لفافة من التبغ

 

الحدود الكويتية السعودية , كثبان من الرمل , جنود في مواضع منتشرة في رقعة واسعة تمتد طويلاً , تدخل الى عمق الاراضي المحيطة , الكل في ترقب مستمر و تحت ضغط من المخاوف , ساعة الصفر على وشك الحدوث , طائرات متأهبة و صواريخ منتصبة و دبابات مزمجره تتهادى بعض الاخبار الى مسامع الجنود صدام حسين سوف يشن هجوم كيمياوي تحرق الاخضر و اليابس , كان مقتنعاً تماماً بالمقامرة الخاسرة في هذه الحرب كل المعطيات تؤكد ان الحالة النفسية متأزمة و هذه الحرب القهرية لعبة يطول مداها و الموت آتٍ لا محالة , اقترب منه صديقه سمع المذياع قال له يا اخي لا ترمي بنفسك الى التهلكة و أطفئ الراديو سوف تحدد هدفك الطائرات و تقصف المكان قال له كفى هبلاً غايتهم ان لا نسمع الاخبار حتى لا نعرف الحقيقة و نبقى في وهم الجيش العظيم الذي لا تقهره التكنلوجيا هذه الحرب مهلكة كيف لجيش يفتقر السلاح المتطور و التكنلوجيا ان يكون نداً , الشجاعة وحدها لا تكفي قال الله ذلك ايضاً اعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل يا اخي القوة ليست شجاعة و عراك بالأيدي القوة هي السلاح المتطور الطائرات التي تدك اهدافها عن بعد مدينة كاملة قال له كفاك انك تريد ان تعدم و تكون متخاذلاً نحن جميعنا ندرك ذلك و لكن ليس في اليد حيلة لكنني استبعد الحرب انها محض اكاذيب هي اتفاقيات بين صدام و بوش , رمقه بنظرة المتأسف يا لهم من حمقى قال في نفسه و رددها مراراً انتم حمقى و لا تتعظون من حرب ثماني سنوات خاسرة من يقود جيشة و شعبه الى صناعة مجد كاذب سوف لن ينال الا الخراب و الدمار تباً للتسلط عندما يكون الجموح في احلام الزعماء نحو الامبراطورية يكون العد العكسي للانهزام و السقوط الى الهاوية , انه يعزي نفسه عندما يتكلم معها محللا و متكهناً قال لصديقة اعطني سيجارة اجابه و من اين اعطيك سيجارة و انت تعلم لم يعد عندي مطلقاً سبق و اخبرتك هذه المرة العاشرة تسألني و اجيبك انه ليس لدي و لا واحدة قال له لا بأس على رسلك لا تكن فظاً يمكنك ان تطلب من الاخرين عوضاً عني قال هههه كم انت غريب هل تعتقد ان هناك احد يعطيك من سجائره و الحرب على الابواب .

