ الامتحان.

هو عَرْض أيُّ عرض. استحال فيه درس “مغامرة رأس المملوك جابر” لسعد اللّه ونّوس لتلاميذ السّنة الرّابعة آدابا عملا إبداعيّا، والنّصُّ المشروح ” في انتظار العمّ مؤنس، لكلّ عملة وجهان، الخبز والجبن، التّدبير جاهز يا مولاي، جابر وزمرّد، الرّسالة، المصير الفاجع، فضاءً ائتلفت فيه الكلمة واللّحن والإشارة والايماءة والحركة والضّوء والعتمة ائتلاف النّصّ والعرض وهما على التّعاظل في الفنّ المسرحيّ.

ما الّذي دفع تلاميذنا من مؤسّسات تربويّة متعدّدة، ومستويات تعليميّة متباينة وشعب في الدّرس مختلفة إلى أن يقرأوا مسرحيّة مغامرة رأس المملوك جابر، وأن يخوضوا تجربة المسرح لأوّل مرّة، وأن يقتطعوا من أوقات راحتهم الّتي أتى على جزء كبير منها الزّمان المدرسيّ تحصيلا، وهاجسُ الامتحان مراجعة ودرسا، ومن لحظات الأنس إلى عائلاتهم أيّام الآحاد أحايينَ يتدرّبون فيها على حفظ الأدوار وعلى أدائها، وعلى ذكاء الجسد وجمال الحضور، وعلى التّعامل مع الخشبة والضّوء والدّيكور، وعلى التّواصل مع المخرج ومع تقنيي الإخراج، وعلى التّحوّل من الشّخص المتحيّز في الزّمان وفي المكان إلى الشّخصيّة كائنا من ورق وخَلْقا من فنّ؟.

ما الذي دفع تلاميذنا إلى حضور العرض بذلك العدد غير المسبوق في تاريخ عروض المركّب الثّقافيّ وإلى ذلك التّفاعل الجميل مع أداء زملائهم يحسنون الإصغاء ويحسنون التّشجيع ويحسنون التّعبير عن إعجابهم وعن أصداء العمل في نفوسهم؛ أحلامٍ لهم أخرى كان قادحَها؟

دافعهم إلى ذلك هو نُسغ[1] الإبداع فيهم؛ مبدعون بالسّليقة همُ، بالجَنُوب الموشوم في تحنانهم، المسكون في أخيلتهم، المنساب في ألسنتهم، المطبوع في وجدانهم، بما توثّب من شوق في حناياهم، وبما توقّد من عزم في ضمائرهم، وبما استقرّ من إيمان بالقدرة على الفعل في نفوسهم.

ما أخطأت عينٌ ذلك فيهم يوم العَرْض، وما أخطأه بصرٌ عند الدّرس؛ تلك فِراسة المربّين الأفاضل، وثمرةُ موصولِ الجهد من الأساتذة الحُذّق، وذاك المعدِنُ المكين جَلته أيادٍ مهرةٌ، ردّتهم إلى الدّرس على كثرة الشّواغل ردّا جميلا، وما ردتّهم إليه حتّى وصلت بينه وبين مغارس الفطن فيهم، وعقدت بين نصوص الكِتاب ونصِّ الحياة معاقد المعنى، وأشْربتهم جليل القيم إذ أسكنتهم لغتهم، أياد قطعت مع الدّرس الرّتيب وَسَمْته الخَلِقِ المُعاد، أياد ولجت إلى العرفان من الوجدان، وقَفَتْه في خطوط أقلامهم، وندى أصواتهم، وألوان ريشتهم، وهمسات معازفهم…، أياد أشرعت موضوعات التّعلّم إلى أوساع ذواتهم، ووصلت فيها بين ذائقة تَمِيز وحاسّة تُدرِك وعقل يُبصر.

ما أجمل أن تجريَ العربيّة على ألسنتهم مبدعين ومفكّرين في إبداعهم، ما أجمل لَحْنهم! ما أجمل جُمَلهم تنتهي رغما عنهم! ما أجمل الكلمات التي تقولها أيديهم ونظراتُ عيونهم! ما أجملهم في عيون آبائهم، في عيون أساتذتهم، في عيون أنفسهم!.

