غرائبية الرمز في متوالية مرج الكحل للأديب منير عتيبة

 

حينما نتحدث عن الغريب من الأشياء أو الأماكن أو الزمان أو حتى الأفعال، فنحن مؤههلين أن نصدق منها ما يحلو لنا، أو نصدقها جميعا أو نصدققها حين الإيحاء بمصدقيتها؛ وهي اللعبة التي يلعبها منير عتيبة مع القارئ، وهذا ما يفرق الغرائبية عن العجائبية بل يميزها بقابلية التصديق، بل وفتح باب الترميز على مصرعيه لبث ما يريده القاص عبر نافذة السرد العجائبي. وهى لعبة بالغة القدم، ولكن كيف يلعبها القاص بهذا الذكاء ليوهم القارئ بمصداقية ما يتنافى مع المنطق؟ دعونا ندخل لزيارة العتبات كقراء مستعدين لتقبل كل شئ ، فالعتبة الأولى وهي العنوان (مرج الكحل) بالتأكيد ولكن العنوان ينبؤني أن له تفسيرًا بين النصوص، أما الذي أهلني كقارئ لاستقبال ما هو آت هو الغلاف الذي ينطوي على لوحة للفنانة الفلسطينية (تمامالأكحل) ولا أدري أي تناص أو مصادفة بين اسم تمام الأكحل واسم العمل ذاته ( مرج الكحل) اللوحة لا تحكي لي عن شيء سوى حصان يقف بين متاهة من الصخور، ودعونا من العنوان لإنه لم يفصح لي عن أغراضه، ولكن الإهداء هو من هيأني لتقبل غرائب منير عتيبة؛ فأنا مقبلة على أسرار أناس وهي كما يقول أنه لا يعرف أسرارهم غيره.

_منذ البداية وأنا أعلم أن هناك رابطًا بين القصص وأريد أن أكتشفه فهي متوالية قصصية، بدأ القاص بالجد وحكى لي سر النداهة وهو السر الأول الذي اختص به الجد حفيده، وقد أفشاه لنا الحفيد، وهل أصدق أنا هذه القصة إلا إذا كانت طريقة الحكي قادتني للتصديق، ومن منا ليست له نداهة أخرجته من واقعه وتركت به بصمة تتوهج حين الذكرى.

_وتأتي قبلة العفريت وهو نص مائز محمل بالتأويلات ، فالمرأة طالما كانت قوية فهي تختار بإرادتها، كم أن لهذه القصة عدة تأويلات خاصة بقضايا المرأة الريفية بالذات، التي كانت ولا زالت لها إرادة ورأي، وليست مستكينة كما احتفظنا بها على هذه الصورة في مجتمعنا الشرقي، وتؤكد الرموز في القصة النص التالي لها، وهو نخلة الجدة التى اندمجت وأصبحت واحدًا دون أن يدري بها أحد

_مرج الكحل القصة التي تحمل المتوالية اسمها ينتابها الكثير من الربكة التي تصل للقارئ بين الجد وجد الجد، فهذا مأزقًا حقيقًا بالنسبة للقارئ يجعله يقرأ منذ االبداية لعدة مرات حتى يصل إلى المراد وذلك بعد عدة فقرات حينما اجتمعت العائلة؛ لتتبين ما أصاب الجد عبد الحفيظ، وهي قصة تحمل الكثير من الرموز المتوارية خلف السطور يبث عبرها المؤلف فكره السياسي والإجتماعي، والقارئ يتلصص ويحاول فك الرموز للوصول إلى المتعة قبل الهدف، ومرج الكحل هي المدينة الفاضلة التي يبحث عنها البطل وأقول مدينته فلكل واحد مدينة خاصة به يتمناها في أحلامه، فالكحل رمز للعين، والعين رمز للبصر، والبحث عن ما يجمل البصر رمزًا أيضا حتى لو كان رمزًا لعودة البصر ذاته، كما عين الماء المالحة بَرَكة عبد الحفيظ الجد أو البطل المغوار، ومن جد إلى حفيد يصل علاج القرية بعدما استفحل الحال؛ فيحتار الحفيد بمن يبدأ علاجه اولا أو بماذا.. رمزية واقعية ولا أقول إنها بلا متعة بل هي المتعة ذاتها كقصص ألف ليلة وليلة التي أخبأت لي الحكمة، وأفرح وأنا احاول حل لغز مرج الكحل.

_في تسع خرزات زرقاء لأجل القادم تجمع بين المتوالية والأقاصيص القصيرة والرمز من خلالها هو الأمل في القادم ولأجل هذا القادم، وهي تساعية ممتعة للغاية، ومبهجة في ذات الوقت لأن المتلقي يستقبل عنها الأمل على مدى تسع خرزات متوالية.. أما الرمزية في رحلة السندباد الأخيرة تصر لنا الأمل المفقود بالأسقاطات المشقة، هي رحلة سياسية من الدرجة الأولى صيغت بمفردات الدهشة والفن.

_القرية هي البطل والرابط لتوالي القصص، والقرية المصرية هي وحدة المكان والهدف والدليل لشفرة النصوص، فالمكانية الثابتة عرفان بالجميل لهذا المكان أو توقيره أو حتى تقديسه بإضفاء روح السحر والخيال على جوانبه وساكنيه، وأبطال القرية هم ذاتهم أبطال النصوص بدء من الأجداد إلى الأحفاد.

_اللغة سهلة بسيطة طيعة في يد القاص فصحى سليمة ملائمة لمكانية القص وهو القرية المصرية بعيدًا عن الألفاظ الدسمة الغير موائمة لذات الحكي الغرائبي.

_المشهدية السينمائية مع تعرية السلبيات تارة وإضمارها تارة أخرى بالتلميح الرمزي، فأنا كقارئ رأيت شجرة الجميز الغاضبة في قصة تحمل نفس العنوان ورأيت قطتها السوداء، كما رأيت النخلتين حين اندماجهما وظلهما في قصة (النخلة)، رأيت سباق الدرجات وجوانب القرية والسرس والتلال في قصة (خالي السفلي) ونص(سر الحمار)، أما في(رحلة السندباد الأخيرة) فهو نص مبهر حد الدهشة.

في نص (الغسيل) تعبير دقيق على اختلاف الرأي، والإسقاطات بها عنيفة كعنف هطول المطر؛ فصناعة المشهدية في جمل متوالية قصيرة ليس بالشيء الهين أو السهل ولكنه يحتاج إلى موهبة من نوع خاص لصناعة المشهدية وتضفيرها بالرمزية والخيال، هو ذات الخيال الذي يمكن القارئ من إمكانية تصديق الحدث في القصة بالرغم من يقينه بخيالية النص، وأنه من صنع خيال القاص والفنان في ذات الوقت.

​​

لا تعليقات

اترك رد