في هذه الليلة الموحشة جثمت على صدره الهموم و خيم على رأسه القلق و زادت رغبته اضعافاً الى السيجارة الى التلذذ بدخانها حين يدخل رئتيه و هو يحمل تلك الحرارة اللاذعة لقد اخطأ التقدير لم يكون في حسابه ان الاوضاع تتطور لهذه الدرجة و تتأزم الى حد الحرب المرتقبة انه يعلم انها الحرب لكن التوقيت لم يكن في قائمة القريب العاجل لكان قد جلب الكثير من السجائر او جلب كيس كبير من التبغ او ربما غليون كان شاغله الكبير هي تلك الاسطوانة المملؤة بالقطران و النيكوتين و السرطان تباً لهم جميعاً يغور الاطباء و المصنعين و تباً لمن كتب التحذير على علبة التبغ و ليذهبوا الى الجحيم الهنود الحمر اول من اشعل فتيل الموت و تناقلها المستعمرين منذ تلك اللحظة و قاموا بدورهم و استعمروا العالم بلفافة التبغ هذه المقيتة الحسناء التي منعت عني جسدها اليوم , ظل يتنقل من موضع لأخر يبحث عن من يتعطف عليه بسكارة واحدة لم يتقيد بلطافته المعهودة في طلب الاشياء قام يطلب بلا خجل و لا تحفظ كان يأمر لا يطلب لكن لا جدوى الكل لا يريد التفريط بنفس واحد , في هذه الاثناء سمع احتكاك عود الثقاب توجهت جميع احاسيسه نحو الصوت كان الضابط و هو يمر بجانبه صاح عليه سيدي ارجوك هل بالإمكان ان تعطيني سيجارة رمقه الضابط بنظرة غاضبة و صاح فيه ايها الجندي الاحمق سوف تبدأ المعركة و انت تريد سيجارة اذهب الى موضعك ايها الغبي كانت هذه اخر كلمة نطقها الضابط فقد سقطت اولى القذائف معلنة بدأ المعركة بقرب الضابط و من معه فتحولوا الى اشلاء متناثرة قبيل عودته الى موضعه سقط على الارض و ضل يزحف الى ان لزم موضعه ثم اشتبكت القذائف مع بعضها غير ان الطيران كان له التأثير الحاسم ما ان مرت الساعات الاولى حتى انكشف امامه هول ما حدث وجد بضع جنود ممددين غارقين بدمائهم و اخرين يستصرخون توجه الى موضع قريب وجد صديقه هو الاخر ساقط يأن وقد جرح جرحاً بليغاً صاح به انت بخير هل انت على ما يرام قال لا انني اموت ارجوك اذا كتب اليك النجاة ان ترعى اولادي و ان تأخذني اليهم يدفنوني في مقبرتنا في وادي السلام في النجف لا تدعني هنا قال اطمأن سوف اوصلك الى اهلك سالماً .

سرعان ما عادت الطائرات في الهجوم و بدأ وابل القذائف بالسقوط مع فوضى و تخبط بين الجنود حمل صديقة و توجه به الى سيارة واز كانت مركونة حالها حال بقية سيارات الجيش التي تعمل بدمج الاسلاك ببعضها بدون الحاجة الى مفتاح يديرها , انطلق لا على وجهة محددة فقط انطلق و سار مسافة مبتعداً عن مكان الجنود غير ان صاروخ سقط بالقرب من السيارة جعلها تنقلب و تتدحرج مما سارعت في موت صديقه المصاب و هو غاب عن الوعي لفترة وجيزة , كثيراً ما تبنى علاقات وطيدة في الجيش و السفر و في السجون بين اشخاص تجمعهم محنة واحدة و ظروف قادتهم الى مصير متشابه يتكلمون عن حياتهم الشخصية و يفضون عن اسرارهم لبعضهم و من بين هذه العلاقات علاقته بصديقه الذي لقى حتفه كان مستودع اسراره و صاحبه في كل الاماكن و في كل الازمات ملاذ لبعضهما حتى في لحظة الاغماء كان يرى طيفه قادم اليه ماداً ذراعيه يناديه ان ينهض و يقول له خذ بيدي الى اهلي الى اولادي الى موطني المقدس حيث ثرى ابي و اجدادي هيا قم و تماسك حتى نصل الى مبتغانا .

نهض مفزوعاً لا يدرك ما حصل ثم استعاد وعيه الكامل و ادرك ما حصل قام بسرعة كالمجنون يبحث عن صديقه الذي اصبح جثة هامدة وجده على بعد امتار هزه و اخذ يناديه لكن لا جدوى ثم حمله على كتفه و اخذ يسير و هو يهذي ( سوف نصل معاً يا رفيقي لا تقلق اطفالك ينتظرون سوف نأخذ لهم معنا حلوى لذيذة الطعم تنسيهم مرارة الفراق , لا تقلق احملك على كتفي ما دمت حياً اوصلك الى ارض الوطن فتحتضن التراب و تسعد بك زوجتك و تهلل والدتك لقد عاد البطل عاد لكونها سكبت خلفك اناء الماء كي تعود لكنها لا تعلم ان الموت يعشق الجنود و يضمهم اليه هو لا يكترث لمن الغلبة او من ينتصر هو يعرف تماماً ان الاجساد سوف تصير خرق بالية و جثث ثقيلة كما انت الان ثقيل جداً و كتفي بدأ يميل يشعر بالإرهاق ) .