أحْببْ بهم تلاميذ اجتمع في مجلسهم أهل التّربية، والخلّص من أهل الثّقافة والفنّ، وتضافر في عرضهم المسرحيّ الدّرسُ والموهبةُ، وانفتح بهم فضاء المدرسة على محيطها الثقافيّ والإبداعيّ! مجلسٍ أخطأه إعلاميّو الجهة وساستُها فما حفلوا بهم ولا بدعوتهم. كانوا ومُريديهم الأنبياءَ الغرباءَ.

ومن نتائج هذه التّجربة الأصيلة الّتي كانت موضوع مشاركة المنتخب الجهويّ للمسرح بالوسط المدرسيّ بالملتقى الوطنيّ للمسرح بالوسط المدرسيّ بـ”قُرْبَةَ” من ولاية “نابلَ” الحسناءِ بالوطن القبليّ من الجمهوريّة التّونسيّة أوّل شهر أيار/ ماي أن:

– منحت ذوي الموهبة من التّلاميذ فرصة عرض موهبتهم وصقلها واستثمارها.
– حفّزت التّلاميذ من مختلف المستويات بالمرحلة الثّانويّة على مطالعة الأثر.
– ساعدت تلاميذ الرابعة آدابا على مقاربة النّصّ المسرحيّ وذلّلت صعوبات يشكونها في فهم الصّلة بين النّصّ والعرض. بل أغرت زملاءهم في بقيّة المستويات فجسّدوا مسرحيّات يدرسونها كبيقماليون والسّلطان الحائر، وشهرزاد للحكيم، و”مراد الثّالث” للحبيب بولعراس، أو جسّدوا اللّحظات القويّة في ما يقرأون من أقاصيص وروايات.

– نمّت قدرات المتعلّم المعرفيّة والتّواصليّة فأذكت ثقته بنفسه إذ يواجه الجمهور وجمّلت حضوره الركحيّ يجمع فيه بين تواصله اللّفظيّ وغير اللّفظيّ، وأقدرته على أداء النّصوص مراعيا المقام، ومحترما علامات الوقف ومتحكّما في نسق التّلفّظ، ومؤدّيا للأعمال اللّغويّة، ونمّت لديه ملكة الإصغاء، وبصّرت المشتغلين بالشّأن التّربويّ بأهميّة المقاربة الإبداعيّة في درس الأدب والدّرس عامّة.

سيذكر التاريخ أنّ أبناءنا التّلاميذ، فخر أساتذتهم وبلدتهم ولاية تطاوين، قد سبقوا إلى ما به يكون تجديد درس العربيّة وسائله ومقارباته، وإلى ما به يكون معنى التّعلّم: أن يكون التّلاميذ نجوم الدّرس ولألاء، وأن يكون مبدأ الفعل التّعليميّ النّاجع مشدودا إلى الإبداع. وهل الإبداع إلّا صنو الحياة ومظهر من مظاهرها وشكل راق للنّشاط الإنسانيّ يجترح لواقعه المعقّد أصيل الحلول وناجعها؟.

والرّهان – في جميع ذلك – أن ينتظم التّعلّماتِ مشروعٌ جامعٌ، وأن تتنافذ المعارف والفنون مجالات وفضاءات، وأن يتكامل التّربويّ والثّقافيّ والإعلاميّ والسّياسيّ.

هذا سؤالهم وتيك دعوتهم، نبوءتهم.
وكم يُرجف المرجفون أن ولّى زمان التّلاميذ المبدعين. أمّا أنا فإيماني بهم مقيم ما زايلني قطّ.

[1] سَائِلٌ يَكُونُ فِي الْخَلِيَّةِ، كَمَا يَجْرِي فِي أَنْسَاجِ النَّبَاتِ لِتَغْذِيَتِهِ.

لا تعليقات

اترك رد