لماذا تتجدد التظاهرات

 

مجموعة كبيرة من الأحلام الوردية اختلطت بالكوابيس التي لا حصر لها ولا عد دارت في رأس كل عراقي ومثلها قد دارت في رؤؤس كثير من العرب حكاما وشعوب وفي دول المنطقة حينما احتلت الولايات المتحدة العراق عام 2003 وكل واحد نسج في خياله وقائع وأمنيات قد تحصل بين مؤيد ومعارض فأمريكا الدولة الأعظم في العالم كانت قد نشرت بيانات أنها ستجعل من العراق البلد النموذج والأمثل والقدوة لكل دول العالم وستنتقل به كما قالت وأيدها البعض من عهد حكم دكتاتوري الى عصر الديمقراطية والانفتاح والبناء والتطور فصدقها البسطاء وفرحوا عندما شاهدوا محطات التلفزة الناطقة بالعربية وحتى الأجنبية ومراكز البحوث تستضيف شخصيات تطبل وتزمر وأخرى تتوعد وترعد قسم منها اختفى الى حيث يعلم الله وأخرى أصبحت اليوم عناوين بارزة في السياسة وصناعة القرار العراقي واستبشر البعض خيرا بهذه الأحزاب خصوصا إن خلفياتها الحزبية دينية حيث أنها أول ما تعني أنها ملتزمة وتعمل على تطبيق الشريعة السماوية العادلة وسيطبق منهج الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الحكم على اعتبار إن الحكم للأغلبية الشعبية الشيعية وانتشرت بين الناس روايات كثيرة عما سيقدم لهم حتى أصبح الخيال يذهب بالبعض الى أن الخير الذي سيعم على المواطن انه سيصبح بحاجة الى ممارسة الرياضة بشكل واسع يوميا تخلصا من التخمة التي ستصيبه نتيجة كسله بعد أن يصبه الملل من زياراته لكل عواصم العالم فهو لا يعمل وهناك من يخدمه من الأجانب وسيستلقي على ظهره وأمريكا ومن ستنصبه حاكما على العراق ستطعمه بملعقة من ذهب بعد أن توزع خيرات البلد الهائلة على أبنائه وهم لا يعملون بل ذهب البعض الى تخيل العمران والبنايات الشاهقة وناطحات السحاب التي سيتم بناءها والأبراج التي تناطح السماء وسوف تجعل المواطن يمتلك مجموعة من الشقق الفائضة عن حاجته والتي لا يسكنها احد وباختصار أصبح الحلم أن أمريكا بعد أن احتلت العراق ورفعت الحصار الذي كانت تفرضه على الشعب العراقي ستنفذ فيه خطط انفجارية لا عد لها ولا حصر وهذا ما حصل بالفعل فقد انفجر المواطن العراقي بشكل لا يستوعبه العقل.

نعم انفجر المواطن العراقي ولكن ليس من الخطط التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية ومن نصبتهم عليه في حكوماتها المتعاقبة كفائزين في مهازل يسمونها انتخابات وكمنفذ مهم لسرقة إضافية لأموال البلد وطرق لنفاذ شخصيات بطونها كجهنم لا تمتلئ أبدا منذ ذلك التاريخ الى يومنا الحاضر بل انفجر غيضا حين يجد أن الأموال الهائلة بأرقامها التي لا يستطيع قراءتها إلا خبير في المحاسبة تذهب مع الريح في مشاريع لم ترى النور إلا على الورق أن وجدت وخطط وموازنات عملاقة تعادل موازنات مجموعة من الدول المتطورة تنعم بالرفاهية مقابل تصدر العراق لقوائم التخلف في كل شيء إلا الفساد فهو الأول فيه.

في عصر الديمقراطية التي جلبتها أمريكا للعراق يتفجر المواطن يوميا غيضا حين يطل مسئول في البرلمان أو في كتلة سياسية مشاركة في الحكم ليشتم السراق ويؤشر خلل بعد خلل لهذا المسئول أو ذاك وهو نفسه لا يحرك ساكنا في سبيل إيقاف فساده وهو ذاته عاجز عن تقديم المستمسكات والإثباتات التي يمتلكها ليدين بها الفاسد وهو إذ يطرحها إنما ينزه نفسه ويسقط خصمه فقط ليضمن من يعيد له الانتخاب في دورة جديدة بينما يظهر آخر يدينه ويفضح فساده وهكذا تدور دورة الاتهامات وحتى الاعترافات لكن دون إجراء إلا بعد أن يهرب السارق بأموال الشعب التي سرقها من البلد.

إن في العراق شعب وهبه الله قابلية على التجدد واستيعاب الظرف الذي يمر به فبعد ستة عشر عام مضت على الاحتلال برز الى الوجود المؤثر في الشارع جيل جديد أكثر نضوجا وطموحا من الأجيال التي سبقته لم يعاني ما عاناه آباءه من ويلات الحروب التي سبقت وجودهم ولم يعاني من ويلات الحصار الأمريكي القاسية بل اختلفت معاناته بأنها نتجت من الجوع في زمن الخير والبطالة في زمن الأموال والجهل في زمن التحضر ووجد أمام عينه عالم عبارة عن قرية صغيرة يتبادل من خلالها المعلومات مع كل شعوب الأرض ويرى مطالب العالم المتحرر فيتعلم منها رغم محاولات التجهيل والتضليل وخلط الأوراق التي يتعرض لها والجهود الكبيرة المبذولة لذر الرماد في عيونه.

كل عام ينزل الى الشارع العراقي جيل جديد بأفكار جديدة ومطالب تؤكد ما طالب به أخيه الأكبر ويضيف إليها مطالب جديدة تفرزها تجدد وتنوع معاناته بينما من يدير القرار الحكومي الذي هرم شاخ في عمره لازال يقبع في قمقمه معتكفا على مصالحه الخاصة أو مصالح من يدعمه ويرعاه وينكفئ على تدبير المؤامرات لشريكه في العملية السياسية فيكتف نفسه ولا يستطيع أن يواكب تطور حاجة عمر الشباب الصاعد وطموحاته والمنظار الذي يفهم من خلاله ما يجري ويحاول أن يصد ويكبح هذا بالقوة تارة أو الترويض تارة أخرى فتزداد الهوة بين طرفي معادلة الحاكم والمحكوم التي تمثل الصراع الحقيقي بين جيلين مختلفين في كل شيء وهذا ما سينتج عنه انفجار هائل لا يمكن السيطرة عليه ويؤدي بشكل أو بآخر الى نتائج اجتماعية كارثية.

يتصور البعض ممن يشترك في العملية السياسية متوهما انه في مأمن من المطالبة بانجاز المطالب فيتظاهر انه يتبنى المطلب الشعبي الملح فيلتف حوله البعض لكن سرعان ما تنكشف النوايا فينفرط عقده وينفض من حوله من سانده بالأمس ويلجأ الى طريق آخر يحقق له مطالبه وأسهل هذه الطرق هي النزول الى الشارع والتظاهر ورفع مطالب جديدة مصدرها معاناته الناتجة عن سوء الإدارة وانعدام التخطيط على المدى القصير والبعيد فما أن تخمد نار تظاهرة في منطقة حتى تعود مرة أخرى ينخرط فيها عدد اكبر ونوعيات مختلفة خصوصا مع وجود من يغذيها ويدفع لتكرارها بالاستناد الى الخلل الواضح في الأداء الحكومي الرسمي.

لا تعليقات

اترك رد