قطع مسافة طويلة يمشي على قدميه و بدء الليل يختفي قطعة قطعة و يسمع اصوات القنابل و الانفجارات ثم بدأت تتصاعد اعمدة الدخان كأنها مارد عملاق يغطي السماء هده التعب انزل جثة صديقه على الارض و تمدد هو بجانبه ثم خاطب الجثة ( اعلم انك سوف تردني خائباً و لكنني بحاجة الى سيجارة هل يوجد عندك واحدة ) سحب جسمه حتى التصق بالجثة و اخذ يفتش في جيوبه لكنه لم يجد شيء ( كنت اعلم انك لا تملك سيجارة لأنك صادق تماماً انت اصدق مني اذا ما كنت انت في مكاني لما اخذت تفتش في جيوبي عن قطعة من التبغ , انت اصدق مني فعلا ) عاد مستلقياً على قفاه ينظر الى السماء التي تلونت بلون الرماد و سحب الدخان اخذت تمتد الى عنان السماء يقذفها مارد يشعل فتيل لفافة تبغ كبيرة ينفث دخانها تتعالى على شكل جرعات اسدلت جفونه حد النعاس فنام يحلم بدخان يلذع شفتيه .

شعر ببرودة تسري الى اطرافه و رعشة خفيفة تهز جسده على ما يبدوا بدأت الحمى تداعبه استجمع قواه ثم نهض و حمل صديقه الجثة و اكمل مسيره تارة يترنح و اخرة يقف يلتقط انفاسه , ثقل الجثة يكاد يقيد تقدمه لكن اصراره و وعده لا يزالان يعطيانه جرعة القوة واضع نصب عينيه شعلة النار المتقدة امامه صاحبة عمود الدخان المتصاعد كأن هذا بئر نفط مشتعل قالها صدام سوف يسلمهم الارض يباب و هباب لقد اشعل ابار النفط , لا بد ان يكون هناك طريق معبد و اليات كثيرة يستطيع ان ينقل فيها جثة صديقه حتى يصل الى الوطن بقليل من القوة و العزم يقتل المسافات و يبتلع الخطوات , قطع مسافة لا بأس بها و الامتار القليلة اصبحت كيلو مترات مترامية انه يرى الجنود امامه يمشون مع سياراتهم العسكرية الكثير منهم على الشارع انه الجيش بأكمله يعود , انتهت الحرب او هو تقهقر ماذا يجري , حث الخطى واصلاً الى الشارع و سرعان ما ساعده الجنود و وضعوه مع جثة صديقه في احدى سيارات النقل قدموا له الماء و الطعام اكل قليلا و قال ( اريد سيجارة ) ( حسناً سوف اجلب لك واحدة , انتظر قليلاً ) ( ماذا حصل , لماذا انتم عائدون ) ( لقد امر الرئيس بالانسحاب ) لم يكمل القائل حديثه حتى دوت الانفجارات و علت اصوات الطائرات ثم اخذت الهيلوكوبترات ترشق الجنود بوابل من الرصاص و هم مكشوفين بلا غطاء و لا وسائل دفاع عمت الفوضى و تناثرت الجثث فوق الشارع و على طرفيه قفز هو وصديقه الجثة و ابتعد عن شارع الموت , اعلن صدام حسين الاستسلام و امر الجيش بالانسحاب و لم يكن امامهم الا الشارع المعبد لكون الدخان و اللهب يحيط بكل المناطق و ليس من المنطق ان يسلكوا طريق النار و الدخان بالانسحاب و لم يفكروا ان وقف اطلاق النار من طرف واحد فكانوا لقمة سهلة تسلي طيران التحالف و تلقط الجنود كما يلقط الطير الحبوب , كان قد استعاد جزء من عافيته لذلك اختفى خلف الدخان هو و جثة صديقه مع من فروا من الجنود ليتفادوا نيران العدو فأكمل طريقه يمشي بجانب الطريق و ثقل الجثة و رائحتها كانت سبباً في تأخره و عدم مساعدته من قبل الاخرين قالو له مرارا اترك الجثة و انجوا بنفسك حالها حال القتلى الاخرين لكنه يرفض مطلقاً و لم يسمع منهم فوجد نفسه وحيدا مع صديقه الشاحب متأخراً عنهم و الحمى بدأت تدك اوصاله مبتعداً كثيراً عن الشارع موغلاً في عمق الصحراء , سقط اخيراً مغشياً عليه من شدة التعب و الحمى و عاودته تلك الحسناء رشيقة القوام ناصعة البياض تطلق سحرها الهندي و تموج بجدائلها البيضاء تخاطبه ان يرقص معها .

افاق اخيراً و حمل الجثة الى مسافة قصيرة فوجد مجموعة من الجنود القتلى و اليات محروقة على ما يبدوا ان صاروخ طائرة استهدفهم و قتلهم جميعاً عليه الوصول اليهم ربما يجد شيء يؤكل او ماء يشرب منه يعينه على هدفه اخذ يدنوا رويداً رويداً حتى و صل اخيراً و ضع صديقه ثم اخذ يبحث في المكان لعله يجد ما يساعده ثم اخذ يبحث عن السجائر في جيوب القتلى , وجد جثه تناديه ان اقبل هنا في هذا الجيب توجد علبه من السكائر الفاخرة انه سومر ازرق اللون من التبغ العراقي الفاخر انه النوع المخصص للتصدير الى المانيا تعال ايها الجندي , كأنه نداء حقيقي جذبه وجه الجثة الغائر ابتسم له حين وجد تلك العابه المليئة بالسجائر , فرح بها و اخيراً سوف ينال منها سوف يحطمها في رئتيه , انتظروا اين الكبريت ليس من المعقول ان لا اجد الكبريت مع هذه العلبة يا له من حظ عاثر , بحث كثيراً لم يجد الكبريت عاد قرب صديقه الجثة منهك القوى تمدد بجانبها و نام واضع علبة التبغ على انفه و اخذ البرد يقرصه و الرعشة تدك اوصاله ثم رأى احد القتلى تغطيه بطانية توجه نحوه و قال ( ارجو المعذرة سوف استعيرها لحظة من فظلك البرد يقتلني ) عاد و نام ملتحف قرب صديقه الجثة .

استيقظ مرعوباً على صوت زمجرة الكلاب و هي تنهش جثة صديقة و تسحبها لتكون وليمة محببة لكنه ابى ان تكون جثته في بطون الكلاب اخذ يدافع عنها بكل ما اوتى من قوة رشق الكلاب بالحجارة نزع حزامه المسمى ( نطاق) انهمر على الكلاب بالظرب و هي تنبح مكشره عن انيابها لكن لا جدوى الكلاب السائبة تذوقت لحوم البشر و اصبحت تستسيغ طعمه و من غير الممكن ان تترك وليمتها ابداً فتوجه الى اقرب بندقية و صوب نحو الكلاب و اطلق رصاصة دوت و علت بصوتها في اثناء تقدم مجموعة من جيش قوات التحالف الامريكي الاوربي و ردوا عليه بوابل من الرصاص ليسقط قري جثة صديقه الممزقة .

لا تعليقات

اترك رد